الدرس في تفسير سورة الفلق، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع تفسير ابن السعدي لسورة الفلق مبيناً معنى الاستعاذة برب الفلق (فالق الإصباح والحب والنوى). ثم يوضح التدرج من الاستعاذة من شر جميع المخلوقات عموماً إلى تخصيص شر الليل والسحر والحاسد لخطورتهم.
يفرق المقطع بين الحسد المذموم الذي يتمنى زوال النعمة والحسد المحمود (الغبطة) الذي يتمنى مثلها دون زوال، مستدلاً بالحديث النبوي. ويبين أن السورة خصت الاستعاذة من الغاسق والساحر والحاسد لشدة ضررهم.
يستدل المتحدث بآية التفريق بين الزوجين وحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم على أن للسحر حقيقة وتأثيراً حقيقياً. ويرد على المعتزلة وابن حزم وأبي حنيفة الذين أنكروا حقيقته وزعموا أنه مجرد تخيل.
يوضح المقطع أن أهل السنة يقرون بأن بعض السحر مجرد تخيل بلا أثر، بينما يوجد سحر له حقيقة وتأثير ملموس في الواقع. لذا لا يصح إنكار حقيقة السحر مطلقاً بل يُفصل بين نوعيه.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة الفلق، وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال: أي قل متعوذا: "أعوذ"، أي ألجأ وألوذ، فالعوذ هو الالتجاء والاعتصام. قال: أي ألجأ وألوذ وأعتصم برب الفلق، أي: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، كما قال الله عز وجل: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾. فالمقصود برب الفلق: أي عندما يظهر نور الصباح، فيقال: انفلق الصباح، أي: بان وظهر. وقيل: فالق الحب والنوى. فالمهم أن الآية فيها الأمر بالاستعاذة بالله سبحانه وتعالى. قال: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، وهذا يشمل جميع ما خلق الله من إنس وجن وحيوانات، فالآية عامة، فكل ذي شر فتدخل فيه هذه الآية من جميع المخلوقات. قال: فيستعاذ بخالقها من الشر الذي فيها. قال: ثم خص بعدما عم، فقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، أي: من شر ما يكون في الليل حين يغشى الناس، وتنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة والحيوانات المؤذية. فـ"الغاسق" كما ذكر: هو الليل إذا أقبل وأسدل ظلامه. وكما ذكر المؤلف: أن ذكر هذا الخاص بعد العام لأن الآية التي قبلها عامة: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، ومما خلق: الغاسق إذا وقب. ولماذا خص الغاسق إذا وقب؟ لأن الليل إذا غشى الناس انتشرت فيه بعض الأرواح الشريرة من المجرمين، المجرم ما يزاول إجرامه غالبا إلا في ظلمة الليل حتى لا يراه أحد، حتى لا يراه أحد. فخص هذا كما ذكر المؤلف؛ لأن الليل إذا أسدل ظلامه انتشرت فيه كثير من الأرواح الشريرة، وكذلك الحيوانات المؤذية، فأمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نستعيذ به من شر ذلكم الغاسق إذا وقب. قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، أي: ومن شر السواحر التي يستعن على سحرهن بالنفث في العقد التي عقدنها على السحر. فالسحر عبارة عن تعاويذ شيطانية وعقد، وكذلك إحكام لبعض تلكم الأمور التي يكتب فيها. فأمرنا ربنا أن نستعيذ به من شر النفاثات في العقد، أي: من شر السواحر التي يعقدن تلكم العقد. قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال: والحاسد هو الذي يحب زوال النعمة أو زوال النعمة عن المحسود، فيسعى في زوالها بما يقدر عليه من الأسباب. فالحاسد والحسد... والحسد كما ذكر: الذي يحب زوال النعمة عن المحسود، يتمنى زوال هذه النعمة بغض النظر هل يحب أن تكون له هذه النعمة أو لا تكون له هذه النعمة، المهم أنه يحب زوال النعمة أو النعمة من أخيه، فهذا هو الحاسد، وهذا هو الحسد المذموم الذي حذرنا الله سبحانه وتعالى منه. أما الحسد الذي بمعنى الغبطة فهذا ممدوح في بعض المواضع. ومعنى الحسد الذي بمعنى الغبطة: أي أن يتمنى العبد أن يكون له مثل مال أخيه، ولا يتمنى زوال هذه النعمة عن أخيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه أناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأطراف النهار». فالحسد في الحديث هنا بمعنى الغبطة، وهذا أمر ممدوح. قال: فاحتيج إلى الاستعاذة بالله من شره وإبطال كيده. فلا السحرة لا يضرون إلا بإذن الله، فأنت تستعين بالله وتستعيذ بالله من شر هؤلاء السحرة، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، إلا بإذن الله. قال: ويدخل في الحاسد العين، لأنه لا تصدر العين إلا من حاسد شرير الطبع خبيث النفس. فهذه السورة تضمنت الاستعاذة من جميع أنواع الشر عموما وخصوصا. فعموما: قوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فأنت إذا استعنت أو استعذت بالله سبحانه وتعالى من شر كل ما خلق، فلا يصلك شر بإذن الله سبحانه وتعالى إلا ما كتب الله. وهكذا خص: الغاسق إذا وقب، وكذلك الساحر إذا نفث وعقد، وكذلك الحاسد إذا حسد. وهذا يدلنا على خطورة هذه المخصصات: فالسحر أمره خطير، ولذلك خص بعد العموم، وهكذا الحسد أمره خطير، ولذلك خص بعد العموم. فهذا فيه التحذير من هذه الأعمال، فالمسلم يتخلص من هذه الأعمال ويستعين بالله سبحانه وتعالى حتى لا تصل إليه هذه الشرور. فهذه السورة سورة عظيمة تضمنت هذه المعاني الجليلة. قال: ودلت على أن السحر له حقيقة يخشى من ضرره، ويستعاذ بالله منه ومن أهله. وهذا فيه رد على المعتزلة ومن نحى نحوهم من غيرهم. فإن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن من السحر ما له حقيقة وله تأثير، وهذا شيء مشاهد، هذا شيء مشاهد وشيء كذلك ملاحظ. فتجد مثلاً... تجد مثلاً المسحور ربما لا يستطيع أن يقرب أهله، وهو ما يسمى بسحر الربط. وهكذا تجد المسحور ربما لا يستطيع أن يزاول لعمله. وهذه أمور مشاهدة، أمور مشاهدة لا ينكرها أحد. فمن السحر ما له حقيقة. ومما يدل على هذا: هذه السورة، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. فلو كان السحر ليست له تأثير وليست له حقيقة، هل سيأمرنا ربنا بأن نستعيذ منه، بأن نستعيذ من هذا السحر؟ لا. فدل ذلك على أن للسحر حقيقة وتأثيرا. والأدلة في ذلك كثيرة: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. إذن التفريق بين الزوج وزوجته، أليس هذا مما له حقيقة وله تأثير؟ لا شك أن له حقيقة وله تأثير. والآيات في هذا كثيرة: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾، فدل ذلك على أن السحر يتعلم، وما لا حقيقة له لا يتعلم. وهكذا من السنة: حديث عائشة في الصحيحين: أن رجلا من بني زريق سحر النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له: لبيد بن الأعصم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخيل له أنه يفعل الشيء ولا يفعله. فإذا لم تكن له حقيقة، فهل سيكون المسحور على هذه الحال؟ وهكذا جاء في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «إن الله قد عافاني منه»، أي: من هذا السحر. فلو لم تكن له حقيقة، فهل سيبرأ ويشفى منه ذلكم المريض؟ فدل ذلك على أن من السحر ما له حقيقة وتأثير. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة، فإنهم أنكروا مطلقا أن للسحر حقيقة، وقالوا: إنما هو تخيل، إنما هو تخيل. وتبعهم بعض من العلماء كابن حزم الظاهري، فيقول بقولهم، وأبو حنيفة كذلك يقول بقولهم. لكن هذا غير صحيح. واستدلوا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. والرد على هؤلاء كما ذكر أهل العلم: أن نعم، من السحر ما هو خيال وليس بحقيقة. من السحر بعض أنواع السحر الذي هو سحر التخيل، بحركات وأمور سريعة، يعني: الناظر يتبادر له أنها أمور خارقة للعادة. فنعم، من السحر ما هو تخيل. لكن لا نقول: إنه جميع السحر عبارة عن تخيل، وعبارة... يعني عن خيال ليس له حقيقة. فمن السحر ما يكون يعني... ماذا... تخيل وليس بحقيقة، كما فعل سحرة فرعون، كما فعل سحرة فرعون. وكما نسمع في بعض الأحيان يأتي أناس يعملون حركات وأشياء، يعني: الناظر يظن أنها أمور خارقة للعادة، وهي أمور يعني بحركات سريعة. تجد فلانا مثلا يأكل الزجاج، ربما هذا من باب التخيل: أنت تتخيل أنه يضعه في فيه، وهو ربما يضعه في مكان آخر. أو بعض الناس ربما تجد أصبعه يعني غير موجود، يتخيل لك أن الأصبع قد انقطعت، وهو يفعل حركة معينة سريعة، تخيل إلى الناظر أنها قد انقطعت، أو أنها كذا وكذا. فهذا هو تفصيل أهل السنة: أن من السحر ما ربما يكون تخيلا وليس له أثر وحقيقة، ولكن من السحر ما له حقيقة وتأثير. وهذا شيء مشاهد، وشيء ملاحظ، وشيء نلاحظه في الواقع. فلا يعني يجوز أن ننكر أن للسحر حقيقة مطلقة. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى. شكرا لكم، شكرا لكم.