نعمة الوقت

الخطبة بعنوان نعمة الوقت، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 21 ربيع الآخر 1443هـ الموافق 26 نوفمبر 2021م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ضرورة استغلال الوقت في طاعة الله

يُنبه الخطيب إلى أهمية استغلال الوقت في طاعة الله وعدم تضييعه، مستشهدًا بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية. يجب على المسلم أن يستثمر حياته في مرضاة الله.

عواقب إضاعة الوقت وأهمية استثماره

يجب على المسلم استغلال وقته في طاعة الله لأن الوقت لا يعوض، وقد جاءت الأحاديث النبوية لتحث على ذلك وتذكر بعواقب إضاعة الوقت. ينبغي استثمار الوقت بذكر الله والصلاة وطلب العلم.

الابتعاد عن الملهيات واستغلال الوقت في الطاعات

يجب على المسلمين استغلال أوقاتهم فيما ينفعهم وعدم تضييعها في الملاهي والانشغال عن طاعة الله. ينصح بالابتعاد عن الملهيات مثل الكرة والإنترنت والجوالات التي تشغل عن الطاعات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. عباد الله، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، فإننا عباد الله، فإننا في نعمة عظيمة، نعمة أنعم الله عز وجل علينا بها حتى نستغلها، ألا وهي نعمة الوقت، فهذه نعمة عظيمة جعلها الله عز وجل لنا نستثمر هذه النعمة فيما يرضيه جل وعلا. أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، مغبون فيهما كثير من الناس أن يخسر فيها ويضيعها، يضيع هذه النعمة أو هاتين النعمتين يضيعهما فيما لا ينفعه لا في دنياه ولا في آخرته. فلهذا، عباد الله، فإن من أعظم ما يستثمره الإنسان وقته وفراغه وصحته، فهذه نعم عظيمة ينبغي للمسلم أن يحرص عليها. جاء في حديث ابن عباس عند ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني رحمه الله عليه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك، ووقتك قبل شغلك». فلهذا، عباد الله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن هذا الوقت يسأل عنه الإنسان ويتندم على فواته، فإنه يسأل عنه يوم القيامة، فيما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي برزة نضلة بن عبيد رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». يسأل عن هذه الأربعة: عن عمره هذا العمر، وهذه الحياة التي جعلها في ضياع أو جعلها في الله عز وجل. فإن الله عز وجل يقول: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾، أي محياي هذه الحياة تجعلها لله جل وعلا. وما دام أن حياتك لله سبحانه وتعالى، فستثمر هذه الحياة في طاعة الله ومرضاته وما يقربك إلى ربك سبحانه وتعالى. يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾، أي إذا أشغلك مالك وأشغلك أولادك وضيعوا وقتك ولم تستفيد به، فإنك تكون من أهل الخسران، تكون من أهل الخسران الذين يتندمون على أنهم أضاعوا هذه الأوقات وأضاعوا حياتهم. فقال جل وعلا: ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾، ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربي لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾. فلهذا، عباد الله، فإن الموت إذا جاء فقد انتهى وقتك، أيها العبد، إذا جاءك الموت انتهى وقتك الذي قد تكون قد ضيعته. يقول الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم، إنما هي ثلاثة أيام: يوم قد مضى، ويوم أنت فيه، ويوم سيأتي غدًا. أما اليوم الذي قد مضى فقد مضى بما فيه، وأما اليوم الذي سيأتي وهو غدًا لعلك لا تدركه، وأما اليوم الذي فيه فاغتنمه فإنه يومك، أي حياتك ووقتك. فإن لم تغتنمه وسوفت: سأفعل ذلك غدًا، وسأفعل ذلك إذا جاء كذا، فإنه يضيع عليك هذا اليوم ويضيع وقتك، عبد الله. فلهذا، فإن هذه الحياة لله جل وعلا، الواجب على العبد أن يستثمرها وأن يستغلها، يستغل وقته في طاعة الله جل وعلا وفيما يرضيه سبحانه وتعالى. فإن هذه الحياة ساعة، إذا ذهبت ذهبت أنت معها. فلهذا، عباد الله، فإن الساعات لا تعود والأيام لا تعود وتذهب عليك. فإن لم تستثمر هذه الأيام فإنك ستندم عليها، وإن استثمرتها فإنك ستشكر ذلك في يوم عظيم، يوم تحتاج إلى حسنات في ذلك اليوم العظيم، عباد الله. فلهذا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام بين أنك ستسأل عن هذا الوقت، فإن كنت من أهل الخير فإنك تستثمر هذا الوقت بطاعة الله عز وجل، وإن كنت من أهل الخسارة والشر فإنه يضيع عليك هذا الوقت دون أن تستفيد منه. أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله»، قال: وأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله». انظر إلى هذا الحديث العظيم، فإن الخيرية في الناس إنما بحسن العمل. فمن استغل أوقاته في طاعة الله جل وعلا وحسن عمله وأطاع ربه جل وعلا، فإنه هو الذي يكون خيرًا، وكلما كبر وتقدم في السن، كلما استغل وقته بذلك، فاستغل عمره وأفناه في طاعة الله جل وعلا، وأيضًا أبلى شبابه في طاعة الله حتى يستظل تحت عرش الله جل وعلا، وشاب نشأ في طاعة الله سبحانه وتعالى. فلهذا، عباد الله، فإن هذا الوقت أنفاس لا تعود، فمن لم يستثمر هذا الوقت ولم يهتم به ويستفيد منه، فإنه يضيع عليه وتكون عليه حسرات يوم القيامة. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن المجلس الواحد إذا لم يذكر الله عز وجل فيه، تكون يوم القيامة عليه حسرة وترة، كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من قوم يجلسون مجلسًا لا يذكرون الله عز وجل فيه ولا يصلون على نبيه عليه الصلاة والسلام إلا كان عليهم ترة يوم القيامة»، أي حسرة أنهم انقطعوا عن الثواب وعن الخير فيتندمون أنهم لم يذكروا الله عز وجل في ذلك المجلس. فلهذا، عباد الله، فالواجب علينا أن نستغل أوقاتنا، وخاصة الشباب، تجد في هذه الأيام أيام الإجازة وكأنهم يرون أن أيام الإجازة تضييع للأوقات وقتل للأوقات. والواجب ينبغي أنهم يعلمون أن هذه الإجازات إنما ينتقل الإنسان من خير إلى خير، ينتقل من أمر قد كان فيه من التعليم، وكذلك من الانكباب على طلب العلم إلى وقت يتروح به عن نفسه فيما أباحه الله عز وجل عليه. لكن لا ينبغي أن يتساهل في الطاعات فيقتل وقته بهذا الذي أباحه الله عز وجل له، ولا يستغل وقته فيما يرضي الله، فإن هذه الطريقة تكون خسارة على العبد، وكذلك تكون حسرة على العبد، وكذلك أيضًا يورث البعد عن طلب العلم، وكذلك البعد عن الخير. فلهذا، ينبغي علينا أن نهتم بذلك. فنسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا وأن يرحمنا. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائد الغر الميامين عليه الصلاة والسلام. أما بعد، وقد سمعنا ما يدلنا على أهمية هذا الوقت، وأن الواجب علينا أن نستغل هذا العمر، فالله عز وجل يقول: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾. فربنا جل وعلا يبين لنا أننا نتذكر هذا العمر الذي أعطانا الله عز وجل إياه، نتذكر هذه الحياة التي أعطانا الله عز وجل إياها، فإنه سبحانه وتعالى لم يخلقنا عبثًا ولم يتركنا هملًا، وإنما أنزل علينا الكتاب وأرسل إلينا الرسل، وقال جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فيا أيها العبد، إنك عبدًا لله جل وعلا، طائعًا لله سبحانه وتعالى، تسير في مرضاته، فاجعل حياتك في مرضات الله جل وعلا وفيما يوصلك إلى رضاه جل وعلا، واستثمر هذه الأوقات التي هي بين يديك، أعطاك الله عز وجل إياها نعمة منه سبحانه وتعالى، فاشكرها أنك تستثمرها بطاعة الله، بالصلاة، بطلب العلم، بذكر الله جل وعلا. هذا الذكر العظيم الذي هو أسهل الطاعات وأعظمها، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي: «ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم»، قالوا: بلى، قال: «ذكر الله». هذا الذي يستطيعه الإنسان في عمله، وكذلك في أي مكان، في مكتبه، في جلوسه، في بيته، في أعماله، في غيرها من الأمور، يذكر الله عز وجل. نبينا عليه الصلاة والسلام يبين كيف يستثمر العبد وقته في ذكر الله جل وعلا. أخرج الإمام مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أفضل الكلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، بأيهن ابتدأت فلك ذلك. وهذا الحديث يبين لك أنك لا تغفل عن ذكر الله جل وعلا، أنك لا ينبغي لك أن تتغافل عن ذكر الله. فإنك لو لم تكن إلا أن تذكر هذه الكلمات العظيمة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كلمات من أفضل الكلمات كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من أعظم ما يستثمر به الوقت في طاعة الله عز وجل وفي مرضاته. فكيف أيضًا أنك تستثمر فوق ذكر الله جل وعلا بالصلاة، بطاعة الله، من طلب العلم، وكذلك مدارسته، فإنك في بعض الأعمال تكون في طاعة الله منذ أن تبدأ فيه، مثل طلب العلم، مثل الجهاد في سبيل الله، مثل غيرها من هذه الأعمال العظيمة، تكون فيها منذ أن تبدأ وأنت في أجر وأنت في طاعة الله إلى أن تنتهي، هذه نعمة عظيمة، عباد الله. فلهذا، فالواجب علينا أن لا نضيع أوقاتنا فيما لا ينفعنا، فإن في هذه الأوقات زادت الملاهي وزاد ما يشغل الإنسان عن طاعة الله جل وعلا، من هذه الكرة، ومن هذا الإنترنت، ومن هذه الجوالات التي تكون مع صاحبها ليال وأيام، وهو ينظر إلى هذه الشاشة وينظر ماذا قال فلان وماذا قال علان، ويضيع عليه الوقت في تلك الأمور. فلهذا، عباد الله، فالواجب أن نحرص على أوقاتنا قبل أن تنتهي هذه الأوقات ونتندم، وحين لا ينفع الندم. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا في طاعته سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.