تفسير سورة الكوثر

تفسير سورة الكوثر

الدرس في تفسير سورة الكوثر، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير سورة الكوثر ومعنى الحوض النبوي

يشرح ابن السعدي أن الكوثر هو الخير الكثير الذي يشمل الحوض العظيم الذي وعد الله نبيه به يوم القيامة، ووصفه بأنه نهر طوله وعرضه شهر وماؤه أبيض وأحلى من اللبن والعسل. ويستدل بحديث أنس بن مالك في صحيح مسلم أن من يشرب منه لا يظمأ أبداً، وأن المبتدعين يُطردون عنه فيقول النبي: "إنك لا تدري ما أحدث بعدك".

وصف نهر الكوثر وأمر الصلاة والنحر

يستعرض المقطع أحاديث تصف نهر الكوثر في الجنة بصفاته من قباب اللؤلؤ وتراب المسك، ويبين أن الله أمر نبيه بالصلاة والنحر شكراً على هذه النعمة العظيمة. وتعد الصلاة والنحر من أفضل العبادات البدنية والمالية للتقرب إلى الله.

تزكية النفس بالعبادات المالية وتفسير آية الابتر

يوضح المقطع كيف تطهر العبادات المالية النفس من الشح والبخل، وتؤكد توحيد الله في الذبح محذراً من الشرك بالذبح لغيره. ثم يفسر قوله تعالى: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ مبيناً سبب نزولها في كعب بن الأشرف وقريش الذين آذوا النبي، وأن من رد سنة النبي وأبغضها فقد شرك في كونه مقطوعاً من كل خير.

خاتمة المجلس وتفويض العلم لله

يختتم المتحدث المجلس بعبارة "إلى هنا، والله تعالى أعلم"، معلناً انتهاء الكلام ومفوضاً العلم المطلق لله سبحانه وتعالى. وتعد هذه الخاتمة تواضعاً علمياً واعترافاً بحدود علم البشر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة الكوثر، وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾. قال: يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ممتنًّا عليه: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾، أي: الخير الكثير، والفضل الغزير، الذي من جملته ما يعطيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة من النهر الذي يقال له الكوثر، ومن الحوض، طوله شهر، وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنِيَتُهُ كنجوم السماء في كثرتها واستنارتها، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا. فهذا قد دلت عليه أحاديث كثيرة أن المراد بالكوثر هو الخير الكثير والفضل الغزير، ومنه الحوض الذي هذا وصفه. وكل هذا قد وردت به السنة، فقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، فَيَخْتَلِجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ - يَعْنِي يُؤْخَذُ خِفْيَةً - فَيَخْتَلِجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ». فهذا الحديث فيه تفسير لهذه السورة، ولمعنى الكوثر بأنه نهر وعد الله سبحانه وتعالى نبيه يوم القيامة، عليه خير كثير، ويترد عليه هذه الأمة، وذكر من صفته أن آنِيَتَهُ عدد النجوم في السماء. وهذا الحوض لا يرده ولا يشرب منه إلا المتبع للنبي عليه الصلاة والسلام، لذلك جاء في هذا الحديث: «فَيَخْتَلِجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ» يعني: يطرد منه ويبعد منه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي»، فيقال له: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ». فهذا يحتمل - كما قال الحافظ - إما من ارتد بعد إسلامه، وإما من كذلك ترك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الطريق والمنهاج. فهذا يشمل وهذا وذاك، فيشمل أهل البدع، ويشمل كذلك أهل الردة. فالمهم أن هذا الحديث فيه شيء من وصف ذلكم الكوثر وذلكم الحوض. وجاء أيضًا عن أنس في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء قال: «أُتِيتُ - أَوْ: أَتَيْتُ - عَلَى نَهْرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمَجَوَّفِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ». فهذا أيضًا فيه وصف لذلك الكوثر، وبأن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف. وهكذا جاء عن أنس كما في صحيح الجامع، صحيح العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الكوثر فقال: «هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ - أَعْطَانِيهِ - اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ، تُرَابُهُ مِسْكٌ، أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ». وهذا أيضًا فيه تقرير ما تقدم مما ذكره المؤلف من وصف ذلكم الحوض وذلكم الكوثر. فالسنة فسرت ما المراد بهذا الكوثر، وبينت أوصاف ذلكم الكوثر. قال: ولما ذكر منته عليه أمره بشكرها، فقال: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾. فخص هاتين العبادتين بالذكر لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات، ولأن الصلاة تتضمن الخضوع في القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر، وإخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به. وهذا أيضًا فيه أن العبد يشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه. فهكذا لما ذكر ربنا سبحانه وتعالى نبيه بهذه النعمة، الكوثر، وما يعطاه يوم القيامة من ذلكم الخير العميم، فأمره بأن يشكر ربه، وذلك بالعبادة له، فذكره بعبادتين جليلتين: العبادة الأولى: الصلاة، وهي من أفضل العبادات العملية، فأمر ربنا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقوم بهذه الصلاة: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾. وهكذا ذكره بعبادة أخرى هي من أعظم العبادات المالية، وهي الذبح لله سبحانه وتعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾. فإنَّا النحائر، سواء أكان من العقيقة، أو كذلك من الأضحية، أو كذلك من الهدي، أو كذلك من التصدق بهذه النحائر على المحتاج والمسكين، كل ذلك من العبادات الجليلة. فكما ذكر أن العبد يعني يشح ويبخل بإخراج المال، فإذا قام بهذه العبادة هذب نفسه وزكى نفسه، وكذلك تخلى عن الشح وعن كذلك البخل. فهذه من أجل العبادات المالية. فذكر ربنا سبحانه وتعالى نبيه بهاتين العبادتين الجليلتين. وفي هذا أيضًا التوحيد لله سبحانه وتعالى، كما أنه يصلى له، كذلك ينحر له وحده سبحانه وتعالى. فما عليه بعض عباد القبور من الذبح لغير الله للقبور والأولياء بزعمهم، فهذا من الشرك بالله عز وجل. وربنا سبحانه وتعالى أمر عباده بأن ينحروا له وحده، كما أنهم يصلون له وحده، كذلك ينحرون له وحده سبحانه وتعالى. قال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾، أي: مبغضك، وذامك، ومنتقصك، هو الأبتر، أي: المقطوع من كل خير، مقطوع العمل، ومقطوع الذكر. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فهو الكامل حقًّا، الذي له الكمال الممكن في حق المخلوق، من رفع الذكر، وكثرة الأنصار والأتباع، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الآية: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾، ورد فيها سبب نزول صحيح، ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في الصحيح المسند من أسباب النزول، وهو ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مَكَّةَ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: أَنْتَ سَيِّدُهُمْ، أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الْمُصَنْبِرِ الْمُنْبَتِرِ مِنْ قَوْمِهِ؟» - يعني يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - «قَالَ: يَزْعُمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَّا، وَنَحْنُ أَهْلُ الْحَجِيجِ وَأَهْلُ السِّدَانَةِ وَأَهْلُ السِّقَايَةِ. فَقَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ: أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْهُ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾». فمبغض النبي عليه الصلاة والسلام، وذامه، ومنتقص النبي عليه الصلاة والسلام، هو المقطوع، الأبتر، بمعنى: المقطوع الذكر، أو مقطوع العمل، أو مقطوع من كل خير، مقطوع من كل خير. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: «كُلُّ مَنْ رَدَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَبْغَضَهَا فَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ» - أو كما قال رحمه الله تعالى. فمن يعارض سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويذم وينتقص ويبغض ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فله نصيب من هذه الآية: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾، أي: هو المقطوع من كل خير، من العمل، ومن كذلك الذكر. إلى هنا، والله تعالى أعلم.