تفسير سورة العاديات

تفسير سورة العاديات

الدرس في تفسير سورة العاديات، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير قسم الله بالخيل في سورة العاديات

يشرح المقطع أقسام الله بالخيل في سورة العاديات موضحاً صفاتها عند العدو الشديد وإخراج النار من حوافرها. كما يبين دلالة ذلك على عظمة الخالق ومنافع الخيل في الإغارة فجراً واختراق صفوف الأعداء.

تفسير كنود الإنسان وشدة حبه للمال في العاديات

يفسر المقطع وصف الإنسان بالكنود لمنعه الحقوق والبخل إلا من هداه الله، ويناقش معنى شهادة الإنسان على نفسه أو شهادة الله عليه. ويوضح أن شدة حب الخير تعني شدة حب المال الدافعة لترك الواجبات وارتكاب الكبائر.

خطر حب المال وتذكير بيوم البعث والجزاء

يشرح المقطع كيف يدفع حب المال لارتكاب المعاصي كترك الزكاة والغش، مؤكداً أن العاقل يدرك تفاهة الدنيا أمام نعيم الآخرة. ويصور آيات السورة يوم البعث حيث تُكشف السرائر ويجازي الله العباد بعلمه الكامل.

تفسير خاتمة السورة وعلم الله بالعباد يوم القيامة

يفسر المقطع الآية الكريمة بأنها تشير إلى جزاء الله العباد بأعمالهم يوم القيامة المبني على علمه السابق وإحاطته بأحوالهم. ويختتم المتحدث الشرح بالاكتفاء بهذا القدر من التفسير للسورة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة العاديات، وهي مكية. قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾. قال: أقسم الله تبارك وتعالى بالخيل، لما فيها من آيات الله الباهرة ونعمه الظاهرة، ما هو معلوم للخلق. وقد تقدم معنا كثيرا أن الله سبحانه وتعالى إذا أقسم بشيء، إنما يقسم به لينبه على جليل منفعته وأثره. ففي هذه الآيات أقسم الله سبحانه وتعالى بالخيل في بعض أحوالها. قال: وأقسم تعالى بها في الحال التي لا يشاركها فيه غيرها، أو غيرها لا يشاركها فيه غيرها من أنواع الحيوانات. فهذه الأمور التي ستأتي خاصة بالخيل. فقال: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾، أي: العاديات عدوا بليغا قويا، يصدر عنه الضبح، وهو صوت نفسها في صدرها عند اشتداد العدو. فالخيل ميزت بهذه الميزة أنها تعدو عدوا وتجري جريا، وعند جريها يصدر منها صوت معلوم، صهيل الخيل، وهذا عند اشتداد العدو. فأقسم الله عز وجل بهذه الحال التي تكون عليها الخيل عند الغارة وعند اشتداد القتال. قال: ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾، أي: بحوافرهن ما يطأن عليه من الأحجار قدحا، أي: تقدح النار من صلابة حوافرهن وقوتهن إذا عدون. فعند الجري، وعند كذلك قوة الجري، فإن من خصائص هذه الخيل أن لها حوافر قوية، ليس مثل الجمل أو غيره من الحيوانات، بل لها حوافر قوية. فهذه الحوافر عندما تطأ بها الأحجار، كأنها ترتضم بهذه الأحجار، فتخرج منها النار لصلابة الأحجار ولصلابة حوافر هذه الخيل. فقال: ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾، أي: تقدح النار من صلابة حوافرهن وقوتهن إذا عدون. قال: ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾، أي: على الأعداء من الغارة. ﴿ صُبْحًا ﴾: وهذا أمر أغلبي أن الغارة تكون صباحا، وهذا كان غالب حال النبي عليه الصلاة والسلام في الإغارة، أنه يغير صباحا. فهذه الخيل تغير صباحا في الغالب، وإلا فقد تكون بعض المعارك في غير وقت الصباح. فإذن: القسم الأول والثاني والثالث، كلها هذه تتعلق بأحوال خاصة للخيل. قال: ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾، أي: بعدوهن وغارتهن نقعا، أي: غبارا. فمعلوم أن الخيل إذا جرت تصعد الغبار من الأرض. فمعنى ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾: أي غبارا، يعني ارتفع الغبار من شدة جريها. قال: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾، أي: بركابهن جمعا، أي: توسطن به جموع الأعداء الذين أغار عليهم. فمن خصائص الخيل أنها تتحرك بما يريد راكبها، فهي تتوسط الأعداء، وهي كذلك تفر، وكذلك من خصائصها أنها سريعة الجري، وإلى غير ذلك من الخصائص. فأقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الأحوال التي هي جميعا من أحوال الخيل، من أحوال الخيل هذه أقسم... أقسم الله سبحانه وتعالى بها. قال: والمقسم عليه: قوله ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾، أي: لمنوع للخير الذي عليه لربه. كنود: أي منوع، يعني: الشحيح. من طبعه أنه شحيح، وأنه قليل العطاء. قال: فطبيعة الإنسان وجبلته أن نفسه لا تسمح بما عليه من الحقوق فتؤديها كاملا موفرة، بل طبيعتها الكسل والمنع، بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليه من الحقوق المالية والبدنية. فهذا معنى قوله: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾، أي: منوع للخير، فهو شحيح بخيل. قال: إلا من هداه الله، وخرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق، وهم أهل الإيمان وأهل التقوى، من زكوا أنفسهم وربوها على مرضات الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾، أي: إن الإنسان على ما يعرف من نفسه من المنع والكنود لشاهد بذلك، لا يجحده ولا ينكره، فهو يعترف بذلك، ويشهد على ذلك أنه لكنود. قال: لأن ذلك أمر بين واضح. ويحتمل أن الضمير في قوله ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾، ما تقدم، أن الهاء هنا تعود على نفس الإنسان: إنه أي هذا الإنسان. ويحتمل أن الضمير عائد إلى الله تعالى: أي إن العبد لربه لكنود، والله شهيد على ذلك، أي أن الله يشهد أن هذا الإنسان لكنود، أي: لمنوع. ففيه الوعيد والتهديد الشديد لمن هو لربه كنود، بأن الله عليه شهيد. وهما قولان للمفسرين: أن الضمير في قوله ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ يعود على الإنسان، أو يعود على الرب سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾، أي: الإنسان لحب الخير، أي: المال. فالخير هنا المراد به المال، يراد به المال. وهذا من معاني الخير، قد يراد به المال، وقد يراد به فعل خير من الطاعات. وبهذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾. الإنسان من طبيعته حب المال. ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾، أي: كثير الحب للمال. قال: وحبه ذلك هو الذي أوجب له ترك الحقوق، هو الذي أوجب له ترك الحقوق الواجبة عليه، قدم شهوة نفسه على حق ربه. وهذا هو الواقع من حب الإنسان للمال، ربما يترك الصلاوات الخمس ولا يؤديها في جماعة، أو لا يؤديها بالكلية، بعض الناس لا يؤديها بالكلية. ومن حب الإنسان للمال ربما يقتل أباه وأمه، ربما يقتل جاره. ومن حب الإنسان للمال ربما لا يؤدي حق الله في هذا المال، فيستكثر الزكاة فلا يؤديها كما أمر الله عز وجل. وهكذا من حب الإنسان للمال ربما يكذب، ربما يغش، ربما يمكر، ربما يدلس. وهكذا معاصي كثيرة، أو معاصم كثيرة، يرتكبها الإنسان بسبب حبه للمال، بسبب حبه للمال. والعاقل من اعتقد وآمن أن هذه الدنيا بما فيها من أموال ومن زينة ومن شهوات لا تساوي شيئا فيما يلقاه المؤمن يوم القيامة من جنات النعيم، ومن الحياة الدائمة السرمدية. قال: وكل هذا لأنه قصر نظره على هذا المال، وغفل عن الآخرة. ولهذا قال حاثا له على خوف يوم الوعيد، على خوف يوم الوعيد: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾. قال: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ ﴾، أي: هل لا يعلم هذا المغتر، يعني: الذي قدم حب المال على طاعة الله عز وجل. قال: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ ﴾، أي: هل لا يعلم هذا المغتر ﴿ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾، أي: أخرج الله الأموات من قبورهم لحشرهم ونشورهم، وكذلك سؤالهم ومجازاتهم، ومجازاتهم لما عملوا في هذه الدنيا. فكيف بهذا الإنسان الذي قدم حب المال على طاعة الله عز وجل في هذه الدنيا، كيف يكون حاله إذا بعث وسئل عما عمل في هذه الدنيا؟ فهذا تهديد ووعيد شديد لهذا الإنسان. ﴿ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾، أي: أخرج الله الأموات من قبورهم لحشرهم ونشورهم. قال: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾، أي: ظهر وبان ما فيها، وما استتر في الصدور من خبايا الخير والشر، فصار السر علانية، والباطن ظاهرا، وبان على وجوه الخلق نتيجة أعمالهم، أو نتيجة أعمالهم. فهذا أيضا فيه أن الإنسان في هذه الدنيا يجعل سريرته كظاهره. نعم، إن أخفى شرا في هذه الدنيا فسينكشف أمره وحاله في يوم القيامة، يوم تظهر السرائر، تظهر السرائر. ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾، أي: ظهر وبان ما استتر في هذه الصدور، يعني: في القلب. فالعبد وإن أخفى ما أخفى في هذه الدنيا، فليعلم أنه سينفضح في ذلك اليوم، إن لم ينفضح في هذه الدنيا، فسينفضح في ذلك اليوم. قال: ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾، أي: مطلع على أعمالهم الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، ومجازيهم عليها. وخص خبره بذلك اليوم، وخص خبره بذلك اليوم مع أنه خبير بهم في كل وقت، لأن المراد بذلك: جزاء الأعمال الناشئ عن علم الله والاطلاع. فليس معنى قول: ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ أنه لا يعلم أحوالهم في غير ذلك اليوم، لا. وإنما المراد أن الله عز وجل يعلم بأحوالهم، ويعلم بأعمالهم في كل الأحوال وفي كل الأحيان. ولكن المراد كما ذكر: أن ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾، أي: بالجزاء على الأعمال، يجازيهم بأعمالهم، وهذا الجزاء ناشئ عن علم الله والاطلاع السابق. سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإله والله تعالى أحوالهم.