تفسير سورة الهمزة

تفسير سورة الهمزة

الدرس في تفسير سورة الهمزة، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحذير من الهمز واللمز وجمع المال

يفسر المقطع معنى "ويل" كوعيد شديد، ويميز بين الهماز الذي يعيب بالفعل والإشارة واللماز الذي يعيب باللسان. كما يحذر من انشغال جامع المال بعدّه عن طاعة الله والإنفاق في الخير، مبيناً عاقبته في النار.

وصف الهماز اللماز واعتقاده أن المال يخلده

يصور حال من يجمع المال ظاناً أنه سيخلده في الدنيا، بينما الموت يفاجئ الجميع ولا يطيل العمر المال. ويذكر أن الأعمال الصالحة وصلة الرحم هي أسباب زيادة العمر والرزق، ومصير البخيل النار المسماة الحطمة.

صفات النار في سورة الهمزة: الحطمة ووقودها

يفسر تسمية النار بالحطمة لقدرتها على تحطيم كل ما يُلقى فيها من بشر وحجارة، ويبين أن وقودها الناس والحجارة على عكس نار الدنيا. كما يصف شدة حرارتها التي تخترق الأجسام لتصل إلى الأفئدة، ويؤكد أن أهلها محبوسون بأبواب مغلقة وأعمدة ممتدة تمنع أي خروج.

خاتمة الدرس: الاستعاذة من النار والدعاء

يختتم المتحدث بقراءة آية تصف عدم قدرة أهل النار على الخروج، ثم يستعيذ بالله منها ويسأله العفو والعافية. ويختتم الجلسة بالشكر للمشاهدين مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى: قال: تفسير سورة الهمزة، وهي مكية. قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. قال: "ويل": أي وعيد ووبال وشدة عذاب. وهذا هو الصحيح في تفسير هذه الكلمة؛ أنه من باب الوعيد وشدة العذاب والوبال الذي يلاقيه هؤلاء. وقد قيل: إنه وادي في جهنم، وغير ذلك، لكن ما صح في ذلك حديث صحيح. قال: "لكل همزة لمزة": قال: الذي يهمز الناس بفعله، ويلمزهم بقوله. فالهماز: الذي يعيب الناس ويطعن عليهم بالإشارة والفعل، واللماز: الذي يعيبهم بقوله. وهذا هو معنى قول مجاهد رحمه الله تعالى: قال: "الهمزة باليد والعين، يهمز يهمز بيده بالإشارة، أو بالغمز بالعين، أو ما شابه ذلك"، فيكون الهمز بالفعل. قال: "واللمزة باللسان"، يعني: بالقول، بالكلام. فهذا مما حذر منه ربنا سبحانه وتعالى؛ فالمؤمن لا يهمز ولا يلمز، لا بقول ولا بفعل، لا باستهزاء ولا بسخرية، ولا إلى غير ذلك. قال: ومن صفة هذا الهماز اللماز: أنه لا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام. فهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾، يعني: همه أن يجمع المال، وأن يعد هذا المال. ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾: أي أحصاه، وكذلك حسبه. ولذلك جاء عن محمد بن كعب في قوله: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾، قال: "ألهاه ماله، ألهاه ماله بالنهار بجمع هذا إلى هذا، فإذا كان الليل نام كأنه جيفة". هذا هو حال هذا الهماز اللماز الذي لا يقف عند حدود الله، ولا يلتزم بشرع الله؛ تجد همه جمع المال وتعداد هذا المال، والانشغال بهذه الدنيا. فعند طاعة الله تجده متثاقلاً متباعداً، فإذا جاء وقت الإنفاق من هذا المال في طرق الخير تجده من أشح الناس، ومن أبخل الناس. وهكذا لا تجده يصل رحمًا، ولا يرحم ضعيفًا، ولا يكفل يتيماً؛ حريص على هذا المال، حريص على هذا المال. فهذا هو وصف الهماز اللماز. قال: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾: قال: أي بجهله أن ماله أخلده، قال: أي في الدنيا. يعني: يظن بجهله أن هذا المال الذي جمعه، والذي أحصاه وعدده، أنه يكون سبباً في خلوده في هذه الدنيا، أنه ما سيموت. وهذا لجهله؛ كم من إنسان مات بين ماله، كم من إنسان ما تمتع بماله الذي جمعه؛ لأن الموت قد فاجأه وبغته. فليس الأمر كذلك؛ المال لا يخلد أحداً، فالموت ينزل بكل أحد، وبدون وعد، وبدون كذلك ميعاد. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. فهذا لجهله يظن أن ماله أخلده، أي: في هذه الدنيا. قال: فلذلك كان كده وسعيه كله في تنمية ماله. هذا لسان حال من ينهمك وينشغل بهذه الدنيا؛ يجمع على المال، يجمع على المال، وكأنه خالد في هذه الدنيا، وكأنه خالد في هذه الدنيا. فلذلك تجد هذا لجهله يكد ويسعى، ويظن أنه سيخلد في هذه الدنيا، سيتمتع أبد الآبدين بهذا المال في هذه الدنيا، والأمر ليس كذلك. قال: فلذلك كان كده وسعيه كله في تنمية ماله الذي يظن أنه ينمي عمره، يعني: يزيد في عمره. قال: ولم يدر أن البخل يقصف الأعمار ويخرب الديار، وأن البر يزيد في العمر. نعم، فليس جمع المال سبباً في زيادة العمر وتنمية العمر، وإنما الذي ينمي العمر ويزيد في العمر هي الأعمال الصالحة، والإنفاق من هذه، والإنفاق من هذا المال في سبيل الله، وفي أعمال البر والخير. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، وَأَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». صلة الرحم من أعظم الأسباب في زيادة العمر، وفي بسط الرزق. من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه. فأعمال البر هي من أسباب، من أعظم أسباب زيادة الرزق، ومن أعظم أسباب كذلك زيادة العمر. قال: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ﴾: أي ليطرحن، يقذف، يطرح فيه النار. قال: أي لا، ليطرحن في الحطمة. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾: والحطمة هي اسم من أسماء جهنم، والعياذ بالله. سميت حطمة؛ لأن ما يوضع فيها يحطم، ما يوضع فيها يحطم. فالنار وقودها الناس والحجارة، ومع هذا هذه النار لهولها ولشدة حرارتها تحطم هذه الحجارة، وتحطم هؤلاء الناس، كما سيأتي بعد هذه الآيات. فمعنى ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾: أي ليطرحن في الحطمة، أي: في النار التي من صفتها أنها تحطم ما فيها. قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾: قال: تعظيم لها، وتهويل لشأنها. قال: ثم فسرها بقوله: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾، التي وقودها الناس والحجارة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. هذه النار نار الدنيا، وقودها الحطب، خشب، أو يعني ورق، أو إلى غير ذلك. لكن نار جهنم وقودها الناس والحجارة، ومع هذا فإنها تحطم كل ما يقع فيها. نسأل الله السلامة والعافية. قال: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾: قال: التي، أي: من شدتها تطلع على الأفئدة، أي: تنفذ من الأجسام إلى القلوب. فهذه النار لا تزال بمن وقع فيها حتى تصل إلى فؤاده، إلى قلبه، فتخترق جسده وتصل إلى قلبه. ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾: أي تنفذ وتصل إلى الأفئدة، والعياذ بالله. قال: ومع هذه الحرارة البليغة هم محبوسون فيها، قد أيسوا من الخروج منها. سبحان الله! لا يستطيعون الهروب، ولا يستطيعون الخروج من هذه النار، مع ما يتعذبون، أو مع العذاب الشديد الذي يلاقونه فيها. قال: ولهذا قال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾: أي مغلقة. ما يستطيعون الهروب منها، ما يستطيعون كذلك الخروج منها. فهي عليهم مؤصدة: أي مغلقة، ما يستطيعون الهروب، ولا الخروج منها. قال: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: قال: في عمد، أي: من خلف الأبواب. وجاء أن عمد هو جمع عمود، فيقال: عمد بفتح الميم والعين والميم، ويقال: عمد بضمها، بضم العين والميم، فكلاهما صحيح. مثل أديم، يقال: أدم وأدم، يجوز هذا وهذا، وهذا مثلها. ﴿فِي عَمَدٍ﴾: أي في أعمدة، في أعمدة من خلف الأبواب، ما يستطيعون الخروج من هذه الأبواب لإغلاقها إغلاقاً محكماً، لا يستطيع أحد أن يخرج منها. قال: ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾: أي لألا يخرج منها، لألا يخرج من هذه النار، جعلت هذه الأعمدة خلف الأبواب. وقيل: أن هذه الأعمدة هي سلاسل من نار يعذبون بها في نار جهنم، وقيل غير ذلك، ولكن هذا الأقرب، والله تعالى أعلم. ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، لا مهرب لهم. قال: نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العفو والعافية. إلى هنا، آجاكم الله خيراً. شكراً للمشاهدين. ترجمة نانسي قنقر.