الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
دعا إبراهيم ومن معه من المؤمنين الله ألا يكونوا فتنة للكفار وألا يتسلط الكفار عليهم بسبب ذنوبهم. التمسك بالله والتوكل عليه هو السبيل لمواجهة الأعداء.
الابتعاد عن الدين والاتجاه نحو الشهوات أدى إلى ضعف المسلمين وتمكين الكفار. الرجوع إلى الله والتقوى والعمل الصالح هو سبيل استعادة المجد.
التأسي بالرسل والاقتداء بهم مهم في مواجهة الكفار، والله عز وجل هو العزيز الحكيم. الله يُحمد في ذاته وصفاته وأفعاله لما فيها من حكمة وخير.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لهداه، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، ونستعينه سبحانه وتعالى، ونستغفره، ونستهديه، ونتوكل عليه. قال المؤلف عند قول الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: لا تسلطهم علينا بذنوبنا، فيفتنوننا، ويمنعوننا مما يقدرون عليه من أمور الإيمان، ويفتنون أيضًا بأنفسهم؛ فإنهم إذا رأوا لهم الغلبة، ظنوا أنهم على الحق، وأنا على الباطل، فازدادوا كفرًا وطغيانًا. فـ «ربنا جل وعلا بعدما ذكر قول إبراهيم ومن كان معه من أهل الإيمان في براءتهم من أهل الكفر، ثم أنهم دعوا الله: ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير»، فالأمور بيد الله جل وعلا، فمن تمسك بالله، والتجأ إلى الله جل وعلا، كفاه الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، أي: كافيه جل وعلا جميع أمره. فلهذا المسلم يكل أموره إلى الله، يكل أموره إلى الله جل وعلا؛ فـ «ربنا جل وعلا هو متولى الأمور، والأمور بيده سبحانه وتعالى»، فلهذا هؤلاء نبي الله إبراهيم ومن معه وكلوا أمرهم إلى الله؛ لأن الأمر بيده، ومن ذلك أنهم عادوا هؤلاء الكفار وتبرأوا منهم، وأيضًا بعد ذلك لا شك أنه سيحصل بينهم الحروب، سيحصل بينهم القتال والتنازع وغيرها. فلهذا وكلوا أمرهم إلى الله جل وعلا؛ لأنه بيده الأمور، ثم أيضًا دعوا الله عز وجل أن لا يسلط عليهم هؤلاء الكفار: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: لا تجعلهم يفتنوننا بتسلطهم علينا. ولهذا قال: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾؛ لأن أعظم الأسباب التي تجعل الأعداء يتسلطون على أهل الإسلام هي الذنوب، هي الذنوب. انظر يا عبد الله إلى تاريخ هذه الأمة وتاريخ مجدها، وأيضًا كيف كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وما بعده، مكن الله عز وجل لهم؛ لأنهم كانوا أهل إيمان، وهل توكل على الله عز وجل، لم تأخذهم الشهوات، ولم تفتنهم الدنيا وملذاتها، بقوا على أمر الله جل وعلا ودينه، فلهذا نصرهم الله، وكان معهم جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلهذا حصل لهم الاستقرار والتمكين. ثم بعد ذلك بعد سنوات كثيرة تضعضع هذا الأمر، وابتعد الناس عن دين الله، وابتعد الناس عن دين الله، وأخذوا في الشهوات والملذات، فلم يتسلطوا بعد ذلك على الكفار، بل تسلط الكفار عليهم، جاءهم عدو غاشم من بلاد بعيدة، وهم التتار، ودخل بلاد المسلمين وأفسد وقتل ونهب أهل الإسلام، وهذا كل ذلك لضعفهم ولضعف إيمانهم، وأيضًا كذلك لالتفاتهم للشهوات وتركهم دينهم، أي: تمسك بدينهم، فأقبلوا على الشهوات والملذات، وأقبلوا على الذنوب والسيئات، فكان عقوبة الله عز وجل لهم أن سلط عليهم الكفار. في آخر دولة بني العباس تجد أن الدنيا دخلت عليهم، وأيضًا كذلك كل واحد يريد أن يأخذ من هذه الدنيا ومن هذه الشهوات، كثرت الشهوات والملذات، فضعف إيمانهم، ولهذا من الخزي العظيم الذي حصل لكثير من المسلمين أنهم سلموا أنفسهم للتتار، سلموا أنفسهم للتتار، حتى وجد من المسلمين من يذهب إلى هؤلاء الكفار لأجل أن يقتلوه، لأجل أن يقتلوه، كان ضعفًا عظيمًا فيهم، وكل هذا بسبب الذنوب والمعاصي. فإذا أرادت الأمة أن ترجع مجدها، وكذلك أيضًا تمكينها، فإنها تتخذ الأسباب التي تجعلهم كذلك، ومن هذه الأسباب اللجوء إلى الله عز وجل والدعاء له، فتجد أن في سيرة الأنبياء وأقوامهم والصالحين كلما حاربوا الكفار أو نازلوهم أو ما يكون من مثل هذا، تجد أنهم يلتجئون إلى الله، وأيضًا يدعون الله عز وجل أن يغفر لهم ذنوبهم؛ لأن الذنوب في هذه المواطن تخون العبد وتخذله، وأيضًا تذهب عليه بأشياء كثيرة بسبب هذه الذنوب. فله من أراد المجد وأراد التمكين، فعليه بتقوى الله جل وعلا، وترك هذه الذنوب، واللجوء إلى الله جل وعلا بالتضرع، وكذلك بالأعمال الصالحة، فإذا رجعت الأمة إلى دينها وإلى ربها جل وعلا، فإنه سيأتي مجدهم وتمكينهم. وكما جاء في الحديث: «إذا ظن الناس بالدرهم والدينار، وتبايعوا بالعينة، وأخذوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، سلط الله عز وجل عليهم ذلًا لا ينزعه حتى يراجعوا دينهم»، أي: يرجعوا إلى الله عز وجل، فإن الذل سينتزع منهم، ويكون لهم التمكين والغلبة. فلهذا كان هؤلاء أهل إبراهيم نبي الله إبراهيم عليه السلام ومن معه من الصالحين يدعون الله عز وجل أن لا يسلط عليهم الكفار فيفتنونهم بدينهم، يفتنونهم عن دينهم؛ لأن الكافر إذا تسلط على المسلم، تجد أنه يرغمه على الكفر، ويعذبه لأجل أن يكفر. قال: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾، أي: ما اقترفنا من الذنوب والسيئات، وما قصرنا به من المأمورات. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾، أي: القاهر لكل شيء، فعزة الله عز وجل عزة قهر، وعزة عظمة، وعزة قوة جل وعلا، فلهذا يلتجئ العبد إليه. قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، الذي يضع الأشياء في مواضعها، فبعزتك وحكمتك انصرنا على عدونا، واغفر لنا ذنوبنا، وأصلح عيوبنا. فـ «ربنا عز وجل عزيز جل وعلا، له العزة والعظمة، لكن عزته بحكمة سبحانه وتعالى، فيضع الأشياء في مواضعها»، فلهذا من لجأ إليه لا يخيب، ومن توكل عليه كفاه جل وعلا. قال: ثم كرر الحث على الاقتداء بهم، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وهذا لأجل أن ينتبه أهل الإيمان أن طريقهم إلى التمكين هذه هو توحيد الله جل وعلا، والمودة والولاء لأهل الإيمان، والبراءة من أهل الكفر ومن كفرهم؛ فإنه إذا حصل مثل هذا، فإن الله عز وجل سينصرهم ويمكنهم. فلهذا كرر الله عز وجل هذا الأمر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وليس كل أحد تسهل عليه هذه الأسوة، وإنما تسهل على من كان يرجو الله واليوم الآخر، يسر الله عز وجل له هذه الأعمال، وأيضًا هذه الأسوة. قال: فإن الإيمان واحتساب الأجر والثواب يسهل على العبد كل عسير، ويقلل لديه كل كثير، ويوجب له الاقتداء بعباد الله الصالحين والأنبياء والمرسلين؛ فإنه يرى نفسه مفتقرًا مضطرًا إلى ذلك غاية الاضطرار، أي: أن يقتدي بعباد الله الصالحين. قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَأَسِي بِرُسُلِ اللَّهِ فَلَنْ يَضُرَّ إِلَّا نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا﴾، فالذي يتولى فهو سيكون تحت تسليط الكفار، يتسلطون عليه، وأيضًا يكون مدحورًا له. وقد قال الله عز وجل في هؤلاء الكفار: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾، ليس لهم لا رحمة ولا شفقة على أهل الإيمان، بل إذا تمكنوا منهم حصدوهم، وأيضًا أبادوهم. وانظروا إلى اليهود هذه الأيام كيف يفعلون بإخواننا في غزة، فلا رحمة ولا شفقة على هؤلاء العزل المساكين، وهذا دأب هؤلاء الكفار لعنهم الله. قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾، أي: الذي له الغنى التام المطلق من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا التجأ إليه العبد، فهو الغني سبحانه وتعالى أعطاه ما أراد، وأعطاه ما مكنه في هذه الحياة. قال: ﴿الْحَمِيدُ﴾ في ذاته وصفاته وفعاله؛ فإنه محمود على ذلك كله، هو الغني الحميد جل وعلا، فهو ليس محتاجًا إلى أحد؛ لأنه عنده الغنى التام المطلق من جميع الوجوه، فهو يعطي عباده، فإذا رجعوا إليه ولجأوا إليه وأثنوا عليه، أعطاهم جل وعلا مما يمكنهم في هذه الحياة. قال: ﴿الْحَمِيدُ﴾ في ذاته وصفاته وفعاله؛ فإنه محمود على ذلك كله، حميد في ذاته لعظمته سبحانه وتعالى، وكذلك في صفاته، وكذلك في أفعاله؛ فهو جل وعلا أفعال كلها حكمة، وأفعال كلها أيضًا كذلك يكون فيها حمد لعباده له جل وعلا لما يكون فيه من التمكين، ولما يكون فيه أيضًا كذلك لما يكون فيه من رغد العيش وتيسير الأمور، وأيضًا كذلك الدفاع وصرف الباطل عنهم، وصرف أيضًا الأمور المكروهة عنهم إذا رجعوا إليه وإذا لجأوا إليه جل وعلا. فهذا ما يذكر في تفسير هذه الآيات، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.