الدرس في تفسير سورة الفيل، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشيخ السعدي تفسير سورة الفيل بذكر قصة أبرهة وجيشه الذين حاولوا هدم الكعبة، وكيف دمرهم الله بالطير الأبابيل حجارة من سجيل. ويبين أن هذه الحادثة كانت إرهاصاً ومقدمة لمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ودليلاً على قدرة الله وحفظه لبيته الحرام.
يشرح المقطع قدوم جيش أبرهة الحبشي الكبير نحو مكة وعجز العرب عن مواجهته، فخرج أهل مكة خوفاً، فأرسل الله طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل محمية، فأهلكتهم وجعلتهم كعصف مأكول أي أجساد جوفاء كالقشر الفارغ.
يشرح البغوي أن المراد بالآية تشبيه حال جيش أبرهة بالروث المتفتت بعد أكل الدواب للزرع، دلالة على شدة الهلاك. ويذكر كيف حبس الله الفيل عن دخول مكة، وفرّ أهلها إلى الجبال، فدافع الله عن بيته الحرام ورد كيد المعتدين في نحورهم.
تتزامن قصة أصحاب الفيل مع سنة ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما جعلها من مقدمات رسالته وإرهاصات دعوته، والحمد لله على ذلك.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة الفيل، وهي مكية. قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: أي: أما رأيت من قدرة الله وعظيم شأنه، ورحمته بعباده، وأدلة توحيده، وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ما فعله الله بأصحاب الفيل؟ وقوله: "ورحمته بعباده وأدلة توحيده وصدق رسوله"؛ لأن هذه الحادثة فيها إرهاص ومقدمة لمبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ووجه ذلك كما ذكر بعض أهل العلم: أن أبرهة ومن معه من أهل الحبشة كانوا من النصارى، ومشركوا العرب كانوا أهل أوثان وأهل شرك، فهم -أي النصارى- أفضل من هؤلاء، ومع هذا رد الله سبحانه وتعالى كيدهم، ونصر أهل مكة برد هؤلاء. فنصر أهل مكة ليس إلا أن ذلك فيه مقدمة، وفيه شعار بمبعث ذلكم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي مبعثه يكون من هذه البلد، يكون من هذه البلد. ولذلك كما سيأتي في آخر هذا التفسير -تفسير هذه السورة- أن الجمهور على أن هذه السنة التي وقعت فيها هذه الحادثة هي سنة مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: الذين كادوا بيته، كادوا بيته الحرام، وأرادوا إخرابه، فتجهزوا لأجل ذلك، واستصحبوا معهم الفيلة لهدمه. فقيل: إن معهم فيلا واحدا، وقيل ثمانية، وقيل اثنا عشر. وجاءت الآية بإفراد الفيل؛ لأنه واحد، أو لذكر أعظم هذه الفيلة وأكبر هذه الفيلة. قال: وجاءوا بجمع لا قبل للعرب به من الحبشة واليمن، أي: جيش عظيم كبير. قال: فلما انتهوا إلى قرب مكة، ولم يكن بالعرب مدافعة، يعني: ما يستطيعون رد هذا الجيش العظيم الكبير. قال: وخرج أهل مكة من مكة خوفا على أنفسهم منهم. أرسل الله عليهم طيرا أبابيل، أي: متفرقة، يعني: جماعات تفرقت فلم تكن في مكان واحد، فهذا معنى قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، أي: متفرقة. أما قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾، أي: ألم يجعل مكرهم في خسارة، وفي كذلك، يعني: باطلا. فرد الله سبحانه وتعالى كيدهم، وأرسل عليهم طيرا أبابيل، أي: متفرقة، ليست في موضع ومكان واحد، بل تفرقت في السماء. قال: تحمل حجارة محمى من سجيل، وهذا معنى قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾، هذه الطيور معها حجارة محمى، يعني: حارة، حتى إذا وقعت عليهم كان النكال بهم أشد، فهذا معنى قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾، أي: محمى. قال: فرمتهم بها، وتتبعت قاصيهم ودانيهم، يعني: وصلت للجميع، وإن هرب منهم من هرب فتبعتهم هذه الطيور فأصابهم من حجارتها. قال: فخمدوا وهمدوا، وصاروا كعصف مأكول. والعصف المأكول: جاء عن عكرمة أنه كالحب إذا أكل فصار أجوف، يعني: الغطاء الذي يكون على الحب، فيخرج ما بداخل الحب فيصير هذا الغشاء أجوف. فهكذا رمتهم هذه الطيور بهذه الحجارة، فأصبحوا كالحب المأكول، يعني: أصبحوا كأن لم يكن بهم امتلاء في أجسادهم، فصارت أجسادهم جوفاء، فصارت أجسادهم جوفاء لا شيء بداخلها. وهذا المعنى جاء عن ابن عباس، فقال ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة، كهيئة الغلاف له، الحب أو الغشاء، إذا أخرج من الحنطة صار يعني لا شيء بداخله، فيكون مثل الغلاف. هذا تفسير. وبعضهم ذكر غير ذلك، كالبغوي في تفسيره، قال: المراد كعصف مأكول، أي: كزرع وتبن أكلته الدواب، يعني: ما تأكله الدواب، قال: فراثته فيبس، يعني: صار روثا، ما يخرج من الدابة بعد ما تأكل، ما تأكل فيصير روثا. قال: فراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه. قال: شبها تقطع أجزاؤهم بتفرق أجزاء الروث، يعني: الروث لما يفتت، يعني: يصير لا شيء، يصير لا شيء، يعني: شيء صغير جدا. وهكذا هذه الحجارة لما وقعت عليهم أصبحوا كذلكم الروث إذا فتت، إذا فتت فصار أجزاء صغيرة، صار أجزاء صغيرة. هذا ما ذكره أيضا البغوي في قول الله عز وجل: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، وهذا يدل على الشدة النكال بهم، وأن هذه الحجارة يعني حجارة فيها من يعني شدة النكال حتى صاروا كهذه الحال. قال: وكفى الله شرهم، ورد كيدهم في نحورهم. فدافع الله سبحانه وتعالى على بيته، دافع الله عز وجل على بيته. وأما الفيل فإنه لم يستطع القدوم إلى هذا البيت، فإنه يخور في الأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أحاديث: "إنما حبسها حابس الفيل"، في يعني: ذابته، لما ماذا رجعت من الدخول إلى مكة في الحديبية، لما قالوا يعني: ماذا أنها يعني قد أصابها شيء من الرجوع وغير ذلك، فقال: "إنما أصابها أو حبسها حابس الفيل"، حبسها حابس الفيل. فحبس الله سبحانه وتعالى هذا الفيل من أن يقدم إلى بيته الحرام. وكفى الله شرهم، ورد كيدهم في نحورهم، فدافع الله عز وجل على بيته. أما أهل مكة فإنهم هربوا، ومنهم من صعد إلى أعالي الجبال خوفا من هؤلاء. فدافع الله سبحانه وتعالى عن بيته. قال: وقصته معروفة مشهورة، وكانت تلك السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فصارت من جملة إرهاصات دعوته ومقدمات رسالته. فلله الحمد والشكر. إلى هنا، والله تعالى أعلم.