تفسير سورة الضحى 1

تفسير سورة الضحى 1

الدرس في تفسير سورة الضحى 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

افتتاح الدورة وتفسير قسم الضحى والليل

يستهل المحاضر دورة تفسير قصار السور باعتماد تفسير السعدي المختصر لسهولته، ويبتدئ بسورة الضحى مبيناً أن الله أقسم بالضحى والليل دلالة على أهمية الوقت. يفسر قوله «ما ودعك ربك وما قلى» بأن الله لم يترك نبيه ولم يبغضه بل رباه وأكرمه.

تفضيل الآخرة على الدنيا وكمال محبة الله للنبي

يشرح المقطع أن نفي القِلى عن النبي ﷺ يثبت كمال محبة الله له، وأن الآية تعني تفضيل الآخرة على الدنيا في حقه ﷺ. يستدل بحديث اختيار النبي ﷺ ما عند الله على الدنيا وزهده فيها وارتقائه في درجات الكمال حتى لقي ربه.

زهد النبي في الدنيا وقصة نزول سورة الضحى

يذكر موقف ابن مسعود رضي الله عنه مع النبي ﷺ حين عرض عليه البسط على الحصير فرفض تشبيهاً لنفسه بالراكب المستظل تحت شجرة ثم يرتحل. يفسر قوله تعالى «ولسوف يعطيك ربك فترضى» ويذكر سبب نزول أوائل السورة حين مرض النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين فقالت امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد قلاك.

تكذيب افتراء المرأة وتأكيد رعاية الله لنبيه

يوضح المقطع أن الله أنزل آيات لتكذيب ادعاء المرأة، مبيناً أن معنى «ما ودعك ربك وما قلى» هو أن الله لم يترك النبي ولم يبغضه بل محبته دائمة. يختم بالإشارة إلى استكمال تفسير السورة في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فكما وعدنا بأنه إن شاء الله تعالى سنأخذ تفسير قصار السور، والقصد من هذا معرفة تفسير هذه السور الصغار؛ لأن الكل يحفظها ويقرأ بها في صلاته، فمن باب معرفة تفسير هذه السور أحببنا أن نأخذ تفسيرها في هذه الأيام المتبقية من هذه الدورة العلمية. وكان في البال أن يكون التفسير منتقى من بعض كتب التفاسير؛ لأن تفسير هذه السور من تفسير ابن كثير يذكر الحافظ ابن كثير الأحاديث الكثيرة، وهكذا التفريعات، وفيه شيء من التطويل، والفترة قصيرة. فكان في البال أن يكون التفسير منتقى ومختصرًا من بعض كتب التفسير. ولكن اقترح بعض الأخوة أن يكون هذا الاختصار من كتاب من كتب أهل التفسير من الكتب المختصرة، فوقع الاختيار على كتاب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه «تيسير الكريم الرحمن»؛ لأنه تفسير مختصر، حتى يتأتى لبعض الأخوة أن يتابع معنا في القراءة. فكان الاختيار على هذا الكتاب المختصر، فإن شاء الله نقرأ تفسير هذه السور من هذا الكتاب. والحمد لله رب العالمين. قال: تفسير سورة الضحى، وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: قال: أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضوؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ظلمته. «سجى» معنى: ألقى بظلامه، ألقى بظلامه، وادلهمت ظلمته. فهذا قسم من الله عز وجل بهذين الوقتين: بالضحى وبالليل. والله سبحانه وتعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه سبحانه وتعالى. وقد ذكر بعض المفسرين أن الله سبحانه وتعالى إذا أقسم بشيء إنما يقسم به لينوه بذكره، ولينبه على جليل أثره ومنفعته. فهذا فيه أهمية الوقت، أهمية الوقت والزمن؛ إذ أن الله سبحانه وتعالى في مطالع سور عديدة يقسم ببعض الوقت والزمن: بالفجر، وبالليل، وبالضحى، وبالنهار، وإلى غير ذلك. فهذا يدل على عظيم هذه المخلوقات. وهنا أقسم بالضحى، وأقسم أيضًا بالليل. قال: على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. قال: «ما ودعك ربك» أي: ما تركك. «ما ودعك» أي: ما تركك منذ اعتنابك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة. فما ودعك أي: ما تركك. قال: ﴿ وَمَا قَلَى ﴾ أي: ما أبغضك منذ أحبك. فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده. يعني: ما قلاك، ما أبغضك. فهذا نفي لبغض الله عز وجل لنبيه، فنحن نثبت محبة الله سبحانه وتعالى لنبيه؛ لأننا لو أخذنا النفي المحض لما كان هناك فائدة من هذا النفي. فنثبت في مقابل النفي كمال الضد في حق الله سبحانه وتعالى. ولذلك الصفات السلبية للرب سبحانه وتعالى نثبت كمال ضدها، نثبت كمال ضدها. فقول الله عز وجل: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ ننفي عن الله عز وجل السنة والنوم، ونثبت كمال الضد وهو كمال حياته وقيوميته سبحانه وتعالى. فـ ﴿ مَا قَلَى ﴾ أي: ما أبغضك. فنثبت محبة الله سبحانه وتعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا، النفي المحض لا يكون مدحًا، قال: إلا إذا تضمن ثبوت كمال. فهذه حال الرسول صلى الله عليه وسلم الماضية والحاضرة: أكمل حال وأتمها، محبة الله له واستمرارها، وترقيته في درج الكمال، ودوام اعتناء الله به. قال: ﴿ وَأَمَّا حَالُهُ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَقَالَ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾. أي: كل حالة متأخرة من أحوالك فإن لها الفضل على الحالة السابقة. فلم يزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصعد في درج المعالي، ويمكن الله له دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله، قال: حتى مات وقد وصل إلى حال لا يصل إليه الأولون والآخرون أو والآخرون، نعم من الفضائل والنعم وقرة العين وسرور القلب. فمعنى ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾ أي: ﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾. الأولى المراد بها الدنيا. وهذه هي حال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان عليه الصلاة والسلام أزهد الناس، فكان عليه الصلاة والسلام أزهد الناس في الدنيا وأبعدهم عن زخرفها وعن كذلك زينتها، وهو عليه الصلاة والسلام مقبل على الآخرة. ﴿ وَلَا الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾. جاء في الصحيحين من حديث جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صعد المنبر فقال: «إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله». قال: فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، قال: فقلت: ما بال هذا الشيخ يبكي أن خير الله عبدًا؟ قال: فكان هذا العبد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان أبو بكر أعلمنا، وكان أبو بكر أعلمنا. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان صورة حية في تطبيق هذه الآية: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾. جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اضطجع على حصير، فأثر هذا الحصير على جنبه عليه الصلاة والسلام. فقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما استيقظ، وبعدما مسح جنبه: «ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير؟» يعني: نضع لك شيئًا على الحصير حتى لا يؤثر الحصير على جنبك. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا في هذه الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». انظروا هذه هي حال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾. وهكذا ينبغي أن يكون كل عاقل: أن يبتعد عن التعلق بهذه الدنيا، وأن يقبل على الآخرة؛ فإن الآخرة خير له من الدنيا. ﴿ وَلَا الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾. فالواجب على المسلم أن يعمر آخرته، وأن كذلك يسعى في إصلاح آخرته. وإن فات ما فات من هذه الدنيا فهذا شيء لا يضره، ولا يأسف على فواته من هذه الدنيا، طالما أنه قد عمر آخرته. فهذا الذي ينفع، وهذا الذي يبقى، وهذا الذي به يرفع العبد الدرجات في الآخرة. قال: ثم بعد ذلك لا تسأل عن حاله في الآخرة من تفاصيل الإكرام وأنواع الإنعام. ولهذا قال: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾. قال: وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾. هذه عبارة جامعة شاملة. لو قال لك إنسان: «أنا سأعطيك ما يرضيك»، فماذا بعد هذا؟ ستختار ما يطيب لك وما كذلك تحب وترغب. فهذه عبارة جامعة شاملة. وعد الله عز وجل نبيه أنه سيعطيه ما يرضيه: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾. فلذلك قال هنا المفسر: قال: وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة، الجامعة الشاملة. وبداية هذه السورة: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ قد جاء فيها سبب نزول في الصحيحين من حديث جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: «يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد قلاك أو قد تركك». فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. هذا هو الصحيح الذي ثبت في سبب نزول أول هذه السورة: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم ليلة أو ليلتين لأنه اشتكى، ومعنى اشتكى: أي مرض عليه الصلاة والسلام، مرض عليه الصلاة والسلام، فلم يقم ليلة أو ليلتين بسبب هذا المرض. فأتت هذه المرأة، وليس هناك كبير فائدة في معرفة اسم هذه المرأة؛ فإن بعض المفسرين قد أطال في هذا، وأراد أن يعرف اسم هذه المرأة. لكن في الحديث: «أتت المرأة» بدون ذكر اسمها، وإنما أتت هكذا منكرة، فلا فائدة كبيرة في معرفة عين هذه المرأة. المهم: أتت امرأة فقالت: «يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك». فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات في تكذيب قول هذه المرأة، في تكذيب قول هذه المرأة: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ أي: ما تركك ربك، وما أبغضك. بل إن محبة الله سبحانه وتعالى لك دائمة كما ذكر ذلك أهل التفسير. ولانتهاء الوقت، إن شاء الله نكمل ما بقي من هذه السورة في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.