الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي عداوة الكفار للمسلمين وكيفية إخفائهم للمودة والمحبة وظهور العداوة عند التمكن. يشير إلى شدة كراهية الكفار للمسلمين ورغبتهم في إيذائهم.
يتناول تحذير الله للمسلمين من موالاة الكفار واتخاذهم أولياء، ويوضح ضرر ذلك عليهم حتى لو كانوا أقارب. يشدد على أن الكفار يسعون لإذلال المسلمين وأذيتهم.
يؤكد على تحريم موالاة الكفار ووجوب البراءة منهم، حتى وإن كانوا أقارب. يجب على المسلم أن يتبرأ منهم ويبغضهم لعداوتهم للإسلام وأهله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون﴾، قال رحمه الله: ثم بين تعالى شدة عداوتهم تهييجا للمؤمنين على عداوتهم، أما بين أولا في الآية أنهم أعداء الله جل وعلا، بين أنهم أعداء وأعداء أهل الإيمان. قال الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء»، فلهذا لا ينبغي أن تتخذوهم أولياء تلقون إليهم بالمودة بالمحبة. ثم ذكر أيضا من الأسباب التي تجعل هؤلاء أيضا أشد أو تجعل أو مما يبينه سبحانه وتعالى أن هؤلاء من الكفار يعادون أهل الإسلام، يعادون أهل الإسلام ولا يرجون لهم الخير، بل يرجون لهم الكفر والفساد. فقال جل وعلا: ﴿إن يثقفوكم﴾ أي يجدوكم وتسنح لهم الفرصة في أذاكم ﴿يكونوا لكم أعداء﴾، أي يتمنون أن تأتيهم فرصة فيكم، فإذا وجدوا فرصة فيكم فإنهم يفعلون بكم الأفاعيل. قد يظهرون المودة لأهل الإيمان أو قد يظهرون الرحمة، لكن إذا تسلطوا عليهم أذاقوهم سوء العذاب. هؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بالرفق على أهل الإيمان، لكنهم إذا تمكنوا من أهل الإيمان ومن أهل الإسلام فعلوا بهم الأفاعيل. قال الله عز وجل: ﴿لتجدن شد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾، فهؤلاء النصارى مع هذه المودة لأهل الإيمان، لكن إذا تسلطوا على أهل الإيمان أذاقوهم سوء العذاب. ولهذا بين الله عز وجل أنهم أعداء أعداء لدين الله وأعداء أيضا للمسلمين. قال: ﴿إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء﴾ أي ظاهرين يظاهرونكم بالعداوة، يعني إذا كانوا في ضعف لا يظاهرون بالعداوة. قال: ﴿ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء﴾ أي بالقول الذي يسوء من شتم وغيره، يحاولون أن يستخدموا كافة الوسائل في إذلال المسلمين وأيضا كذلك في أذيتهم، سواء كان بالقتل أو بالضرب أو بالشتم وبالأقوال السيئة. ثم بعد ذلك أيضا قال الله عز وجل: ﴿وودوا لو تكفرون﴾، فإن هذا غاية ما يريدون منكم، هذا الذي يريده أولا الكفار أنكم تكونون مثلهم سواء بسواء تكونون كفارا. قال رحمه الله: فإن احتججتم وقلتم نوالي الكفار لعلة القرابة والأموال، قال الله عز وجل: ﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير﴾، فلذلك حذركم من مغالاة الكافرين الذين تضركم مغالاتهم، حتى ولو كان هؤلاء من أقربائكم لا تتخذوهم أولياء لأن اتخاذهم أولياء يضركم. قال الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان»، إذا كانوا يريدون الكفر لا تتخذوهم أولياء. فلهذا الله عز وجل قطع علاقة المسلم بالمشرك، فالمسلم لا يوالي أهل الكفر أبدا ولو كانوا أقاربا. لكن سيأتي ربنا جل وعلا يبين أنه لا بأس أنه يصل أرحامه ولا بأس أنه يبرهم، لكن لا يجعل لهم المودة إلا ما كان من المودة المحبة الطبيعية، هذا جائز. إنسان مثلا يحب أن يكون لأخيه من أبيه الخير ويسلم ويهديه الله عز وجل، فهذا من محبة المحبة الطبيعية أو المحبة التي تكون مثل الرحمة للأقارب وللأرحام. قال الله عز وجل لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، فقال الله عز وجل: ﴿من أحببت﴾، ذكر المحبة، وهذه المحبة محبة طبيعية هي المراد بها الرفق واللين معهم وإرادة لهم الخير. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾. فالكفار لا يجوز محبتهم وموالاتهم حتى ولو كانوا من الأقرباء، لكن قد يكون هناك محبة طبيعية على مثل الرفق بهم وإرادة لهم الهداية. لا شك ولا ريب أن المؤمن يحب للناس الهداية، وكلما زاد الإيمان في قلب المؤمن كلما أحب أيضا للناس الهداية. ولهذا تجد أن أحرص الناس على هداية الناس هم الرسل، أحرص الناس على هداية الناس هم رسل الله جل وعلا. قال الله عز وجل: ﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير﴾، حتى لو اتخذتمهم أولياء لن ينفعوكم يوم القيامة ولن تنفعكم هذه الولاية. وقال كما ذكرنا في سورة التوبة: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان»، فلهذا الواجب على المسلم أنه يتبرأ من المشركين ولو كانوا أولي قربى. فربنا جل وعلا هنا يؤسس وأيضا يرسخ في قلوب أهل الإيمان أنهم لا يتخذون الكافرين أولياء أبدا، بل يجعلون في قلوبهم البغض والكره والعداوة لهؤلاء الكفار لأنهم أولا يعادون أهل الإسلام، عندهم عداوة شديدة لأهل الإسلام. وأيضا إن وجدوا فرصة في أهل الإسلام فتجد أنهم يتسلطون عليهم بالقتل والضرب والشتم والتعذيب والأذى. وكذلك أيضا إن وجدوا أيضا ما يجعلون أهل الإسلام كفارا فكانوا من أشد الناس في ذلك. ولهذا تجد الكفار يخططون بوسائل كثيرة، سواء كان بالغزو والقتل للمسلمين واتحادهم، أو سواء كان بالغزو الفكري، يبثون فيهم الفساد، يبثون فيهم الأفكار الشاذة، يبثون فيهم الانحرافات. وهذا كله من اليهود، يزرعونه في أهل الإسلام، يأتي بعض المنافقين ممن يكون من العرب أو ممن يدعي الإسلام ثم يأتي بمثل هذه الشبه يريد أن يشكك المسلمين في دينهم، فهذا من خطط اليهود لأجل إبعاد المسلمين عن دينهم ولأجل أيضا كما قال الله عز وجل: ﴿وودوا لو تكفرون﴾. فلذلك حذركم من موالات الكافرين الذين تضركم موالاتهم، يعني من والاهم يوم القيامة سيجازيه الله عز وجل ويرى أنه أيضا الحكم عند الله عز وجل والفصل من الله سبحانه وتعالى. وهذا تحذير لأهل الإيمان أنهم لن ينفعهم اتخاذ أقاربهم مثلا أولياء، بل هذا يضرهم ويضرهم في دينهم. فلهذا المسلم يحذر أن يجعل محبته لهؤلاء الكفار، وخاصة المحبة التي تعقبها نصرة، وهذه المحبة هي المحبة القلبية لأنها تعقبها نصرة وهي الولاية أو الموالاة التي ذكرها الله عز وجل.