تفسير سورة الزلزلة

تفسير سورة الزلزلة

الدرس في تفسير سورة الزلزلة، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير سورة الزلزلة: أهوال يوم القيامة وشهادة الأرض

يستعرض المقطع تفسير الشيخ السعدي لسورة الزلزلة موضحاً زلزلة الأرض يوم القيامة وإخراجها للأموات والكنوز. كما يبين تعجب الناس من هذا التغير وشهادة الأرض على أعمال العباد بأمر الله مما يعجز الإنسان عن إنكار أعماله.

تفصيل آيات وزن الأعمال ومثقال الذرة من الخير والشر

يشرح المقطع آيات سورة الزلزلة المتعلقة بإخبار الأرض بأعمال العباد وتفرق الناس يوم القيامة إلى أصناف حسب أعمالهم. ويؤكد عرض الأعمال صغيرها وكبيرها وأن مثقال الذرة من الخير أو الشر يُرى ويجزى عليه مستدلاً بأحاديث نبوية.

فضل الأعمال الصالحة الصغيرة وخطر محقرات الذنوب

تؤكد الآية الكريمة والأحاديث النبوية أن مثقال الذرة من الخير أو الشر يُرى ويجازى عليه فلا يُحتقر معروف وإن قل. كما حذر النبي ﷺ من محقرات الذنوب لأنها تجتمع على العبد وتهلكه كالحطب يجمع فيوقد النار.

خاتمة الجلسة وبيان المترجمة

يعلن المتحدث عن انتهاء المقطع الحالي بقوله نكتفي بهذا ويختتم بالحمدلة. كما يشير إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة "إذا زلزلت"، وهي مدنية. قال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: يخبر تعالى عما يكون يوم القيامة، وأن الأرض تتزلزل وترجف وترتج حتى يسقط ما عليها من بناء وعلم، فتندك جبالها وتسوى تلالها، وتكون قاعًا صفصفًا لا عوج فيه ولا أمت. قال: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ أي: ما في بطنها من الأموات والكنوز. وقال: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾: إذا رأى ما عراها من الأمر العظيم، مستعظمًا لذلك، ﴿مَا لَهَا﴾ أي: أي شيء عرض لها؟ لما يرى من تغير الأرض في هذه الحياة قبل يوم القيامة قارة مستقرة، وهكذا فيها ما فيها من الأموات ومن الكنوز. ففي ذلك اليوم تتغير أحوالها، وتزلزل، وتخرج ما في بطنها من الأموات، فيستغرب الإنسان لهذا التغير العظيم ويذهل، فيقول: ما لها؟ ما الذي حدث لها؟ وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تقئ الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الأسطوان من الذهب والفضة». «تقئ» يعني: تخرج ما في بطنها، و«أفلاذ كبدها» أي: ما فيها من الأموات. قال: فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي. وهكذا يجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي. فهذا هو حال الأرض في ذلك اليوم: تزلزل وتخرج ما في بطنها، وتخرج ما في بطنها، ويستغرب الإنسان لذلك فيقول: ما لها؟ ما الذي حدث لها؟ قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: الأرض أخبارها، أي: تشهد على العاملين بما عملوا على ظهرها من خير وشر. فإن الأرض من جملة الشهود الذين يشهدون على العباد بأعمالهم. سبحان الله! لا مفر للإنسان في ذلك اليوم من أن ينكر عملًا عمله في هذه الدنيا، ما يستطيع. فإذا أنكر شيئًا جاءت الشهود التي تشهد عليه، فمن تلكم الشهود الأرض التي هي موطن الأعمال، موطن الأعمال، فتشهد الأرض على عمالها الذين عملوا عليها الخير أو الشر. فالأرض من جملة الشهود، ومن الشهود الأعضاء، أعضاء هذا الإنسان. لا مفر له. أنت لما تعمل العمل، أعضاؤك هي أقرب ما يكون إليك. ويومًا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. سبحان الله! شاهد من نفسك. وهكذا الأرض تشهد. ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أو ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: الأرض. قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي: وأمرها أن تخبر بما عمل عليها، فلا تعصي لأمره. بمعنى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي: أوحى إليها، أوحى إلى هذه الأرض بأن تخبر بما عمل فيها. فـ «لها» بمعنى: إليها. فقالوا: إن الفعل «أوحى» ضمن معنى الفعل، معنى الفعل «أذن لها». «أوحى إليها» أي: أذن لها، فجاء الجر باللام ولم يأتِ بـ «إلى» لأن «أوحى» ضمن معنى «أذن لها». فيوحى إلى هذه الأرض أن تخبر بما عمل عليها. قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ أي: من موقف القيامة حتى يقضي الله بينهم. فيصدر الناس ﴿أَشْتَاتًا﴾ يعني: قال: أي فرقًا متفاوتين، فرقًا متفاوتين، يعني: أصنافًا وأنواعًا، ما بين شقي وسعيد، وما بين مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار. الناس في ذلك اليوم أصناف وأنواع. فيومئذ يصدر الناس أشتاتًا أي: أصنافًا وأنواعًا. قال: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: ليريهم الله ما عملوا من الحسنات والسيئات، ويريهم جزاءً موفورًا، ويريهم جزاءه موفورًا، فيجازى أهل الإحسان بإحسانهم وأهل الإساءة بإساءتهم. فكل إنسان يرى عمله، لا ينقص منه شيئًا ولا يزيد. قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: وهذا شامل عام للخير والشر كله، لأنه إذا رأى مثقال الذرة التي هي أحقر الأشياء وجوزي عليها، فما فوق ذلك من باب أولى وأحرى. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. وقال: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾. قال: وهذه الآية فيها غاية الترغيب في فعل الخير ولو قليلا، والترهيب من فعل الشر ولو حقيرًا. انظر: تعمل مثقال ذرة من الخير تجدها في ذلك اليوم الذي أنت أحوج ما تكون إلى الحسنات. وهكذا تعمل مثقال ذرة من الشر فتجد ذلك في يوم القيامة. فلا تحقرن من المعروف شيئًا. كما قال هنا المؤلف: «وهذه الآية فيها غاية الترهيب في فعل الخير ولو قليلا»... لا تقل: ماذا سيغني الصدقة بعشرة ريال؟ أو بأي المال اليسير؟ ولا تقل: ماذا يغني أن أفعل كذا وكذا من الأعمال التي تظن أنها قليلة؟ فرب عمل قليل يكون سببًا في نجاتك من نار جهنم. فلا تحقرن من المعروف شيئًا، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين من حديث عدي: «اتقوا النار ولو بشق تمرة». مش بتمرة كاملة، بشق تمرة يعني: جزء، شق، نصف هذه التمرة تتصدق بها، فيكون هذا التصدق سببًا في نجاتك من النار وفي اتقائك من النار. «اتقوا النار ولو بشق تمرة». وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في مسلم أيضًا: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي». عندك ماء، تعطي من يستسقي يريد الماء تعطيه ماء، فلا تحتقر هذا العمل. قال: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» أو بوجه... يعني: منبسط. سبحان الله! تنبسط إلى أخيك، وهكذا تبتسم في وجه أخيك. هذا لا تحتقر هذا العمل. لا تقول: هذا لا يعد شيئًا من الأعمال. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرى. وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معشر نساء المؤمنات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة». يعني: ولو أن تتصدق عليها بظفر فيه الشيء اليسير من اللحم. لا تحتقر هذا العمل، لا تحتقر هذا العمل. وهكذا جاء في حديث أبي ذر: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك». أيش المرق؟ ما هو لحم، مرق: ماء وعبارة عن ما تزيد الماء. إذا معك شيء من اللحم ثم تعطي الجيران شيئًا من ذلك المرق، لا تحتقر هذا العمل. وإن تراه قليلا، فستجازى عليه بالجزاء الحسن في ذلك اليوم، في ذلك اليوم. فلا تحقرن من المعروف شيئًا. كذلك في طلب العلم: لا تقول: ماذا يغني أن أحفظ في اليوم آية؟ أو ماذا يغني أن أدرس أطفالًا صغارًا؟ ماذا يغني أن مثلا أجلس في حلقة... يعني قراءة القرآن؟ لا تحتقر هذه الأعمال، بل هي أعمال جليلة وأعمال عظيمة، ولك من الأجر العظيم. فلا تحقرن من المعروف شيئًا، لا تحقرن من المعروف شيئًا. وهكذا هذه الآية آية عامة تدخل في كثير من الأعمال. وقد استدل النبي عليه الصلاة والسلام بذلك كما جاء في حديث أبي هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله» ثم ذكر أن له فضلا: أكلها، وفضلا رباطها، وفضلا ما يخرج منها إلى غير ذلك. ثم قال: «ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا» يعني: من أجل أن يعف نفسه وأهله، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر. قال: «ورجل ربطها فخرًا ورياءً فهي عليه وزر». ثم سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الحمر، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما أنزل الله علي فيها شيئًا». ثم قال: «إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾». فهذه الآية كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: فاذة جامعة. وهكذا حتى محقرات الذنوب، الشرور التي تراها يسيرة وقليلة، لا تحتقر هذه الذنوب. فإذا اجتمعت عليك أهلكتك. كما يصحح العلامة الألباني حديثًا يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على العبد حتى يهلكنه». نعم. ومثل ذلك بقوم جمعوا من الحطب، ثم بعدما اجتمع لهم هذا الحطب أنضجوا تلكم النار، أو أشعلوا تلكم النار، فأنضجوا أكلهم. وهكذا محقرات الذنوب: الأشياء التي يرى الإنسان صغيرة، ثم يأتي بأخرى وأخرى وأخرى، تجتمع عليه حتى ربما تكون سببًا في هلاكه. فلا تحتقر أيضًا من الشر الصغائر أو الأمور التي تراها حقيرة، فلربما تكون سببًا في هلاكك. فندخل في هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. هذا في الأدنى، فكيف في الأعلى؟ فهو من باب أولى، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.