الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 52، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع حديث عائشة عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم «سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» الذي كثر منه بعد نزول سورة النصر وفتح مكة، مبيناً السياق التاريخي لعام الوفود. ويناقش موضع هذا الذكر في الصلاة وهل يقال بين السجدتين أم في التشهد وفق روايات مختلفة.
يستعرض المقطع أذكار الركوع والسجود المشتركة والمفردة، ويناقش تفضيل القيام أم السجود في الصلاة، ثم يفتتح باب الوتر بتعريفها لغة وشرعاً. ويذكر حديث ابن عمر في كيفية صلاة الليل والوتر بركعة واحدة مع قصة بكاء جذع النخلة.
يشرح المقطع حديث النبي عن صلاة الليل مثنى مثنى والوتر بواحدة إذا خشي الصبح، ويستعرض خلاف العلماء في حكم الوتر حيث ذهب الجمهور إلى أنه سنة مستحبة. ويناقش عدد ركعات قيام الليل واختلاف الروايات بين إحدى عشرة وثلاث عشرة ركعة مع تضعيف زيادة «والنهار».
يختتم المتحدث بالدعاء بالتوفيق للجميع فيما يحبه الله ويرضاه، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله ويحمد الله رب العالمين. ويفوض العلم لله تعالى في ختام الدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع كتاب الصلاة من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. والحديث كان حول باب التشهد في الصلاة، باب التشهد في الصلاة، ومر معنا مجموعة من الأحاديث المتعلقة بذلك، كان آخرها حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم معلماً له: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم. وختم رحمه الله تعالى هذا الباب بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. وقال: وفي لفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي. وهذا الحديث كما تلاحظون أن فيه بيان حكم هذا الدعاء العظيم، والموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به في الصلاة. قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: قالت: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، وصلاة هنا نكرة في سياق النفي فتعم النافلة والفريضة، فتعم النافلة، وهكذا أيضاً الفريضة. قالت: بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، والمقصود بالفتح هنا فتح مكة، وكونها أصبحت دار إسلام، دار إسلام. فنصر عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة، غزوة فتح مكة، التي كانت في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة. والناس يا إخوان كانوا ينتظرون نهاية الصراع بين الإسلام والتوحيد وبين الوثنية، وبين الوثنية والشرك. فلو ظهر المشركون على المسلمين لبقيت الوثنية والأصنام، لكن نصر الله عز وجل نبينا عليه الصلاة والسلام، نصر أمَّنَ دينه، فعُلت راية التوحيد، وهُدِمَت الأصنام، وبِهدم الأصنام بمكة وإزالة معالم الشرك زالت تلكم الوثنية في كثير من أنحاء وربوع الجزيرة العربية. ولهذا في العام الذي بعده، السنة التاسعة من الهجرة، سُمِّيَت بعام... السنة التاسعة سُمِّيَت بعام... يا أبا مصطفى، سُمِّيَت بعام... السنة التاسعة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، هذا في السنة الثامنة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، يا أبا عامر، سُمِّيَ بعام... السنة التاسعة، نعم يا أبا... يا أبا الزبير: عام الوفود، أتَت الوفود من كل حدب وصوب يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، على الإسلام. قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، والنصر يا إخوان هو الإعانة والظهور على العدو، والفتح هو فتح البلاد، فتح البلاد. ويلزم يا إخوان من فتح البلاد أن يكون هناك نصر، أن يكون هناك نصر، ولا عكس، لا يلزم من النصر أن يكون هناك فتح. قالت: قالت: إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي. ما هو الموضع الذي يؤتى بهذا الذكر أو هذا الدعاء فيه من الصلاة؟ متى يؤتى بهذا الذكر يا محمد؟ بين السجدتين. طيب، هكذا يقول محمد، فمن يوافق ومن يخالف يا أبا الفاروق؟ أم وافق أنت أم مخالف؟ مخالف، فما هو قولك؟ أحسن، بدليل... وفي لفظ: أحسن، بدليل الرواية التي بعدها. قال: وفي لفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده، في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي. وهذا يعتبر من أذكار الركوع، وهكذا أيضاً من أذكار السجود. وللركوع أذكار، وللسجود أذكار متعددة، كسبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود، ونحوها. أما هذا فهو مشترك بين الركوع والسجود. والشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتابه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم جمع أذكاراً تتعلق بالركوع، وهكذا أيضاً تتعلق بالسجود، تتعلق بالسجود. وأيهما أفضل يا إخوان: الركوع والسجود أم القيام؟ أيهما أفضل: الركوع والسجود أم القيام؟ هذه مسألة مرت معنا في أوائل كتاب الصلاة. أيهما أفضل يا أبا محمد؟ أيهما أفضل وأعظم: القيام في الصلاة أم السجود مع الركوع؟ السجود، بذليل، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وهو ساجد. أكذا ذهب من ذهب من أهل العلم، وفضل بعضهم القيام، وفضل بعضهم القيام: أفضل الصلاة طول القنوت، أي طول القيام. ومن أهل العلم من يفصل، ومن أهل العلم من يفصل في ذلك. وفي باب التطويل يقولون: في صلاة الليل الأفضل أن يطيل في القيام، وفي صلاة النهار الأفضل أن يطيل في الركوع والسجود، في الركوع والسجود. قال رحمه الله تعالى: قال: باب الوتر. قال: باب الوتر. والوتر يا إخوان بكسر الواو أو فتحها، يقال: الوتر، ويقال: الوتر، وكلاهما صحيح. والمقصود به الفرد، والفرد هو كل عدد لا ينقسم إلا بكسر، كالواحد والثلاثة والخمسة والسبعة والتسعة ونحوها. لكن المراد به هاهنا، المراد به في الشرع: الصلاة المتطوع بها في الليل لتوتر صلاة الليل، الصلاة المتطوع بها لتوتر صلاة الليل. أما بالنسبة لصلاة النهار فوترها صلاة المغرب، فوترها صلاة المغرب. وقوله هاهنا: باب الوتر، أي هذا مدخل لمذاكرة أحاديث ومسائل تتعلق بالوتر. قال رحمه الله تعالى: قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ ما ترى في صلاة الليل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: مثنى مثنى، مثنى مثنى. فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى. وقال: وأنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً، اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً. وهذا الحديث الذي استفتح به باب الوتر فيه بيان كيفية صلاة الليل، كيفية صلاة الليل، وهكذا أيضاً فيه حكم الوتر بركعة واحدة، الوتر بركعة واحدة. يقول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما: قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، على المنبر، أي على منبره الذي هو في المسجد النبوي. وكان منبره عليه الصلاة والسلام من الخشب، وكان ثلاث درجات، يقوم على الثانية ويجلس على الثالثة. وكان قبل أن يتخذ المنبر كان يخطب إلى جنبي جذع نخلة، فجاءت امرأة من الأنصار وقالت: يا رسول الله، عندي غلام نجار، فلو صنعتَ شيئاً تكلم الناس عليه. قال: إن شئتِ فصنع له هذا المنبر. فلما صعد أول مرة يخطب الجمعة على المنبر ماذا حصل؟ ماذا حصل يا أخانا أبا شهاب الدين؟ ماذا حصل؟ أحسنت، نعم. ماذا حصل عندك يا أبا عبد الرحمن؟ أو نعم، أبو عمر، ماذا حصل؟ نعم، يا أبا الحسن، ماذا حصل؟ لما صعد على المنبر؟ نعم، يا أبا الفاروق، ماذا حصل؟ نعم، بكى الجذع وجعل يحن حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم واحتضنه وجعل يسكته. قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر، على ما كانت تسمع من الذكر. وقوله: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، هذه الجملة وهو على المنبر يسميها علماء اللغة بجملة حالية، أي يصف حال النبي صلى الله عليه وسلم، كذاك قد حدثنيه قائماً، أو بعد أن حدثنيه تبسم. والغرض من هذه الجملة الحالية هو بيان ضبط الحديث، بيان ضبط الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن بهذا الحكم، أي تكلم به وهو على المنبر، وهو على المنبر. ماذا قال ذلكم الرجل؟ قال: ما ترى، أي ما تقول في صلاة الليل، في صلاة الليل؟ والمقصود: أي كيفيتها وعدد ركعاتها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: مثنى مثنى. إيش معنى مثنى مثنى يا إخوان عكاشة؟ ما معنى مثنى مثنى؟ نعم، أحسن: أي اثنتين اثنتين. مثنى مثنى أي أنه كان يسلم مع كل ركعتين من هذه الركعات. قال: فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة، أي إذا خشي طلوع الفجر ماذا يفعل؟ يوتر بواحدة، أي بركعة واحدة. قال: فأوترت له ما صلى، فأوترت له ما صلى. وقال: وأنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً، اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً. أول المسائل المتعلقة بهذا الحديث وهذا الباب، ألا وهي: حكم صلاة الوتر، ما حكم صلاة الوتر؟ أواجبة أم مستحبة أم ماذا؟ نعم، يا با محمد، فيها خلاف. أحسن: الذي ذهب إليه أكثر العلماء وهم الجمهور أنها سنة مستحبة وليست بواجبة، وليست بواجبة. ومن أدلتهم على أن الوتر يعتبر مستحباً وليس بواجباً: لو تذكرون في حديث ابن عمر في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على الراحلة، على الراحلة، وكان مما يصليه على الراحلة قيام الليل والوتر. وفي أول الحديث قال: إلا أنه كان لا يصلي عليها المكتوبة، يعني المفروضة. ومعنى ذلك أنه يصلي على الراحلة ماذا؟ الصلاة النافلة، لا صلاة الفريضة. وجاء عن علي رضي الله عنه قال: الوتر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه الرد على ما ذهب إليه أبو حنيفة الذي يقول بوجوب الوتر، وجوب الوتر. والإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: من ترك الوتر فهو رجل سوء. سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه الحث على الوتر والترغيب فيه، لا وليس فيه دليل على وجوبه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى. جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا غير رمضان على إحدى عشرة ركعة. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثلاث عشرة ركعة، ثم صلى ركعتي الفجر. قيل: ثلاث عشرة ركعة، هذه أنه يستفتح بركعتين خفيفتين في بعض الأحيان، في بعض الأحيان. وبعضهم يقول: الركعتان الزائدتان هما سنة الفجر، هما سنة الفجر. وهنا فائدة حديثية: أنه جاء في بعض طرق هذا الحديث قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. وزيادة النهار هذه ليست في الصحيحين، وإنما هي خارج الصحيحين، وقد ضعفها جماعة من أهل العلم كالإمام أحمد، وهكذا يحيى بن معين، والترمذي، وغيرهم. لأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر كلهم رووها عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون لفظة النهار، وخالفهم في هذا رجل يقال له: علي بن عبد الله البارقي، فزاد، فزاد هذه اللفظة. ولهذا، ولهذا رجح الحفاظ أن زيادة "والنهار" هذه شاذة ولا تصح إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تصح إلى النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، يأتي معنا الكلام حول أحاديث الوتر وما بعده مما يتعلق بالأذكار بعد الصلاة إلى غير ذلك في الدرس اللاحق إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.