تفسير سورة الشرح

تفسير سورة الشرح

الدرس في تفسير سورة الشرح، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير سورة الانشراح: شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر للنبي ﷺ

يستعرض المقطع فضائل سورة الانشراح مبيناً أن شرح الله صدر النبي ﷺ نعمة عظيمة لتيسير الطاعات والدعوة والأخلاق، وأن وضع الوزر عنه يعني غفران الذنوب التي أثقلت ظهره، ورفع ذكره يتمثل في ذكره مع الله في الشهادتين والأذان والإقامة والخطب، ومحبة الأمة وتعظيمها له بعد الله تعالى.

دلالة التكرار والتعريف والتنكير في قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}

يشرح المقطع المعنى العميق لتكرار الآية وتعريف "العسر" بالألف واللام دلالة على وحدته واستغراقه لكل الشدائد، وتنكير "اليسر" دلالة على تعدده وتكراره، مما يعني أن كل عسر يتبعه يسران أو أكثر، وأن المؤمن لا يقنط من رحمة الله لأن الفرج ملازم للكرب والنصر مع الصبر.

تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} وفضل الدعاء بعد الفراغ والصلاة

يفسر المقطع الأمر بالاجتهاد في العبادة والدعاء بعد الفراغ من الأشغال الدنيوية أو من الصلاة، مستدلاً بأحاديث فضل الدعاء دبر الصلوات المكتوبة، محذراً من إضاعة أوقات الفراغ في اللهو، ومبيناً آداب الدعاء ورفع اليدين بعده دون التزام كيفية بدعية معينة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ونولاه وبعد قال المفسر عبد الرحمن بن ناطر السعدي رحمه الله تعالى تفسير سورة الانشراح بسم الله الرحمن الرحيم ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسراء فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب قال يقول تعالى ممتنا على رسوله ألم نشرح لك صدرك أي نوسعه لشرائع الدين والدعوة إلى الله والاتصاف بمكارم الأخلاق والإقبال على الآخرة وتسهيل الخيرات فلم يكن ضيقا حرجا لا يكاد ينقاد لخير ولا تكاد تجده منبسطا فذكر هذا ربنا سبحانه وتعالى على سبيل الامتنان فدل هذا على أن انشراح الصدر من نعم الله عز وجل العظيم أن يشرح الله سبحانه وتعالى صدرك لفعل الخيرات ولفعل الطاعات كما ذكر المفسر رحمه الله تعالى وكما قال الله سبحانه وتعالى فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله فنعمة عظيمة أن يوفق العبد لعمل الخيرات والإنشراح بفعل الطاعات ولذلك تجد من ضاق صدره يتعجب من من شرح الله صدره للخيرات والطاعات فلربما يقول كيف فلان لا يأتيه الضيق وهو دائما في بيت الله أو وهو يجلس الساعات الطوال في قراءة كتاب الله أو في الجلوس في حلقات العلم والذكر ومع تعجب هذا المتعجب فإن الذي شرح الله صدره يجد من اللذة ويجد من الراحة ويتمنى لو أن الوقت يمتد حتى يبقى على ما هو عليه من الخير والطاعة فانشراح الصدر نعمة عظيمة أن يشرح الله صدرك لطلب العلم النافع للجلوس في مجالس العلم للإكثار من الصلاة ومن نوافل العبادات هذه نعمة عظيمة قد حرمها كثير من الناس فرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرح الله صدره فكان عليه الصلاة والسلام قدوة في الدعوة إلى الله وفي الاتصاف بمكارم الأخلاق وفي الإقبال على الآخرة وهكذا سهل الله له عمل الخيرات والطاعات فانشرح صدره بذلك قال ووضعنا عنك وزرك أي ذنبك الوزر والذنب الذي أنقض أي أثقل ظهرك كما قال تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال ورفعنا لك ذكرك أي أعلينا قدرك وجعلنا لك الثناء الحسن العالي الذي لم يصل إليه أحد من الخلق فلا يذكر الله إلا ذكر معه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الدخول في الإسلام وفي الأذان والإقامة والخطب وغير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرفع الله عز وجل ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو يذكر في كثير من العبادات والطاعات كما ذكر المؤلف أو المفسر رحمه الله تعالى فمن أراد أن يدخل الإسلام يؤمر بأن ينطق بالشهادتين يقال له قل لا إله إلا الله أو أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فلا شك أن هذا فيه رفعة لذكر نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهكذا في الآذان أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمد رسول الله وهكذا في الإقامة وهكذا في الخطب في خطبة الحاجة إن الحمد لله نحمده ونستعينه إلى غير ذلك ففيه أيضا ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن خير الكلام كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم فلا شك أن في هذا إعلاء لذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث يذكر في كثير من العبادات قال ولو في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره بعد الله تعالى فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيا عن أمته نعم فنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم معظم مبجل في قلوب المؤمنين في قلوب أمته فهذا أيضا مما يدخل في قول الله عز وجل ورفعنا لك ذكرك حيث أن المؤمنين يذكرونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويصلون عليه ورتب الله سبحانه وتعالى الأجر العظيم لمن أكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولشك أن هذا من إعلاء ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال وقوله فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا قال بشارة عظيمة أنه كلما وجد عسر وصعوبة فإن اليسر يقارنه ويصاحبه حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه كما قال تعالى سيجعل الله بعد عسر يسرا وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم وإن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا وهذا لفظ من ألفاظ حديث ابن عباس المشهور الذي قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه غلام يعلمك كلمات احفظ الله يحفظك فجاء من روايات هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له وعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا وهذه الرواية يحسنه والعلامة الألباني عليه رحمة الله فآذ فيه كما ذكر بشارة أو بشارة للمؤمنين أنه ما نزل عسر على مسلم إلا ويعقبه يسر وفرج وإزالة لهذه الشدة لهذه الشدة كما قال الله عز وجل سيجعل الله بعد عسر يسرا وكما في الحديث وإن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا وإن مع العسر يسرا قال وتعريف العسر في الآيتين يدل على أنه واحد وتنكير اليسر يدل على تكراره فلن يغلب عسر يسرين فقال الله عز وجل إن مع العسر يسرا لأن العسر جاء في الموضعين معرفا والتعريف يراد به التعيين يراد به التعيين فهو في مقابل الإفراد كأنه يراد به شيء واحد كأنه يراد به شيء واحد فالعسر الأول والعسر الثاني هما واحد لماذا؟ لأنه أتى معرفا أتى معرفا فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا والتعريف يدل على التعريف يدل على التعريف فدل ذلك على أن العسر واحد وأما اليسر فقد أتى منكرا بدون الألف واللام فدل على تعداده فدل على تعداده ففي هذه الآية كما ذكر وقد جاء هذا عن بعض السلف وبعضهم يرويه حديث مرفوع لكن لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام لن يغلب عسر يسرين لأن العسر واحد واليسر متعدد فلن يغلب عسر واحد يسرين فلابد بعد العسر أن يأتي اليسر وهذا فيه المعنى المتقدم قال وفي تعريفي بالألف واللام الدال على الاستغراق والعموم يدل على أن كل عسر وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ فإنه في آخره التيسير ملازم له لأنه قال إن مع العسر بالألف واللام والألف واللام هنا تفيد الاستغراق فتشمل أي عسر تشمل أي عسر مثل ما في قول الله سبحانه وتعالى وخلق الإنسان ضعيفة أي كل إنسان خلق ضعيف الألف واللام هنا للإستغراق استغراق الأفراد فكل إنسان خلق ضعيف وهنا فإن مع العسر أي كل عسر مهما بلغ من الصعوبة ومهما بلغ من الشدة فسيعقبه اليسر هكذا وعد ربنا سبحانه وتعالى فإن مع العسر يسرى فالألف واللام هنا تفيد الاستغراق والعموم لأن من صيغ العموم اقتران الإسم بالألف واللام فدل هذا على أن العسر يشمل كل عسر يشمل كل عسر فلا يقنط المسلم من رحمة الله ومن تيسير الله سبحانه وتعالى فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقد قال القائل ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج وكان يظنها لا تفرج فمهما اشتدت الشدة فلا بد أن يعقبها الفرج أن يعقبها الفرج فهذه بشارة من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين فهذا يسل المؤمن ويعلم أن الفرج قريب إن نزلت به شدة يعلم أن الفرج قريب قال ثم أمر الله رسوله أصلا والمؤمنين تبعا بشكره والقيام بواجب نعمه فقال فإذا فرغت فانصب فهذا الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام وهو كذلك أمر لأمته من بعده وهو أمر لأمته من بعده قال فإذا فرغت فانصب أي إذا تفرغت من أشغالك ولم يبقى في قلبك ما يعوقه فاجتهد في العبادة والدعاء يعني إذا عملت ما تحتاجه من أمر دنياك ومعاشك ثم بعد ما تنتهي من هذه الأعمال فتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى فاجتهد في العبادة والدعاء والإقبال على الله سبحانه وتعالى فإذا فرغت فانصب أي إذا تفرغت من أشغالك وليس معنى هذا أن الشغل مقدم على عبادة الله سبحانه وتعالى وإنما المراد أن العمل الذي يكون في غير أداء الواجبات يكون في غير أداء الواجبات فإنه يعني يقوم به العبد ثم إذا انتهى منه وبقي معه فراغا فيقضي هذا الفراغ في ذكر الله وفي عبادة الله وفي طاعة الله سبحانه وتعالى والإقبال عليه بأنواع العبادات قال وإلى ربك أي وحده فرغب أي أعظم الرغبة في إجابة دعائك وقبول عباداتك قال ولا تكن ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره فتكون من الخاسرين لأن هذا هو حال كثير من الناس ربما يقضي الفراغ في اللعب واللهو وفي كذلك المعاصي والذنوب فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ فالفراغ نعمة من الله سبحانه وتعالى وهي رأس مال المسلم فيجب عليه أن يقضي هذه النعمة في مرضات الله سبحانه وتعالى وليحذر من إضاعة هذه النعمة فإنه سيكون من الخاسرين المغبونين كما في حديث ابن عباس المتقدم قال وقد قيل إن معنى قوله فإذا فرغت من الصلاة وأكملتها فانصب في الدعاء وإلى ربك فارغب في سؤال مطالبك والآية عامة الآية عامة تشمل المعنى المتقدم وتشمل ما بعد الصلاة قال واستدل من قال بهذا القول على مشروعية الدعاء والذكر عقب الصلوات المكتوبات والله أعلم بذلك وهذا قد جاءت فيه الأدلة الذكر بعد الصلوات وكذلك الدعاء بعد الصلوات بل جاء حديث أبي أمامة عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال وقد سئل أي الدعاء أسمع فقال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات ودبر الصلوات المكتوبات فالدعاء بعض الصلاة مرغب فيه مرغب فيه وقد جاءت فيه هذه الأدلة وفيه عموم هذه الآية وفيه عموم هذه الآية لكن ليس الدعاء بالصوت الجماعي كما يفعله أهل البدعي والمحدثات وليس كذلك باستمرار على كيفية معينة كرفع الأيدي دائما وأبدا بعد الصلوات فهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام لكن من فعله أحيانا أحيانا يدعو بغير رفع يديه وأحيانا يدعو برفع يديه فهذا مما جاءت فيه هذه الأدلة وفي رفع اليدين عموم أدلة رفع النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء في الدعاء فالدعاء بعض الصلاة مرغب فيه مرغب فيه وقد جاء فيه هذا الحديث الذي رواه الترمذي ويحسنه العلامة الألباني فهذا أيضا مما يضاف في تفسير هذه الآية وإلى ربك فإذا فرغت فانصب إذا فرغت من صلاتك إذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء وفي الذكر وفي كذلك الإقبال على الله سبحانه وتعالى وإذا فرغت فانصب أيضا يشمل إذا تفرغت أو إذا فرغت من أعمالك وأشغالك ووجدت يعني فراغا فإقضي هذا الفراغ في طاعة الله سبحانه وتعالى وإحذر من عمل أهل الغفلة من الذين يقضون أوقاتهم في اللعب واللهو والمعاصي والذنوب هذا معنى الآية والله تعالى أعلم وبهذا نكتفي وإلى هنا والله تعالى أعلم ترجمة نانسي قنقر