هل قبل الله منا رمضان

الخطبة بعنوان هل قبل الله منا رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 28 رمضان 1443هـ الموافق 29 أبريل 2022م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الإخلاص في قبول الأعمال

يُشدد على أهمية الإخلاص في قبول الأعمال الصالحة عند الله، حيث لا يقبل إلا الأعمال الخالصة لوجهه. يُحذر من الشرك في الأعمال ويبين أن الإخلاص هو محور قبولها.

أسباب ووسائل تحقيق القبول

من أسباب قبول الأعمال الصالحة الإخلاص لله وخشية عدم القبول والدعاء بالقبول وعدم العجب بالعمل. السلف كانوا يهتمون بقبول العمل أكثر من اهتمامهم بالعمل نفسه.

دلائل قبول الأعمال وصفات المقبولين

يدل استمرار العبد على الطاعات بعد رمضان وخوفه من عدم القبول على قبول عمله، بينما رجوعه للمعاصي يدل على عدم القبول. المؤمنون المتقون يسارعون في الخيرات وقلوبهم خائفة من الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، فها نحن على مشارف انتهاء هذا الشهر العظيم، شهر رمضان، وقد استودعناه ما استودعناه من الأعمال، فمنها الأعمال الصالحة ومنها غير ذلك. فلهذا عباد الله، فلا ندري أقبلت من هذه الأعمال أم لم تقبل. فمن ذا الذي قبل منه فنهنيه، كما قال علي رضي الله عنه، ومن ذا الذي لم يقبل منه فنعزيه. إن الله عز وجل اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يخفي القبول عنده جل وعلا، حتى يجتهد العباد، وحتى يجد العباد في هذا الأمر الذي ينال أو الذي يتناولونه بهذه الأعمال الصالحة والتقرب إلى الله جل وعلا. ولهذا عباد الله، ربنا سبحانه وتعالى قد أخفى القبول، لكنه جل وعلا جعل لنا أسبابا وجعل لنا دلائل تدلنا على هذا القبول الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى منا جل وعلا. فلهذا عباد الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وجميع أعمالنا الصالحة، فإنه سميع الدعاء جل وعلا. عباد الله، ربنا جل وعلا جعل لنا أسبابا حتى يتقبل الله عز وجل هذه الأعمال، فمن ذلك عباد الله الإخلاص في الأعمال، إن محور الأعمال وكذلك محور قبولها، فربنا جل وعلا لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي وجهه جل وعلا، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام. فلهذا عباد الله، فالإخلاص في الأعمال الصالحة من أسباب القبول عند الله جل وعلا. أخرج الإمام مسلم من حديث العلا بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وأخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد بن المعل الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا جمع الله عز وجل الأولين والآخرين يوم القيامة، ينادي مناد: من كان عمل عملا مما يعمل لله لغيره فليطلب ثوابه من عند غيره». وهذا من أعظم التوبيخ عباد الله، أنك تأتي يوم القيامة ولا تجد هذه الأعمال، ويقال لك: أطلب عملك من غيرك، من غير الله جل وعلا، واطلب ثوابه من غير الله سبحانه وتعالى. فلهذا من أعظم أسباب القبول الإخلاص لله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، أي الذين اتقوا الله عز وجل في أعمالهم، اتقوا الله سبحانه وتعالى فيما يتقربون به إلى الله. فلهذا عباد الله، فينبغي علينا أن نتق الله عز وجل فيما بقي، ونتق الله عز وجل في أعمالنا التي ستأتي، وإن فرطنا فيما قد مضى أيضا. عباد الله، إن من أسباب القبول التي ذكرها ربنا جل وعلا وجاءت في الأحاديث أن العبد ينبغي عليه أن يخاف أن لا يتقبل الله عز وجل منه هذه الأعمال. فإن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. ولهذا كان السلف رحمهم الله، كان همهم إذا عملوا العمل، كان همهم عندهم القبول، كما قال علي رضي الله عنه: «لا تجعلوا همكم لقبول العمل أكثر من العمل، فإنما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾». وقد ذكر الحافظ ابن رجب وغيره عن العلاء ابن زياد أنه كان يقول: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسألون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا فرغوا من رمضان سألوا الله عز وجل ستة أشهر أن يتقبل منهم». فلهذا عباد الله، كان السلف يهتمون لقبول العمل أكثر من اهتمامهم بالعمل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. فإذا تقبل الله عز وجل من عملك، فاعلم أنك أخلصت فيه، وطلبت تقوى الله عز وجل به، وأنت من المتقين الذين وصفهم الله عز وجل. وكذلك عباد الله، من أسباب هذا القبول، أي قبول الأعمال، الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بالقبول. فهذا نبي الله إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل لما كانوا يبنون الكعبة، يبنون بيت الله جل وعلا، وهم يدعون الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقال أيضا في سورة إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾. وهذه امرأة عمران ذكر الله عز وجل عنها أنها قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلهذا عباد الله، ومن هذا كثير في كتاب الله وسنة رسوله، أن العبد يحرص على الدعاء أن يتقبل الله عز وجل منه هذا العمل، يتقبل منه الصيام، يتقبل منه القيام، يتقبل منه الأعمال الصالحة التي استودعها هذا الشهر العظيم. وكذلك عباد الله أيضا، كذلك من أسباب القبول التي يتقبل الله عز وجل بها العمل، أن لا يقتر العبد ولا يعجب بعمله، ويبتعد عن هذا العجب، فإنه يهدم الأعمال. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث ابن عباس البخاري ومسلم: «من سمع سمع الله به، ومن رأى راء الله به»، أي من سمع أعجب بما فعل فيتحدث به عند الناس، يتحدث به عند الناس أنه فعل وفعل. ولهذا عباد الله، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، قال مجاهد: هو العبد يعمل العمل ويمن على الله عز وجل، هو العبد يعمل العمل ويمن على الله عز وجل أن يقول: أنا فعلت وأنا فعلت، فعلت وصمت وقمت رمضان، ويرى في نفسه أنه عمل عملا كثيرا أو عمل عملا عظيما يحتاج إلى القبول أو يحتاج إلى الأجر. فنسأل الله عز وجل أن يتقبل منا أعمالنا، أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وجميع الأعمال الصالحة. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، قد سمعنا أن الأعمال لها أسباب جعلها الله عز وجل أسبابا للقبول، لقبول الله عز وجل من عمله هذا العبد هذا العمل. فإنك يا عبد الله، كما ذكر ربنا جل وعلا، قد يأتي العبد يوم القيامة وهو يحسب أن معه أعمال قبلها الله عز وجل، فيأتي ولم يتقبل الله عز وجل منه شيء، وبدى لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. فلهذا عباد الله أيضا، كذلك من رحمة الله بعباده أن جعل لهذه الأعمال دلائل تدل عليها، إذا عملت، وهذا مما يجده العبد في نفسه من صدق التوبة، ومن الإخلاص لله عز وجل، وكذلك الاستمرار على ما هو عليه من الخير. فإن العبد إذا كان يحدث نفسه أنه سيرجع إلى ما كان عليه، فهذه التوبة غير صحيحة، هذه التوبة التي تابها ورجع إلى الله عز وجل غير صحيحة، إن كان يحدث نفسه أنه سيرجع إلى ما كان عليه بعد رمضان. فإنه إن ترك شيئا من المحرمات أو أنه عمل عملا من الصالحات، ثم أنه يحدث نفسه أنه إذا انتهى رمضان عد إلى ما كان عليه من تلك المعصية أو ترك ذلك العمل الذي قد ثابر عليه وقد استقام عليه في رمضان، فإن هذا من أعظم الأمور التي يبين أنه لم يقبل منه العمل. وبخلافه أنه إن وجد من نفسه قبولا إلى هذه الأعمال، وكذلك ميلا إلى هذه الأعمال الصالحة التي قد عملها في رمضان، وتاب أيضا كذلك من بعض الذنوب التي كان يعملها قبل رمضان وهو مستمر عليها، فهذا دليل على أن الله عز وجل تقبل عمله. وكذلك عباد الله أيضا، أن العبد إذا وجد الخوف من عدم التقبل، فإنه كذلك من الدلائل العظيمة التي أيضا تدل على أن الله عز وجل تقبل هذا العمل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وجميع أعمالنا الصالحة، والحمد لله رب العالمين.