الدرس في تفسير سورة النصر، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تتناول السورة بشارة الله لرسوله بالنصر وفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وتأمر النبي صلى الله عليه وسلم بشكر ربه بالتسبيح بحمده والاستغفار عقب حصول النصر، مبينة أن الشكر سبب لزيادة النعم وثبات الدين.
يبيّن المقطع أن نصر الله للإسلام استمر في عهد الخلفاء الراشدين وما بعدهما بفضل الشكر والطاعة، وأن تفرق الأمة وذلها جاء نتيجة مخالفة أمر الله، مؤكداً أن النصر سيستمر إلى قيام الساعة.
يوضح المقطع أن أمر الله نبيه بالحمد والاستغفار في سورة النصر إشارة إلى دنو أجله وانقضاء عمره، كما فسر ابن عباس رضي الله عنه أمام عمر بن الخطاب، وقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر فأكثر من التسبيح والاستغفار في ركوعه وسجوده امتثالاً لأمر ربه.
يستعرض المقطع كيفيّة امتثال النبي صلى الله عليه وسلم لأمر السورة، مبيناً أن دعاء الركوع والسجود تضمن الجمع بين الحمد بقول «سبحانك اللهم وبحمدك» والاستغفار بقول «اللهم اغفر لي» مع تكرار الاستغفار.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة النصر، وهي مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قال: في هذه السورة الكريمة بشارة وأمر لرسوله عند حصولها، وإشارة وتنبيه على ما يترتب على ذلك. قال: فالبشارة هي البشارة بنصر الله لرسوله وفتحه مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، بحيث يكون كثير منهم من أهله وأنصاره بعد أن كانوا من أعدائه. وقد وقع هذا المبشر به: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، والمراد بالفتح هنا فتح مكة. فكان الناس حوالي مكة ينظرون في أهل مكة، الذين هم من قوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أهم يتبعونه ويؤمنون به، أم أنهم يبقون على ما هم عليه من الكفر والشرك؟ فكان بعضهم ينتظر، فلما فتحت مكة ودخل أهل مكة في دين الله عز وجل، علم الناس حوالي مكة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول الله حقًا وصدقًا، فدخلوا في دين الله أفواجًا، أي جماعات جماعات. فجاءت الوفود، وجاءت كذلك القبائل، ودخلت في دين الله أفواجًا، حتى أن أهل اليمن جاءوا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث يحسنه شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى: «الله أكبر، جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فجاءت الوفود من هنا وهناك، من اليمن ومن غيرها. فهذه بشارة، إذ أن هذه السورة كانت قبل فتح مكة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال: وأما الأمر بعد حصول النصر والفتح، لأنه قال في هذه الآية الكريمة بشارة، فالبشارة هو هذا: فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجًا. وأما الأمر، فماذا بعد هذا؟ ماذا أمر ربنا عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال: وأما الأمر بعد حصول النصر والفتح، فأمر الله رسوله أن يشكر ربه على ذلك، ويسبح بحمده، ويستغفره. فهذا أمر، فإن النعم تحتاج إلى شكر. ففتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجًا هذه نعمة عظيمة، هذه نعمة عظيمة، فأمر الله نبيه أن يشكر هذه النعمة، فقال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، أي أكثر من التسبيح، ومن التحميد، ومن كذلك ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: وأما الإشارة، لأنه قال: وإشارة، فما هي هذه الإشارة؟ قال: وأما الإشارة، فإن في ذلك إشارتين: إشارة لأن يستمر النصر لهذا الدين ويزداد عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره من رسوله، فإن هذا من الشكر، والله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وقد وجد ذلك في زمن الخلفاء الراشدين وبعدهم في هذه الأمة، لم يزل نصر الله مستمرًا حتى وصل الإسلام إلى ما لم يصل إليه دين من الأديان، ودخل فيه ما لم يدخل في غيره، حتى حدث من الأمة من مخالفة أمر الله ما حدث، فابتلاهم الله بتفرق الكلمة وتشتت الأمر، فحصل ما حصل. فكما ذكر، هذه إحدى الإشارتين: أن النصر يستمر. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، فهذا فيه أن نصر هذا الدين يستمر. فلذلك من ثمرات الشكر بقاء هذه النعمة والزيادة، كما سمعت في الآية: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. فبعبادة الله، بتحميد الله، بالاستغفار، بذكر الله، يستمر هذا الخير وتستمر هذه النعمة. فهذا فيه إشارة إلى استمرار النصر، وهذا ما حدث بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، فقد توسعت الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء كما ذكر، ما لم يتوسع في غيرها من الأزمان، وهكذا دخل الناس في دين الله أفواجًا في الشرق والغرب، وفي الجنوب والشمال، وفي جميع أقطار الدنيا. ولم تصِر الأمة في رجوع وتقهقر، وهكذا ذل، إلا بعد مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: حتى حدث من الأمة من مخالفة أمر الله ما حدث، فعاقبة المخالفات وكذلك المنكرات والمعاصي هو الذل والمهانة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». فلما تراجع الناس عن دينهم وابتعدوا عن دينهم، أصيبوا بما أصيبوا من تسلط الأعداء عليهم، من تسلط الأعداء عليهم. قال: ومع هذا، فلهذه الأمة وهذا الدين من رحمة الله ولطفه ما لا يخطر بالبال أو يدور في الخيال. قال: وأما الإشارة الثانية، لأنه قال: وفي ذلك إشارتان. الإشارة الأولى ما تقدم: أن النصر مستمر لهذا الدين، حتى في آخر الأزمان. فقد جاءت الأحاديث الكثيرة في أن المستقبل لهذا الدين، لا تقوم الساعة حتى يدخل الناس في هذا الدين، أو ما من بيت مدر ولا حجر إلا وسيدخله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وأهله، وذل يذل به أهل الكفر والشرك، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فلا ييأس المسلم، فإن النصر لهذا الدين مستمر إلى قيام الساعة، وإن في آخر الأزمان سينتصر هذا الدين، وسيكون المستقبل لهذا الدين. قال: وأما الإشارة الثانية، فهي الإشارة إلى أجل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قرب ودنى. ووجه ذلك أن عمره عمر فاضل، أقسم الله به، وقد عهد أن الأمور الفاضلة تختم بالاستغفار، كالصلاة والحج وغير ذلك. فأمر الله لرسوله بالحمد والاستغفار في هذه الحال إشارة إلى أن أجله قد انتهى، فليستعد ويتهيأ للقاء ربه، ويختم عمره بأفضل ما يوجد، صلوات الله وسلامه عليه. ومعنى هذا: أن أمر الله سبحانه وتعالى للنبي بالحمد والاستغفار دليل على انقضاء عمره وانتهاء أجله، فإنه في كثير من العبادات في ختامها يأمر الله سبحانه وتعالى بالاستغفار، كالصلاة، وكذلك الحج: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. وهكذا جاء في الصلاة الأمر بالاستغفار بعد الصلاة. فهذا فيه إشارة إلى انقضاء وانتهاء عمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد جاء في هذا أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في البخاري: أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يدخل ابن عباس مع أشياخ قريش، مع أشياخ قريش، فكأنهم وجدوا في أنفسهم، فقالوا: إن لنا أبناء مثله. فقال عمر لهم: الأمر كما علمتم. فقال ابن عباس: فدعاني عمر ذات مرة، وقلت: لم يفعل ذلك عمر إلا لأمر أراده، أو إلا ليريهم. فدخل ابن عباس معهم، فسأل عمر رضي الله تعالى عنه عن قول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال بعضهم: أمر ربنا سبحانه وتعالى إذا هو يعني نصرنا وفتح علينا أن نستغفره وأن نحمده. وبعضهم سكت. فالتفت عمر إلى ابن عباس وقال له: ماذا تقول يا ابن عباس؟ قال: هذه الآية فيها يعني انقضاء أجل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو إخبار بانقضاء أجل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يكثر من الاستغفار، وهذا إذان بدنو أجل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال عمر: وأنا لا أعلم من هذه إلا ما قلت، أو كما قال رضي الله تعالى عنه. فالأمر كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. قال: فكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتأول القرآن، يعني يعمل به، التأويل يأتي بمعنى العمل. قال: فكان صلى الله عليه وسلم يتأول القرآن، ويقول ذلك في صلاته، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي»، كما جاء في حديث عائشة في الصحيح: لما نزلت هذه السورة، أكثر النبي عليه الصلاة والسلام من الحمد والاستغفار، عملًا بما أمره به ربه سبحانه وتعالى. فكان يكثر في ركوعه وسجوده من أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي». فجمع في هذا الدعاء بين الحمد وبين الاستغفار، بين الحمد: «سبحانك اللهم وبحمدك»، وبين الاستغفار: «اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي». فهكذا من أدعية الركوع والسجود هذا الدعاء: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي».