تفسير سورة العصر

تفسير سورة العصر

الدرس في تفسير سورة العصر، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة في تفسير سورة العصر وخصال النجاة الأربع

يستهل الدرس بتفسير السعدي لسورة العصر مبيناً أن القسم بالزمن يدل على أهمية الوقت، وأن الخسران عام لكل إنسان إلا من تحلى بأربع خصال: الإيمان، العمل الصالح، التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، مربطاً إياها بالمسائل الأربع في أصول الشيخ محمد بن عبد الوهاب الثلاثة.

تفصيل خصال النجاة: الإيمان والعلم والعمل والدعوة

يفصل المقطع في الخصال الأربع موضحاً أن الإيمان مستند إلى العلم السابق للقول والعمل، وأن العمل الصالح شامل لحقوق الله وحقوق العباد، بينما التواصي بالحق يفرض على المسلم الدعوة إلى العلم والإيمان والعمل وعدم الاكتفاء بصلاح النفس.

التواصي بالصبر عقب الدعوة وعاقبة الفريقين

يبيّن أن التواصي بالصبر جاء بعد التواصي بالحق لأن الداعي يلاقي الأذى مستشهداً بوصية لقمان، ويوضح أن كمال الإنسان يتم بأربعة أمور: الإيمان، العمل الصالح، الدعوة، والصبر، فمن استكملها نجا وفاز، بينما الكافر خاسر مطلقاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة والعصر، وهي مكية. قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾. قال: أقسم تعالى بالعصر الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم، أن كل إنسان خاسر، والخاسر ضد الرابح. وكما تقدم أن الله عز وجل إذا أقسم بشيء إنما يقسم به لينبه على جليل منفعته وأثره، ففي هذه السورة أقسم بالعصر، والصحيح أن العصر هو الزمن الذي هو الليل والنهار كما ذكر، محل أفعال العباد وأعمالهم، ويستدل بهذا على أهمية الوقت وأهمية الزمن وأهمية الفراغ، فقد أقسم الله سبحانه وتعالى في مواضع عديدة من سور القرآن بالزمن والوقت، فأحيانًا يقسم بالعصر، والليل، والضحى، والفجر، وإلى غير ذلك. قال: والخسار مراتب متعددة متفاوتة، قد يكون خسارًا مطلقًا كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم واستحق الجحيم، وهم أهل الكفر والشرك، فهؤلاء خسارتهم مطلقة في الدنيا والآخرة. قال: وقد يكون خسارًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، ويريد بهذا أن المؤمنين يتفاوتون في الخسار، فمن عمل بهذه الخصال الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، من قام بهذه الصفات الأربع حق قيام فلا يكون كذاك الذي قد قصر في القيام بهذه الخصال الأربع، فأهل الإيمان يتفاوتون، فمن قصر في هذه الأربع الصفات يناله من الخسار بقدر تفريطه، يناله من الخسار بقدر تفريطه. قال: ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم فهو فرع عنه لا يتم إلا به، ولذلك أهل العلم يستدلون بهذه السورة على أن الإنسان يستثنى من الخسارة بتحقيقه لهذه الأربع، ومنها العلم، ولذلك يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في مفتتح كتابه الأصول الثلاثة: «اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم تعلم أربع مسائل: الأولى: العلم، وهي معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، والثانية: العمل، والثالثة: الدعوة إليه، والرابعة: الصبر على الأذى، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾». ثم ذكر أثر الشافعي أنه قال: «لَو أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ حُجَّةً إِلَّا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ»، وجاء بلفظ ويصححه كثير من أهل العلم أن الإمام الشافعي قال: «لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَوَسِعَتْهُمْ». ثم قال: وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب العلم قبل القول والعمل، قال: والدليل قوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾، قال: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، فإذن لا يتم الإيمان إلا بالعلم، وهذا فيه فضيلة العلم، أول ما يخرج به الإنسان من الخسار العلم الذي هو سبب للإيمان، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: لا يكون الإيمان بدون العلم فهو فرع عنه ولا يتم إلا به، فهذا فيه فضيلة العلم، وفيه كذلك الحرص على العلم، وأنه لا يتم عمل العامل إلا بالعلم، فبدأ به قبل القول والعمل كما في الآية المتقدمة: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، وذكر هنا أول هذه الخصال الأربع: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، فدل ذلك على أهمية العلم. قال: والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها الظاهرة والباطنة المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجب والمستحبة، فأنت يا عبد الله أوكلت إليك في هذه الدنيا حقوق كثيرة، أعظمها حق الله سبحانه وتعالى أن تعبده ولا تشرك به شيئًا، وهكذا حق عباده: حق الوالدين، وحق الزوجة، وحق الأرحام والأقارب، وحق الجيران، وحق كذلك إخوانك وأصدقائك، وحق جميع المؤمنين، فالعمل الصالح أن تقوم بهذه الحقوق، وأن تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما أمرك به. نعم، هذا هو العمل الصالح شامل لأفعال الخير كلها، كل عمل من أعمال البر والخير وهو داخل في العمل الصالح، وهذا فيه أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من أن يكون معه العمل. قال: والتواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أن يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبهم فيه، بعدما تؤمن وتعمل تدعو إلى هذا الإيمان وإلى هذا العلم، وتدعو إلى هذا العمل، فلا يكفي أن تقتصر على نفسك وتدع الآخرين، بل تدعو إلى هذا العلم وإلى هذا الإيمان وإلى هذا العمل. قال: والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، ونبه بعض المفسرين إلى أن ذكر التواصي بالصبر بعد التواصي بالحق لأن من أوصى بالحق لا بد أن يؤذى، لا بد أن يؤذى، فنبه ربنا سبحانه وتعالى إلى أن الدعوة إلى الحق تحتاج إلى صبر لما فيها من الأذى والابتلاء، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في وصية لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ﴾، انظر ذكر الصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليدل ذلك على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو التواصي بالحق، يحتاج منك إلى صبر، لأن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ربما تتعرض للبلاء وتتعرض كذلك للأذى، فيحتاج منك إلى صبر. قال: فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، العلم والعمل الصالح، بهذين الأمرين يكمل الإنسان نفسه، قال: وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وهو الدعوة إلى هذا العلم والإيمان، وهكذا العمل الصالح، قال: وبتكميل الأمور الأربعة يكون الإنسان قد سلم من الخسار وفاز بالربح العظيم، فلا يكفي يا عبد الله أن تقتصر على نفسك، تتعلم وتعمل وتترك الآخرين في ضلالهم وفي غيهم وفي جهلهم، هذا لا يكفي، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾، ما قال: وأهلها صالحون، فلا بد من الصلاح ومن الإصلاح، وأهلها مصلحون، أي أصلحوا أنفسهم وكذلك أصلحوا غيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى هذا الحق، فلا يخرج الإنسان من الخسار إلا باتصافه بهذه الأمور الأربعة جميعا، إلا باتصافه بهذه الأمور الأربعة جميعا: العلم الذي هو الإيمان، العمل الصالح، الدعوة إلى هذا العلم والإيمان والعمل الصالح، وهكذا الصبر على ما يناله الداعي من ابتلاء وأذى، فمن كمل هذه الخصال الأربع فقد خرج من الخسار، وكما تقدم ينال العبد من السعادة ومن كذلك الفوز بقدر تحقيقه لهذه الأمور الأربعة، هذا في حق المؤمن، أما الكافر الذي قد ترك هذه الخصال جميعا فإن خساره مطلقا، فإن خساره مطلقا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر