تفسير سورة التكاثر

تفسير سورة التكاثر

الدرس في تفسير سورة التكاثر، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير سورة التكاثر: الغفلة عن غاية الخلق

يفسر الشيخ السعدي قوله تعالى ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ بأنه توبيخ للعباد لانشغالهم بالتفاخر في الأموال والأولاد والجاه عن عبادة الله التي خُلقوا لها. ويبين أن هذا التكاثر شامل لكل ما يلهي عن الطاعة، وأن الغفلة تستمر حتى يحل الموت فيندم الإنسان حين لا ينفع الندم.

حقيقة الدنيا وزوالها وعبرة المقابر

يوضح المقطع أن قوله ﴿ حتى زرتم المقابر ﴾ يشير إلى دار البرزخ المؤقتة، وأن التكاثر في الدنيا يلهي عن الآخرة. ويبين أن المال لا ينفع صاحبه إلا ما قُدم من عمل صالح، فهو الرفيق الوحيد في القبر.

المسؤولية عن النعم يوم القيامة ووجوب شكرها

يبيّن المقطع أن الجهل بحقيقة الآخرة يدفع للهث وراء الدنيا، وسيرى الكافرون النار عياناً يوم القيامة، وسيسأل كل إنسان عن نعم الله عليه كما في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر. ويؤكد أن المال نعمة يسأل العبد عن مصدره وإنفاقه، والواجب شكر النعم بالقلب واللسان والجوارح وصرفها في طاعة الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾، وهي مكية. قال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾. قال: يقول تعالى موبخا عباده عن اشتغالهم عما خلقوا له من عبادته وحده لا شريك له، ومعرفته والإنابة إليه، وتقديم محبته على كل شيء. ﴿ ألهاكم ﴾ أي: عن ذلك المذكور، وهو العبادة والإنابة والطاعة، وتقديم محبة الله على محبة غيره. ألهاكم هذا التكاثر عما خلقتم من أجله، فالإنسان لم يخلق في هذه الدنيا من أجل أن يجمع المال، أو أن يلتهي بالأولاد والجاه والسلطان، وإنما خلق من أجل غاية نبيلة وحكمة بالغة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾. قال: التكاثر، ولم يذكر المتكاثر به، ليشمل ذلك كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون، من التكاثر في الأموال والأولاد والأنصار والجنود والخدم والجاه، وغير ذلك مما يقصد منه مكاثرة، مكاثرة كل واحد للآخر، وليس المقصود به الإخلاص لله تعالى، فيشمل التكاثر في جميع هذه المذكورات، سواء أكان في المال، يجمع المال ويتكاثر في المال، وهكذا يشمل التكاثر في الأولاد بمعنى الافتخار، ليس بمعنى أنه يكثر من الولد، فهذا أمر مرغب فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»، ولكن المراد على سبيل المفاخرة، وكذلك على سبيل المكاثرة من أجل الغير، ليس من أجل الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وإنما من أجل أن يفتخر على غيره. وهكذا التكاثر في الأنصار والجنود والخدم والجاه، مما فيه الافتخار، ومما فيه كذلك الانتصار على الغير، انتصارا غير شرعي، وإنما هو من باب المفاخرة، فالآية تشمل ذلك كله. قال: فاستمرت غفلتكم ولهوكم وتشاغلكم حتى زرتم المقابر. قال: فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعدما تعذر عليكم استئنافه، فالإنسان يكون في غفلة ويكون في انشغال حتى يهجم عليه الموت، لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد، فكم من إنسان تجده في غفلة وفي لهث هذه الدنيا، فعندما ينزل عليه الموت يندم ولا ساعة مندم. قال: ودل قوله ﴿ حتى زرتم المقابر ﴾ أن البرزخ دار مقصود منها النفاذ إلى الدار الباقية، لأن الله سماهم زائرين ولم يسمهم مقيمين، ولذلك جاء عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر من بد أن يرجع إلى منزله، يريد بهذا أن الإنسان لا بد له من أن يبعث ثم يحدد منزله، إن كان من أهل الطاعة والاستقامة والتقوى فإنه من أهل الجنة ومنزله الجنة، وإن كان من أهل الكفر والشرك والبعد عن الله عز وجل فإن مصيره النار، فالمقابر إنما هي دار برزخية بين الحياة الدنيا وبين الحياة الآخرة. فقال الله عز وجل: ﴿ حتى زرتم المقابر ﴾، أي: حتى نزل بكم الموت فأدخلتم في قبوركم، فعندئذ يعلم الإنسان أنه قد فرط وأنه قد قصر في جنب الله سبحانه وتعالى. قال: فدل ذلك على البعث والجزاء بالأعمال في دار باقية غير فانية، ولهذا توعدهم بقوله: ﴿ كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين ﴾، أي: لو تعلمون ما أمامكم علما يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة، هذا هو بسبب ضعف اليقين وضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وبما وعد الله عز وجل وأخبر به لأهل الإيمان والتقى، صار كثير من الناس في غفلة وفي لهو وفي جمع لحطام هذه الدنيا. ﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين ﴾، يعني: لو علمتم علما يقينيا يصل إلى القلوب، ولم يخالطه أدنى شك ولا أدنى ريب، فلما ألهتكم هذه الدنيا، فالإنسان ليس له في دنياه إلا ما أكله وما لبسه وما قدمه أمامه من التصدق وغير ذلك. ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير، وجاء أيضا من حديث أبي هريرة، أن عبد الله بن الشخير قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقول: ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾، ثم يقول: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت». هذه حقيقة الدنيا، هذا المال تأكل به في هذه الدنيا وتشرب به وتلبس به وتتصدق به، هذا الذي تنتفع به من مالك في هذه الدنيا، أما غير ذلك فلا، تترك هذا المال وتوضع في قبرك ويأخذه من بعدك، كما جاء في حديث أنس: «يتبع الميت ثلاثة: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله». المال لا ينزل معك في قبرك، وإن أنزل لما استفدت منه، ويعد ذلك من السفه أن يوضع مالك في قبرك عند موتك، هذا من السفه، فلا يقول بذلك عاقل. فانظروا إلى حقيقة هذه الدنيا، لمن تجمع هذا المال، ولماذا هذا اللهث لهذه الدنيا، فعلى المسلم أن يعلم حقيقة هذه الدنيا. قال: ولكن عدم العلم الحقيقي صيركم إلى ما ترون، أي: من اللهث لهذه الدنيا. ثم قال: ﴿ لترون الجحيم ﴾، أي: لتردن القيامة، فمن يردها فلترون الجحيم التي أعدها الله للكافرين، فالإنسان في يوم القيامة عندما يرى تلك الجحيم يتيقن حينئذ، ولكن بعد ماذا؟ بعدما أفرط وقصر في هذه الدنيا. قال: ﴿ ثم لترونها عين اليقين ﴾، أي: رؤية بصرية، كما قال تعالى: ﴿ ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ﴾، وهنا الظن بمعنى اليقين، فظنوا أي: أيقنوا أنهم مواقعوها، ولم يجدوا عنها مصرفا. قال: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره وأديتم حق الله فيه، ولم تستعينوا به على معاصيه، فينعمكم نعيما أعلى منه وأفضل، أم اغتررتم به ولم تقوموا بشكره، بل ربما استعنتم به على معاصي الله، فيعاقبكم على ذلك. قال تعالى: ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون ﴾. والإنسان يجب عليه أن يشكر نعمة الله عز وجل عليه، النعم كثيرة في هذه الدنيا، فمن شكر فسيرى أثر هذه النعمة وهذا الشكر في يوم القيامة، ومن كفر فستكون عليه نعم الدنيا وبالا وعذابا يوم القيامة، فكل نعيم في هذه الدنيا سيسأل عنه العبد يوم القيامة. كما جاء، انظر إلى هذا الحديث: جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى أبا بكر وعمر، فقال لهما: «ما أخرجكما؟» رآهما في الشارع في خارج بيوتهم، فقال: «ما أخرجكما؟» قالا: ما أخرجنا إلا الجوع. فقال: «والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيرهما»، يعني: ما أخرجني إلا الجوع. انظر إلى حالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، فذهبوا جميعا إلى بيت رجل من الأنصار، فوجدوا امرأته، فسألوه عنه، فقالت: ذهب يستعذب لنا الماء، يعني: يأتي لهم بالماء. ثم جاء هذا الرجل وفرح ورحب بهم، ثم أتى بعذق، يعني: من التمر، ثم أخذ الشفرة، يعني: السكين، وذبح لهم، فقدم لهم هذا اللحم، هذا الطعام، فأكلوا منه جميعا. ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعدما فرغوا من الطعام: «لتسألن يوم القيامة عن هذا النعيم»، «لتسألن يوم القيامة عن هذا النعيم». فانظر كيف ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا بكر وعمر بهذه النعمة، وأن العبد سيسأل عنها يوم القيامة. فهكذا يجب على المسلم أن يشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه، ولذلك شرع للمسلمين عند الانتهاء من الأكل أو الشرب أن يحمد الله سبحانه وتعالى، أن يحمد الله بلسانه، وهكذا يجب عليه أن يشكر الله بقلبه وجوارحه، فيسخر هذه النعم في طاعة الله. أعطاك الله مالا، سخر هذا المال في طاعة الله، ستسأل عن هذا المال، كما في حديث أبي برزة: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر من هذه الأربع عن ماله: من أين اكتسبه وفيما أنفقه، من أين اكتسبه وفيما أنفقه. ستسأل عن هذه النعم جميعا يوم القيامة، فالواجب على المسلم أن يشكر نعم الله عز وجل عليه، وذلك بالاستقامة على طاعة الله وتسخير هذه النعم في مرضات الله سبحانه وتعالى. إلهنا والله وتعالى ترجمة نانسي قنقر