الدرس في التعليق على كتاب العلم 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعد معرفة أسلوب المؤلف وعباراته من أهم عوامل فهم الكتاب، وتكرار القراءة يؤلف الطالب على هذه العبارات فيسهل فهمها. كما يُشدد على ضرورة تعليق طالب العلم في الهوامش والحواشي بالشرح والترجيح لأن التقييد بالقلم شرط لجمع العلم وحفظ الفوائد.
يؤكد المقطع على ضرورة تسجيل طالب العلم للفوائد والأدلة والتعليلات في دفاتره لتوفير الوقت والجهد عند المراجعة. كما يقسم المطالعة إلى نوعين: مطالعة تدبر وتفهم تتطلب التأني، ومطالعة استطلاع سريعة للتعرف على مضمون الكتاب.
يميز المقطع بين القراءة الاستطلاعية السريعة والقراءة المتدبرة المتفكرة، ويؤكد أن القرآن أولى بالتدبر والفهم والصبر. كما يوجه طالب العلم إلى جمع الكتب بالبدء بالأهم فالأهم مع استشارة أهل الخبرة والبدائل الرقمية.
يشير المقطع إلى أن العلماء يقضون أوقاتهم في البحث والمطالعة مؤكدين ضرورة المراجعة والاطلاع المستمر لطالب العلم. وينصح بأن من لا يستطيع شراء الكتب يمكنه استعارتها من المكتبات المخصصة لذلك.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فلا نزال في الباب الرابع في كتاب العلامة ابن عثيمين "كتاب العلم"، والذي هو في كتب طالب العلم وفتاوى حول العلم. ذكر الفصل الأول: كتب طالب العلم، وبين أمورًا تتعلق بهذا الفصل. أول هذه الأمور: كيف تتعامل مع الكتاب؟ وبين أن التعامل مع الكتاب يكون بأمور: الأمر الأول: معرفة موضوعه، والأمر الثاني: معرفة مصطلحاته. ثم قال رحمه الله: الثالث: معرفة أسلوبه وعباراته؛ لأن المؤلفين يختلف أسلوبهم في الكتابة، فمنهم من ينحو نحو الأسلوب السهل الميسر، ومنهم من هو وسط، ومنهم من هو أرقى وأرفع. فمعرفة أسلوب وعبارات الكتاب تعين على فهم ما في الكتاب. قال: ولهذا تجد أنك إذا قرأت الكتاب أول ما تقرأ، لا سيما في الكتب العلمية المملوءة علمًا، تجد أنه تمر بك العبارة تحتاج إلى تأمل وتفكير في معناها؛ لأنك لم تألفه. فإذا كررت هذا الكتاب ألفته. ولذلك تستغرب من بعض العلماء عندما يقرأ عبارة يقول: وهذا الأسلوب من نفس الشيخ فلان، يعني يعرف أسلوبه. بل استدل بعض أهل العلم في إثبات بعض الكتب ونسبتها إلى مؤلفيها بالأسلوب، يقولون: وهذا الكتاب فيه نفس ابن القيم مثلاً، أو نفس ابن تيمية، أو نفس فلان من العلماء؛ لأن عباراتهم مميزة ومألوفة. فلذلك يعرف الكتاب بعباراته. فأنت أول ما تقرأ لعالم من العلماء ربما تجد صعوبة في فهم عباراته، فإذا استمررت في القراءة في كتبه تبينت لك تلك العبارات بيانًا واضحًا شافيًا. قال: وهناك أيضًا أمر خارج عن التعامل مع الكتاب، يعني أمر له تعلق بالكتاب لكن ليس بالتعامل، وإنما بأمر آخر سيأتي، قال: وهو التعليق بالهوامش أو الحواشي. فطالب العلم إما أن يقرأ الكتاب، وإما أن يدرس في الكتاب. إما أن يقرأ في الكتاب، يأتي مثلاً يريد أن يقرأ كتابًا في الفقه أو كتابًا في العقيدة، يقرأ فهو مثلاً يمر بمسألة يبحثها ويطلع على أقوال العلماء فيها، فيأخذ الخلاصة من كلام أهل العلم ويعلقه في هذا الكتاب في الحاشية أو في الهامش. وسيأتي من كلام الشيخ أن الهامش الذي يكون عن اليمين وعن اليسار، والحاشية التي تكون في الأسفل. فهنا تكون فراغات، هذه الفراغات يستطيع القارئ أن يكتب فيها إما توضيحًا، وإما ترجيحًا، وإما كذلك استدلالًا، وإلى غير ذلك. فهذا أيضًا مهم لطالب العلم. وهذا يدلنا على أن طالب العلم ينبغي أن يقيد ويلازم القلم والكتاب. أما طالب يجلس هكذا وتمر به الفائدة تلو الفائدة والعلم تلو العلم ولا يستفيد ولا يقيد، فإنه لا يجمع العلم، لا يجمع العلم، فلا يستطيع أن يحفظ الفائدة في مجلس أو أن يتقن الفائدة في مجلس. فلذلك يعلق في الهوامش والحواشي، فإذا راجع سهل عليه كما سيأتي. قال: فهذا أيضًا مما يجب لطالب العلم أن يغتنمه. وإذا مرت به مسألة تحتاج إلى شرح أو إلى دليل أو إلى تعليل ويخشى أن ينساه، فإنه يعلق إما بالهامش وهو الذي على اليمين أو اليسار، أو بالحاشية وهي التي في الأسفل. فأنت هذا التعليق إما لشرح كلمة غامضة، غامضة ما عرفت معناها، كنت قرأت في كتاب ما عرفت معناها، رجعت إلى القاموس، أكتب هذا المعنى في الكتاب، رقم مثلاً تجعل رقمًا على هذه الكلمة، ثم تجعل نفس الرقم في الحاشية تحت أو في الهامش في اليمين أو اليسار حسب وجود الفراغ، وتكتب معنى هذه الكلمة. ستحتاجها في يوم من الأيام؛ لأنه قد تنسى معناها. أو شرح حديث: مررت بحديث ما عرفت معناها، رجعت إلى كتب الشروح، حديث في البخاري رجعت إلى الفتح، حديث في مسلم رجعت إلى شرح النووي، فتلخص يعني ما ذكره أهل العلم في شرح هذا الحديث، ينفعك هذا التعليق. أو إلى دليل: ذكر صاحب الكتاب مسألة ولم يذكر دليلها، وأنت من أهل السنة تعبد الله بالأدلة، تقول: ما دليل هذه المسألة؟ تبحث، أو كنت تدرس هذا الكتاب وذكر صاحب الكتاب مسألة بدون دليل، فالمدرس أو الشيخ أتى لك بالدليل، دليل هذه المسألة قولوا الله كذا وكذا، تسجل هذا الدليل حتى تأخذ المسألة بدليلها. هذا هو طلب العلم، ليس طلب العلم أن تجلس وتستند بسارية أو تسمع وتنسى، ما يقال لا تقيد وتراجع. هكذا كان طلاب العلم قديماً وحديثاً. أو تحتاج إلى تعليل: لماذا هذه المسألة كذا وكذا؟ تذهب وتنظر إلى العلة في هذا القول أو في هذا الأمر، فإذا وجدت تسجل هذا. أيضًا مهم. فطالب العلم له آلات: قلم، دفتر، كتاب، دائماً وهو مشغول بأخذ العلم. مثل الطبيب، الطبيب له آلات، ما يستغني عن السماعة، ما من طبيب إلا وتجد معه سماعة، هذه يعني معرفة الحرارة ومعرفة الأمراض وإلى غير ذلك، تجد عنده كذلك يعني إن كان صاحب أسنان أدوات الأسنان، صاحب يعني النظر أدوات النظر التي لا بد منها، وهكذا. وكذلك طالب العلم له أدوات ينبغي أن يلازمها وأن يحرص عليها. قال: وكثيراً ما يفوت الإنسان مثل هذه الفوائد التي لو علقها لم تستغرق عليه إلا دقيقة أو دقيقتين، ثم إذا عاد ليتذكرها بقي مدة يتذكرها وقد لا يذكرها. وهذا والله واقع. أحياناً تبحث عن مسألة وربما الوقت لا يسعفك، إلى أن تبحث عنها الساعة والساعتين، فتتذكر أنك هذه الفائدة قد مرت بك وقد سجلتها لكن ما تستحضرها، فترجع إلى الكتاب الذي سجلت وتجد الفائدة جاهزة، تقرأها في دقيقة واحدة، بدلاً من أن تبحث ساعة أو أكثر من ذلك، وربما تجدها وربما لا تجدها. مسجلة عندك في الكتاب، تذكر أنها قد مرت بك هذه المسألة، لكن تراجعها وتضبطها. فلا تستهين بكتب الفوائد، لا تقول: وإيش الفائدة؟ كل يوم أنا أسجل أسجل، لا، ستشعر بأهمية هذه الفوائد عندما تدرس وعندما يستفيد منك المسلمون، تراجع معلوماتك فتجد هذه الفوائد الجاهزة. فلا تستهين، أكتب، سجل الفوائد، وستشعر بالفائدة والثمرة إن شاء الله تعالى. قال: فينبغي على طالب العلم أن يعتني بذلك، لا سيما في كتب الفقه؛ لأن مسائل الفقه واسعة بخلاف غيرها من المسائل. قال: يمر بك في بعض الكتب مسألة وحكمها، ويحصل عندك توقف وإشكال، فإذا رجعت للكتب التي أوسع من الكتاب الذي بين يديك وجدت قولاً يوضح المسألة، فإنك تعلق القول من أجل أن ترجع إليه مرة أخرى إذا احتجت إليه دون الرجوع إلى أصل الكتاب الذي نقلت منه. فهذا مما يوفر عليك الوقت. تصور لو أنك الآن احتجت مسألة مرت بك في كتاب، بحثت هذه المسألة، بحثت هذه المسألة، فضلاً فوجدتها، بحثت ساعة كاملة فوجدت هذه المسألة، ما سجلتها، تركتها، مر بك الزمن، مر بك الزمن، احتجت إلى هذه المسألة، يحتاج أنك تذهب وتراجع ساعة ثانية، لكن لو سجلتها في الكتاب، دقيقتين ثلاث دقائق، تفتح الكتاب، الفائدة جاهزة، الفائدة جاهزة. انظر إلى فائدة ماذا؟ التعليق والكتابة، فهذا يوفر عليك وقتاً وجهداً لا شك. فهنا تتجلى لك أهمية كتب الفوائد. قال: الأمر الثاني: مطالعة الكتب على نوعين. أولاً: مطالعة التدبر وتفهم. فهذه لا بد أن يتأمل الإنسان ويتأنى، يعني تقرأ الكتاب من أجل أن تفهمه، من أجل أن تفهمه، فلذلك تتمعن: إيش معنى هذه الكلمة؟ إيش معنى هذه العبارة؟ ما تمشي مشياً سريعاً، مشياً بتأنٍ. هذا النوع الأول من أنواع المطالعة. قال: ثانياً: المطالعة استطلاع فقط، ينظر من خلاله إلى موضوع الكتاب وما فيه من مباحث، ويتعرف على مضمون الكتاب، وذلك من خلال تصفح وقراءة سريعة للكتاب. فهذه لا يحصل فيها من التأمل والتدبر ما يحصل في النوع الأول. وهذا واضح: كتاب وجدته في المكتبة، جلست تبحث: إيش موضوع الكتاب هذا؟ إيش من موضوع يتكلم فيه؟ عناوين الكتاب هذا يسمى مطالعة سريعة، وهو أشبه الآن بالفوائد التي تبث في مثلاً الواتساب أو غيرها، تجد بعضهم مباشرة هكذا يمشي عليها مشياً، خصوصاً إذا كانت رسائل كثيرة، هذه مطالعة سريعة، عبارة عن استطلاع فقط، بدون تأنٍ، وبدون تدبر، وبدون وقوف عند عبارات وكلمات هذه الرسالة أو هذه المقالة أو هذا الكتاب. فهذا تسمى مطالعة استطلاع. قال: والطريقة المثلى في قراءة الكتب: التدبر والتفكر في المعاني، والاستعانة بذوي الفهم من أهل العلم الصحيح. هذه أفضل، لماذا؟ لأنك تفهم كلام العلماء، وكذلك تقف عند معاني هذه القراءة أو هذا الكتاب. قال: ولا يخفى أن أولى الكتب بذلك كتاب الله عز وجل، فقراءه قراءة تدبر وتفهم، لا قراءة استطلاع كما هو حال كثير من الناس، يهذ القرآن هذاً، يقرأه قراءة سريعة، همه أن يختم القرآن فقط، مثل من يستطلع كتاباً، همه أن يعرف ما هو أوله وما هو آخره، يقرأه هكذا استطلاع، قراءة سريعة. وهكذا بعض الناس في قراءة القرآن، يقرأه قراءة سريعة. لا، الله عز وجل أمرنا بتدبر القرآن وبتفهم القرآن: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [النساء: 82]، ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]. قال الله عز وجل: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، والآيات كثيرة في هذا الباب. فأولى كما قال الكتب بالتدبر والتفهم هو كتاب الله. قال: وعليك بالصبر والمثابرة، فما أعطي الإنسان عطاء خيراً وأوسع من الصبر. يعني قراءة التدبر والتفهم تحتاج منك إلى صبر، لأنك ربما تعيد العبارة مرات وكرات، تعيد العبارة مرات وكرات، فهذا يحتاج منك إلى صبر، لا تقول: ساعة وأنا في صفحة واحدة، لأن تجلس خمس ساعات في صفحة واحدة لكن بتفهم وتدبر، خير لك من أن تجلس خمس دقائق في هذه الصفحة لكن من غير تدبر ولا تفهم، فكأنك ما قرأت، كأنك ما قرأت. لكن لما تقرأ بتفهم وتدبر فهذا أنفع. قال: الأمر الثالث: جمع الكتب. ينبغي لطالب العلم أن يحرص على جمع الكتب، ولكن يبدأ بالأهم فالأهم. فإذا كان الإنسان قليل ذات اليد، كحال كثير من طلاب العلم في هذا الزمان، فقير، ما عنده مال يشتري به مكتبة متكاملة يبحث فيها وكذلك يطلع فيها، فهنا يشتري على حسب قدرته الكتب المهمة، مثلاً الكتب التي تدرس: كتب العقيدة أو كتب الفقه التي تدرس، قدر المستطاع. وإن كان عنده من المال زيادة فيشتري الكتب المهمة: كالسنن، وقبل ذلك البخاري ومسلم، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وكتب كذلك التحقيقات: تحقيقات حديث النبي عليه الصلاة والسلام، كتب الألباني، كتب الشيخ مقبل، شيخ الألباني، وغيره من العلماء. المهم يقدم الأهم فالأهم، ويستشير في ذلك أهل الخبرة. إذا أراد أن يشتري كتاب، المشاورة طيبة، يستشير أهل العلم وطلاب العلم: أي الكتب أشتريها؟ يسجلها لك وتشتريها. فلا بد لطالب العلم من المكتبة، يبحث فيها ويقرأ فيها ويطلع فيها. فلذلك قال: ولكن يبدى بالأهم فالأهم. فإذا كان الإنسان قليل ذات اليد، فليس من الخير وليس من الحكمة أن يشتري كتباً كثيرة يلزم نفسه بغرامة قيمتها، يعني يستدين المبالغ الكبيرة من أجل أن يشتري الكتب، فهذا ليس من الحكمة، ليس من الحكمة. وفي هذا الزمان، ولله الحمد، لو عجز طالب العلم أن شراء الكتب وهو الأفضل والأكمل له، فلا أقل أن يشتري هذه الأجهزة الذكية الحديثة، مثلاً كمبيوتر أو جوال، ويضع فيه المكتبة الشاملة أو الكتب المهمة مما هو في المكتبة الشاملة، يعني كتب كثيرة، ألوف الكتب تحملها في جهاز صغير وتقرأ فيها. إن لم تجد الكتاب، ولا شك أن الكتاب أنفع وأسهل في البحث والمراجعة. فلا بد لطالب العلم من القراءة، من القراءة والمطالعة. وقبل أيام طلعت على فائدة ذكرت عن الشيخ الغديان رحمه الله تعالى، أنه قال: إن طالب العلم إذا لم يطالع في اليوم ست عشرة ساعة فليس بطالب علم. ست عشرة ساعة، يعني دليل على أن العلماء وقتهم كله في البحث والمطالعة والمراجعة والعلم والعلم والعلم. فلا بد لطالب العلم من المراجعة، ومن الكتب، ومن البحث. قال: فإن هذا من سوء التصرف. إذا لم يمكنك أن تشتري من مالك، فيمكنك أن تستعير من أي مكتبة في المكاتب التي خصصت للاستعارة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.