الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقدم الدرس مقدمة عن الدورة الثانية والعشرين من الدروس المكثفة في تفسير القرآن، مع التركيز على تفسير سورة الممتحنة للإمام السعدي. السورة مدنية وتتناول موضوع الولاء والبراء وعلاقته بالتوحيد.
يناقش الدرس سبب نزول الآيات الأولى من سورة الممتحنة في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حيث كتب حاطب إلى المشركين في مكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وتطرق إلى خلفية القصة وعلاقتها بصُلح الحديبية وخيانة قريش لهذا الصلح.
يشرح الدرس قصة حاطب بن أبي بلتعة وسبب نزول آية الولاء في تحريم اتخاذ الكفار أولياء وأنصار للمسلمين، مع التركيز على الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا على ما منّ به علينا جل وعلا من هذه النعمة العظيمة أن نجتمع في هذا المسجد المبارك والدار المباركة في هذه الدروس المكثفة التي تبدأ من بعد صلاة الفجر، فيبقى طالب العلم مع العلم من بداية يومه إلى الليل، وهذه نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من عرف قدر العلم. فلهذا فنحمد الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة. وإن شاء الله تعالى في هذا اليوم المبارك الثالث من شهر ذي القعدة نبدأ في هذه الدورة المكثفة التي هي الدورة الثانية والعشرين، وقد كما قد سمعتم في المحاضرة أن هذه الدورات تثمر شيئا أو تثمر أشياء عظيمة على الفرد والمجتمع. وإن شاء الله تعالى في هذا الوقت كما هو مقرر في الجدول أننا ندرس تفسير السعدي في سورة الممتحنة، وهذه السورة قد ذكر أكثر القراء وأكثر المفسرين أن هذه سورة مدنية أي نزلت بالمدينة، وهذا بإجماعه نزلت بالمدينة أو على الصحيح أنها نزلت بعد الهجرة؛ لأن المكي والمدني على الصحيح من أقوال العلماء أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة. وهذه سورة نزلت بعد الهجرة، وهذه سورة جاءت بعد صلح الحديبية، وأكثر آياتها بعد هذا الصلح، وبعض أو بعض آياتها في صلح أو حصلت في نفس وقت الصلح. ومعلوم أن هذا الصلح حصل بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين قريش على أنه عشر سنوات لا يكون بينهما حرب ولا قتال، لكن قريش نقضت هذا العهد، وسيأتي إن شاء الله في التفسير ذكر هذه أو ذكر سبب نزول هذه الآيات وأنه كان بعد أو في وقت الصلح بعدما نقضت قريش. وهذه سورة كما أيضا ذكر العلماء أنها ثلاثة عشر آية قد اتفق أهل المصاحف على أنها ثلاثة عشر آية لم يختلفوا في ذلك، وآياتها غالبها من الطوال، ومحور هذه السورة وموضوعها موضوع مهم جدا، موضوع متعلق بالعقيدة والتوحيد، وألا وهو موضوع الولاء والبراء. هذه السورة ركز ربنا جل وعلا في هذا أو تركيز هذه السورة في هذا المبدأ العظيم وهذه الفريضة العظيمة مسألة الولاء والبراء. ولا شك أن مسألة الولاء والبراء تتعلق بالاعتقاد وبالتوحيد؛ لأن التوحيد ولاء وبراء إثبات ونفي. فلهذا فلا يوجد مؤمن لا يوالي أهل الإيمان، أو لا يوجد مؤمن يتبرأ من أهل الإيمان أو لا يواليهم ويوالي الكفار، كما قال الله عز وجل: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. فلهذا فلابد للمسلم أن يتبرأ من الشرك ومن المشركين. فلهذا جاءت هذه السورة أكثرها في هذه القضية، قضية الولاء والبراء. أنا من الآية الأولى إلى الآية التاسعة في مسألة الولاء والبراء وما يتعلق بهما من مسائل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في التفسير. ومحور آخر أيضا ذكره الله عز وجل في هذه السورة وهي مسألة الامتحان التي حصلت بعد فتح مكة عندما أسلم النساء أو أسلم نساء كثير من أهل مكة، فأمر الله عز وجل بامتحانه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الآيات. وفي الآية الثانية عشرة ذكر ربنا جل وعلا مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء، ثم في ختم الله عز وجل هذه السورة أيضا بالولاء والبراء. فلهذا فهذه سورة كما قلنا محورها هذه المحاور الثلاثة، وأعظمها محور الولاء والبراء. وإن شاء الله تعالى نتكلم على هذه المسائل، مسائل الولاء والبراء في ضمن قراءتنا في التفسير. قال العلامة السعدي رحمه الله عليه عند تفسير هذه السورة في بدايتها: «ذكر كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب ابن أبي بلتعة حين غزا النبي عليه الصلاة والسلام غزاة الفتح، أي أراد أن يغزو فكتب حاطب إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم ليتخذ بذلك يدا عندهم لا شكا ونفاقا، وأرسله مع امرأة فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بشأنه، أي أخبره الله عز وجل، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب وعاتب حاطبا فاعتذر بعذر قبله النبي عليه الصلاة والسلام». هذا سبب نزول الآيات الأولى من هذه السورة، وهي قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى آخر الآيات. فهذه الآيات ذكر أكثر العلماء أنها نزلت في قصة حاطب ابن أبي بلتعة، والقصة موجودة في البخاري ومسلم، لكن لم يصرح فيها أنها نزلت في هذه أو أن سبب نزول هذه الآيات هي هذه القصة، إلا ما جاء عن سفيان ابن عيينة أنه ذكر ذلك. ذكر سفيان ابن عيينة أن هذه الآية أو هذه السورة نزلت في قصة حاطب ابن أبي بلتعة. وأنا في سياق قصة حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه، وهذه القصة حصلت عندما جاءت خزاعة. معلوم أنه كما قلنا حصل الصلح الذي بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين كفار قريش، وهو صلح الحديبية، وقصته معروفة ومشهورة في كتب السيرة. فلما حصل هذا الصلح واتفق الطرفان على هدنة عشر سنوات أنه لا قتال بينهما، فوفى النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الشرط، لكن قريش لم توف. ومن ضمن الشروط التي ذكرت في هذا الاتفاق أن من أراد أن يدخل في حلف النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش ومن معهم دخل. فدخلت خزاعة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حلف، ودخلت بنو بكر قبيلة من قبائل الحجاز قرب مكة فدخلوا مع قريش. ومعلوم أن خزاعة كانت في مكة، فهذا الحلف الذي حصل خزاعة دخلت مع النبي عليه الصلاة والسلام، وبنو بكر دخلت مع قريش. فحصل بين خزاعة وبني بكر شيء من القتال، تهجم بعض بني بكر على بعض من كان من خزاعة، فاستنجد أهل خزاعة بالحرم دخلوا الحرم، ومعلوم أن العرب كانت تعظم القتال في الحرم، معنى ما يتقاتل قد يجد الرجل قاتل أبيه ولا يكلمه بشيء ولا أيضا يذعره بشيء. لكن في هذه القضية من حنق الكفار وعداوتهم على المسلمين أو من حالفهم. فلما دخلت خزاعة إلى الحرم دخل بنو بكر معهم وعاونتهم قريش وقتلوا أهل المجموعة التي من خزاعة. فذهب بعض رؤساء خزاعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم عمرو بن سالم الخزاعي إلى النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكر ذلك ابن هشام في سيرته. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعدما سمع هذه القصة وهذه القضية فقال: «نصرت يا عمرو بن سالم». ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصرح أنه يريد قريشا وأنه يريد مكة حتى لا يتجهز تتجهز قريش أو كذا أو يأتي لهم أنصار فيحصل قتال في مكة وهي بلاد حرام، فعن حرم القتال فيها. فلهذا أيضا كانت من عادة النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغزو جهة ورى بغيرها، ثم جاء في الصحيحين ورى بغيرها، معنى يذكر مكان آخر، معنى يذكر مثلا كذا في الشرق سمعتم مثلا أن قبيلة كذا اجتمعوا أو كذا، فيذكر شيء حتى تذهب الأنظار إلى ذلك المكان. لكن عرف بعض الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد قريشا، أراد قريشا. فلهذا لما جاءت تلك المرأة من قريش جاءت لحاجة، فذكر بعضها لسير أنها كانت تستعين بمال، وبعضهم ذكر غير ذلك. المهم أن حاطب ابن أبي بلتعة كتب كتابا إلى قريش إلى قريش، ويقول في هذا الكتاب كما ذكر بعض أهل السير أنه قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام عزم على أن يغزو قريشا، أو بمعنى هذا الكلام. فأخذت هذه المرأة هذا الكتاب وأرادت أن تذهب إلى مكة، فأوحى الله عز وجل إلى نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بهذا الخبر، وأن هذه المرأة معها كتاب تريده إلى أهل مكة. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام عليا والزبير والمقداد ابن الأسود، فقال لهم: «اذهبوا إلى روضة خاخ، ستجدون امرأة معها كتاب من حاطب ابن أبي بلتعة إلى قريش». فذهب علي والزبير والمقداد، وبعضهم يذكر أيضا رابعا، لكن الذي جاء في الصحيحين هؤلاء الثلاثة حتى وجدوا هذه المرأة في المكان الذي حدده النبي عليه الصلاة والسلام. فقال لها علي: أخرجي الكتاب الذي معك. فقالت: ما معي كتاب. فقال لها: لتخرجينه أو لنجردك. أنا لابد ما دام النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام فلا شك في وجوده. فقالت: ابتعدوا. ثم اخرجته من قرون شعرها، اخرجته من قرون شعرها، معنى وضعته في شعرها. وهذا أيضا يدلنا على أن العرب ما كان أحد منهم يفتش شعرها حتى من المشركين، معنى النساء المشركين ما يفتحن شعورهن. لهذا قالت لهم: ابتعدوا حتى لا تفتح شعرها عندهم. فأخرجت بعد ذلك الكتاب، فأخذه علي ومن معه وسلموه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فاستدعى النبي عليه الصلاة والسلام حاطب ابن أبي بلتعة، وقال: «يا حاطب ما هذا؟». فذكر له حاطب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله، أنا لست من قريش، وإنما تحالفنا معهم، وليس من أنفسهم. حاطب ليس من قريش، وإنما تحالف مع بعض قبائل قريش. وما قالوا: ما من أحد من أصحابك إلا وله أهل يحمون أهلهم هناك. قال: فأردت أن أجعل لي يدا في ذلك أو في هذا الأمر أو في عند قريش يحمون بها أهلي. وجاء في رواية خارج الصحيح أنه قال: ولم يضر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم أفعل ذلك ارتدادا ولا شكا في ديني. أنا لم أفعل هذا أني أردت أن أرتد أو أني أشك في هذا الدين العظيم. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقكم». أما إنه قد صدق في كلامه. فقال عمر: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: «يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم». وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذا الحديث في سياق الكلام في قضية الولاء والبراء. فهذا ما هي القصة التي ذكرت في سبب نزول هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. فعالج الله عز وجل هذه القضية بعينها، هو اتخاذ الكفار أولياء. ومعنى أولياء أي أحباب وأنصار، أن ينصرهم ويحبهم يودهم وينصرهم على المسلمين مع محبتهم ومحبة دينهم. فهذا الولاء الذي نهى الله عز وجل عنه أيضا، وما يتبع ذلك من محبة ونصرة. ويختلف هذه المحبة والنصرة كما سيأتي إن شاء الله الكلام على ذلك. فلهذا فسبب نزول هذه الآيات أو بداية هذه السورة هذه القصة، قصة حاطب ابن أبي بلتعة. وإن شاء الله تعالى في الدرس الذي سيأتي نقرأ كلام المؤلف في تفسير الآية الأولى من هذه السورة. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا أو بما سمعنا وبما قرأنا، وإن شاء الله إلى درس لاحق. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين.