الدرس في تفسير سورة القارعة، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح ابن السعدي أن القارعة من أسماء يوم القيامة لكونها تقرع الناس بأهوالها، ويصف حال الناس يومئذٍ بأنهم كالفراش المبثوث من شدة الفزع. ويذكر مصير من ثقلت موازينه ومن خفت.
يصف المقطع حال الناس يوم القيامة بأنهم كالفَرَاش المبثوث لضعف إدراكهم وشدة الهول، وتتحول الجبال الصلبة إلى كالعهن المنفوش. ثم يُنصب الميزان فينقسم الناس إلى سعداء ثقلت موازينهم وأشقياء خفت موازينهم.
يفسر المقطع حال من خفت موازينه يوم القيامة فجعلت النار (الهاوية) مأوى له كالأم الملازمة لولدها، وتذكر أن من أسماء النار الهاوية وجهنم ولظى. وتؤكد شدة حرها بأنها تزيد على نار الدنيا سبعين ضعفاً مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
النار التي نوقِدها في الدنيا تمثل جزءاً واحداً من سبعين جزءاً من نار جهنم، مما يبيّن شدة حرارتها. لذا على المسلم أن يتقي هذه النار بالاستقامة والأعمال الصالحة وتقوى الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة القارعة، وهي مكية. قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿القَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. قال: القارعة من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تقرع الناس وتزعجهم بأهوالها، ولهذا عظم أمرها وفخمه بقوله: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾. ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ أي: من شدة الفزع والهول ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾. وأسماء يوم القيامة كثيرة: الحاقة، الصاخة، يوم التغاب، وكثير من الأسماء. فمن أسماء يوم القيامة القارعة؛ لأن هذا اليوم يقرع الناس ويزعجهم بأهواله. قال: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ أي: من شدة الفزع والهول ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ أي: كالجراد المنتشر الذي يموج بعضه في بعض. والفراش هي الحيوانات التي تكون في الليل، يموج بعضها ببعض، لا تدري أين توجه. فإذا أوقد لها نار تهافتت إليها لضعف إدراكها. فهذه حال الناس، أهل العقول. فيا سبحان الله! لذلك اليوم يموج الناس ويصيرون كالفراش، تلك الحشرات التي تتهافت ويقع بعضها على بعض. وإذا أوقدت النار ألقت بنفسها في تلكم النار، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعل الفراش والجنادب يقعن فيه، وهو يذبهن عن النار، وأنا آخذ بحجزكم: هلم عن النار، وأنتم تتفلتون من يدي». فالشاهد من الحديث أن هذه الحشرات، الفراش، يموج بعضها على بعض، ويقع بعضها على بعض لضعف إدراكها. وهكذا الناس في ذلك اليوم، لشدة هوله يكونون ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ أي: المنتشر. قال: هذه ماذا؟ هؤلاء أهل العقول في ذلك اليوم يكونون على هذا الحال. قال: وأما الجبال الصم الصلاب، فتكون ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ أي: كالصوف المنفوش الذي بقي ضعيفاً جداً، تطير به أدنى ريح. قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، ثم بعد ذلك تكون هباء منثوراً، فتضمحل ولا يبقى منها شيء يشاهد. فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء. فهكذا حال هذه الجبال. انظر الآن إلى هذه الجبال العظيمة الراسية الصلبة القوية، في ذلك اليوم تمر مر السحاب، تكون ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾، كالصوف الضعيف، أي حركة أو أي ريح يذهب به يمنة ويسرى لضعفه. فهكذا الجبال في ذلك اليوم تصير مثل ذلكم العهن، أي الصوف المنفوش، الذي يعني صار ضعيفاً جداً. فحينئذ، كما ذكر، ينقسم الناس إلى قسمين: سعداء وأشقياء. قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته. فتوزن الأعمال، فمن رجحت أعماله الصالحة على أعماله السيئة فهو من أهل السعادة، فهو في ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي: في جنات النعيم. العيشة الراضية هي جنة النعيم التي يدخلها المؤمن. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ بأن لم تكن له حسنات تقاوم سيئاته، فغلبت سيئاته حسناته، فهذا من الأشقياء. فما جزاؤه ومصيره؟ قال: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ أي: مأواه ومسكنه النار، التي من أسمائها الهاوية. وأيضاً النار لها أسماء كثيرة، ومن أسمائها الهاوية، فهي جهنم، وهي لظى، وهي غير ذلك من الأسماء التي ذكرت في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. تكون له بمنزلة الأم الملازمة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ أي: مستمراً. فقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾: الابن الصغير يلجأ إلى أمه ويلازم أمه، فهكذا الكافر، النار له كالأم، فهو ملازم لها لا ينفك عنها. هذا قول. وقيل: إن معنى ذلك: فأم دماغه هاوية في النار، أي: يلقى في النار على رأسه، فيراد بقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ أي: دماغه الذي في رأسه يهوى في النار، يعني يلقى في النار. هذا قول آخر، والآية تحتمل المعنيين. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ قال: وهذا تعظيم لأمرها، ثم فسرها بقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي: شديدة الحرارة، قد زادت حرارتها على حرارة نار الدنيا سبعين ضعفاً. نستجير بالله منها. وفي هذا جاء حديث أبي هريرة في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم». هذه النار التي الآن ما يستطيع العبد، ما يستطيع الشخص أن يضع أصبعه فيها، تحرقه وتؤلمه. فنار جهنم يعني تضعف على هذه النار بتسعة وستين ضعفاً. ناركم هذه التي توقدون هي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، جزء واحد من سبعين جزءاً، فهذا يدل على شدة حرارة نار جهنم. فعلى العبد أن ينظر في أمره، وأن يتقي تلكم النار، وذلك بالاستقامة والأعمال الصالحة، وبتقوى الله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يوفقنا إلى كل خير، والحمد لله رب العالمين.