الدرس في شرح فتح المجيد 41، ألقاها
تناول شرح مراتب الدعوة إلى الله بناءً على حال المدعو ودرجات البصيرة الثلاث. الدعوة تكون بالحكمة للمستعد، وبالموعظة الحسنة لمن يحتاج الترغيب والترهيب، وبالجدال بالتي هي أحسن للمعاند.
الفرق بين حب الإمامة في الدين، وهو حب لدين الله بهدف الدعوة وإرشاد الناس، وبين حب الرئاسة الذي هو حب للسلطة والجاه والمال ويترتب عليه مفاسد. الداعي يحب أن يطاع الله بينما طالب الرئاسة يحب أن يعظم هو.
يتناول شروط الدعوة إلى الله من خلال قصة إرسال النبي لمعاذ بن جبل، حيث يشترط العلم بما يدعو إليه ومعرفة بمن يدعوهم، وأهمية التهيئة قبل الدعوة. الداعي يجب أن يكون عالما ويبدأ بالتوحيد ثم الفرائض على التدرج.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، طيب قبل أن ندخل في الدرس الجديد، نذكر بعض التنبيهات. الأول في باب الخوف من الشرك، وهذا التنبيه هو تعريف؛ لعله يكون أصح للاقتضاء. الاقتضاء هو دلالة اللفظ على معنى خارج يتوقف عليه صدقه أو صحته، أقلا أو شرعا أو لغة. طيب، واضح هذا، جماعة. طيب، ها. تنبيه الأول، والتنبيه الثاني في قول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كلامه على البصيرة. قال: وهي البصيرة التي يكون نسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر. طيب، عرف العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى البصيرة، فقال: نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل، وتضرره بمخالفتهم. ذكر هذا في «مدارج السالكين» في المجلد الأول، صفحة 24 و100. ثم قال: والبصيرة ثلاث درجات. والبصيرة ثلاث درجات. من استكملها فقد استكمل البصيرة. بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد. طيب، جماعة، لا. هذا أو هذه درجات البصيرة. بصيرة في الأسماء والصفات؛ أنه يتحقق في قلبه العلم في ثبوت هذه الصفات والأسماء لله جل وعلا على حقيقتها، كأنه شاهد الرب سبحانه وتعالى. ما دام أن الأخبار قد ثبتت عن الله جل وعلا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو يعلم بهذا العلم كأنه شاهده، كأنه يشاهده رأي عين. وكذلك في باب الأمر والنهي، كذلك في باب الأمر والنهي؛ فهو ممتثل للأمر، وناظر في الأمر كأنه يشاهد الآمر، وكذلك الناهي. وكذلك في الوعد والوعيد، كذلك في الوعد والوعيد؛ فيما وعد الله عز وجل به أولياءه من الجنان، وما شابه ذلك من نعيمها، وما أعدهم - أو ما توعد به ربنا جل وعلا أعداءهم من الجحيم والنيران والعياذ بالله، فهو على بصيرة في هذه الأمور، كأنه يراها رأي عين. فهذه من البصيرة في هذه الأمور؛ في الأسماء والصفات، وفي الأمر والنهي، وفي الوعد والوعيد. طيب، فضل قال الشارح رحمه الله تعالى: وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]، ذكر سبحانه مراتب الدعوة، وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو. فإنه إما أن يكون طالبا للحق، محبا له، مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال. وإما أن يكون مشتغلا بضد الحق، لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب. وإما أن يكون معاندا معارضا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن. فإن رجع، وإن لم تقل معه إلى الجدال. هذا كذلك من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، ما يبين فيه مراتب الدعوة إلى الله عز وجل، مرتبة على حال المدعو. بمعنى أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي له قبل أن يدعو شخصا أو طائفة أو جماعة من الناس أن ينظر في حالهم، حتى ينزل ما يستحقونه منزلته. وهذا من الحكمة؛ إذ أن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها المناسبة. وفي الآية المذكورة في قول الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالْتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، فيها بيان لهذا الأمر. وفيه أيضا بيان أن هذا الدين كامل؛ فلم يترك شيئا إلا وبيّنه. فربنا جل وعلا أرشد إلى هذه المعاني التي بيّنها وأوضحها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بذكره لهذه المراتب، تبيينا لمراد الله جل وعلا من هذه الآية. فقد ذكر العلامة ابن القيم - كما قرئ علينا الآن - أنه قال في ذلك: إن الناس على مراتب ثلاث. من الناس من يحب الحق، وهو باحث له، ومؤثر لهذا الحق. فمثل هذا إذا جاءه الداعي إلى الله، ما عليه إلا أن يدعوه إلى الله عز وجل بالحكمة؛ بأن يبين له دين الله وشرع الله، وكذلك يبين لهم عظيم هذا الدين وشموليته وكماله، إلى غير ذلك من المعاني. فإن مثل هذا المدعو سرعان ما يقبل ذلك الحق. هذا صنف من الناس. صنف آخر يكون منشغلا بغير الحق، إما ببعض البدع أو ببعض الشركيات أو ببعض الأمور الأخرى، ولكنه في نفسه باحث عن الحق، يريد الحق، ينظر في الحق، يريد أن يتوصل إلى الحق. فمثل هذا - كما ذكر رحمه الله تعالى - يدعى بالموعظة الحسنة؛ يذكرهم بما أعده الله عز وجل لأوليائه ولأهل طاعته من النعيم المقيم، ومن الجنات، ومن الخير المقيم الأبدي السرمدي. وكذلك ما أعده الله عز وجل لأعدائه من العذاب والنكال والويلات وغير ذلك، فيعظهم، فتكون هذه الموعظة سببا لرجوعه إلى الله. هذا الصنف الثاني؛ الدعوة إليه تكون بالموعظة الحسنة. صنف ثالث - كما ذكر علامة ابن القيم رحمه الله تعالى - منشغل بغير الحق، وكذلك معاند للحق. فمثل هذا لا يحتاج أن يبين له بهدوء؛ لأنه معاند، ولا يحتاج كذلك أن يوعظ؛ لأنه كذلك معاند للحق. فماذا يصنع مع هذا الصنف من الناس؟ قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ بمعنى أن تقرأ حجته بالحجة والبرهان، أن تقرأ حجته بحجة ظاهرة وبرهان. وقوله: «بالتي هي أحسن» فيه إشارة إلى أن المجادلة تكون بالحق. المجادلة لا تكون إلا بالحق. فإن أتى بباطل، قابله المجادل بالحق «بالتي هي أحسن». فإن كان مؤثرا له قبله، وإن كان على ما هو عليه من العناد والإعراض، فإن أمكن الانتقال معه من الجدال إلى الجلاد، فكذلك. وإلا ترك. وقد قام الداعي بما أمره الله عز وجل به من الدعوة إلى الله. وقد تقدم معنا - وقد تقدم معنا في دروس مضت - أن مسألة المناظرات والمجادلات مع أهل الباطل لا تكون لكل أحد، بل لا تكون إلا لأهل العلم الراسخين فيه، الذين آتاهم الله عز وجل رسوخا في العلم، وكذلك عندهم من اليقين ما يدفعون به الشبه، وكذلك ما يدفعون به ما قد يذكره أهل الأهواء من الشبهات والمخالفات، فيردون الباطل بالحق. فيردون الباطل بالحق، والحق منصور، والحق منصور، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18]، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]. طيب، قوله رحمه الله تعالى: والفرق بين حب الإمامة والدعوة إلى الله، وحب الرياسة. والفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له، وتعظيم النفس وحبها. فإن الناصح لله المحب له يحب أن يطاع، يحب أن يطاع ربه، فلا يعصى. وأن تكون كلمته هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره، مجتنبين نواهيه. فقد نصح الله في عبوديته، ونصح خلقه في الدعوة إلى الله. فهو يحب الإمامة في الدين؛ بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إماما، يقتدى به المقتدون، كما اقتدى هو بالمتقين. فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعين الناس جليلا، وفي قلوبهم مهيبا، وإليهم حبيبا، وأن يكون فيهم مطاعا لكي يأتموا به، ويقتفوا أثر الرسول صلى الله عليه وسلم على يديه، لم يضره ذلك، بل يحمد عليه؛ لأنه داعي إلى الله، يحب أن يطاع ويعبد ويوحد، فهو يحب ما يكون عونا على ذلك، موصلا إليه. طيب، قوله رحمه الله تعالى في التفريق بين حب الإمامة في الدين وحب الرئاسة؛ وبينهما من الفرق كما يقال: كالفرق بين السماوات والأرض. وذلك لأن حب الإمامة في الدين هو حب لدين الله عز وجل؛ لأجل أن يكون داعيا إلى الله، مرشدا إلى الله، محببا إلى الله، مقربا إلى الله. أما الرئاسة؛ الدعوة إلى الرئاسة؛ فإنه يحب أن يكون الأمر إليه، والنظر إليه، وكذلك يحب من الدنيا ما يحب. ففرق بينهما كما هو الفرق بين السماء والأرض. هذا يريد أن يكون حبيبا لله، ومحببا إلى الله؛ يحب أن يكون داعيا إلى الله، يدعو الناس إلى عبادة الله عز وجل وحده، وإلى تعظيم الله عز وجل وحده، وإلى طاعة الله عز وجل وحده، وإلى إجلال الله عز وجل وحده. والآخر يريد أن يعظم هو في الدنيا، ويريد أن تكون له الرئاسة، وأن يكون له الجاه، وأن يكون له المال، وأن تكون له المناصب؛ لأجل نفسه، ليس لأجل شيء. بخلاف الداعي إلى الله؛ فإنه يدعو إلى الله. لذا كما ترون هذا في كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، أنه قال: «يحب أن يطاع»؛ قال: لأنه داعي إلى الله، يحب أن يطاع؛ أي يحب أن يطاع الله، يحب أن يعبد الله، ويوحد الله. واضح هذا، جماعة. فمقصوده ومراده الأعلى والأسنى هو الدعوة إلى الله. فالداعي أن يكون إماما للمتقين يريد أن يكون إماما في الدعوة إلى الله، في الدعوة إلى ماذا؟ إلى الله. وأما الآخر؛ فإنه داع لشخصه ولنفسه. وبينهما فرق كبير، وبون شاسع. فضل قال رحمه الله: ولهذا ذكر الله سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه، واثنى عليهم في تنزيله، وأحسن جزاءهم يوم لقائه. فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. فسألوه أن يقرأ أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه، وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته؛ فإن الإمام والمؤتم متعاونان على طاعته. وإنما سألوه ما يعاونون به المتقين على مرضاته وطاعته. وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين، التي أساسها الصبر واليقين. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. فسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ويوفقهم، ويمن عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة، ظاهرا وباطنا، التي لا تتم الإمامة إلا بها. وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسم الرحمن جل جلاله؛ ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضله ورحمته، ومحض جوده ومنته. وتأمل كيف جعل جزاءهم في الغرفة - وهي المنازل العالية في الجنة - عندك في السورة. وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه الصورة ما في حال. فسهل الأمر، محتمل في هذه الصورة؛ أي الصورة المذكورة من وصفهم. ويجوز أن يقال: السورة بالسين؛ أي أن الله عز وجل ذكرهم في هذه الصورة، أي في صورة الفرقان. طيب، فضل قال: وهذا لما كانت الإمامة في الدين من المراتب العالية، بل من أعلى مراتب يعطاها العبد في الدنيا، كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة. طيب، وهذا كذلك زيادة توضيح وتبيين من العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى لحال الطالبين الداعين من الله عز وجل أن يجعلهم للمتقين إماما. هؤلاء أسنى الله جل وعلا عليهم، وجعلهم من عباده، بل من خواص عباده وعباد الرحمن، الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. أولئك يجزون الغرفة بما صبروا. فربنا جل وعلا أثنى عليهم بماذا؟ بهذا المعنى؛ أثنى عليهم بهذا المعنى: أن من صفاتهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. لماذا يريدون أن يكون للمتقين إماما؟ لأجل أن يدعوا المتقين إلى الله؛ لأجل أن يدعوا المتقين إلى الله، هم متقون، وكذلك يريدون أن يكونوا في المتقين كذلك أئمة. لماذا؟ ليكونوا مقدمين على المتقين في الدعوة إلى الله جل وعلا. فهذا مطلب شرعي حميد. كأن قائلا يقول: يا رب اجعلني من العلماء الذين يهتدى بهم، ويقتدى بهم. يا رب اجعلني من عبادك الداعين إليك على بصيرة، المقتدى بهم. هذا مطلب شرعي محمود. وكما ذكر من ذكر من أهل العلم: أن الله عز وجل إذا أثنى على وصف ما، فهذا الوصف الذي أثنى الله عز وجل عليه هو محبوب إلى الله. فإذا كان محبوبا إلى الله عز وجل، طلبه الإنسان من ربه عز وجل؛ فالله جل وعلا أثنى على هؤلاء، فثناء الله عز وجل على هؤلاء إرشاد إلى ماذا؟ إلى محبة ذلك من هؤلاء. فإذا كان محبوبا إلى الله عز وجل، صح أو استحب للإنسان أن يطلبه من الله جل وعلا. صح للإنسان أن يطلبه من الله جل وعلا. فللإنسان إذا صحت نيته أن يطلب هذا المطلب العالي الأسنى الذي لا يقوم به إلا من خواص عباد الله الصالحين، لا يقوم به إلا خواص عباد الله الصالحين الذين جعلهم الله عز وجل حقا وحقيقة إئمة يهتدى بهم في كل زمان وفي كل مكان، وذلك من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء. والله واسع عليم. قال رحمه الله: وهذا بخلاف طلب الرياسة؛ فإن طالبيها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض، وتعبد القلوب لهم، وميلها إليهم، ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم، مع كونهم عالين عليهم، قاهرين لهم. فترتب على هذا الطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله؛ من البغي والحسد والطغيان والظلم والحمية للنفس دون حق الله، وتعظيم من حقر الله، واحتقار من أكرمه الله؛ لأن الميزان ما هو على هذه الحال؟ الميزان هي الدنيا. بخلاف الصنف الأول؛ الميزان عندهم ما هو؟ الميزان عندهم هو الدين والتقوى والطاعة. وفرق بين هذا وهذا. ولا تتم الرياسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تنال إلا بأضعافه من المفاسد. والرؤساء في غفلة عن هذا. فإذا كشف الغطاء، تبين لهم فساد ما كانوا عليه. ولا سيما إذا حشروا في صف الدر، يطأهم أهل الموقف بأرجلهم، إهانة لهم وتحقيرا وتصغيرا؛ كما صغروا أمر الله، وحقروا عباده. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. والجزاء من جنس العمل. في الدنيا تكبروا وتعظموا على عباد الله عز وجل، واحتقروهم؛ فكان جزاؤهم يوم القيامة من جنس عملهم: أن حقرهم الله عز وجل، وصغرهم، وأذلهم، وجعل الناس يدوسونهم بأقدامهم، جزاء وفاقا. ولا يظلم ربك أحدا. بل يأتي يوم القيامة ما يحصل بين هؤلاء الأتباع وبين متبوعيهم ما يحصل من الشرور والدعاوي بالويلات، مما الله عز وجل به عظيم. كما قال الله عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166]، وقال الذين اتبعوا: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: 167]، كذلك يريهم الله حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار. وكذلك ذكر الله عز وجل عن أصناف هؤلاء: أنهم في الدنيا يحصل لهم ما يحصل، ثم يوم القيامة تحصل لهم من المواقف، وتحصل لهم من البراءة، من التبرأ ما يحصل؛ فيكون بعضهم بريئا من بعض، وبعضهم يدعو على بعض بأن يضاعف له العذاب ضعفين، وما شابه ذلك. وهذا كذلك من خزي الدنيا، وهذا كذلك من خزي الأخرى. عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن، قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وفي رواية: «إلى أن يوحد الله». فإن أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم. فإن أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتقي دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». أخرجاه. قال الحافظ: كان بعث معاذا إلى اليمن سنة عشر، قبل حج النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكره المصنف - يعني البخاري - في أواخر المغازي. وقيل: كان ذلك في آخر سنة تسع، عند منصرصه صلى الله عليه وسلم من تبوك. ورواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» عنه. واتفقوا على أنه طيب. والصواب ما في الصحيح؛ لأن التالي من طريق الواقدي، والواقدي قد كذب. وكما يقول العلماء: وإن كان إماما في المغازي، إلا أنه قد كذب. وبعض أهل العلم من يتركه، يحكم عليه بأنه مترك الحديث. فلا يعارض ما في الصحيح. فالصحيح ما في الصحيح: من أن معاذ رضي الله عنه وأرضاه كانت بعثته في أوائل السنة العاشرة، في أوائلها. طيب، فضل قال رحمه الله: واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ثم توجه إلى الشام، فمات بها، كما هو معروف: أنه مات في طاعون عمواس رضي الله عنه وأرضاه، كما ذكر من ذكر من أئمة. وهذا لا خلاف فيه: أنه مات في طاعون الشام المشهور، رضي الله عنه وأرضاه. قال شيخ الإسلام: ومن فضائل معاذ رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن مبلغا عنه، ومفقه، ومعلما، وحاكما. طيب، تقدم معنا: أنه - أي من فضائل معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه - يسبق العلماء برمية حجر. وقد ثبت هذا عنه، ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى؛ أي أن معاذا رضي الله عنه وأرضاه يسبق العلماء برمية حجر. وهذا يدل على أنه كان من كبار علماء الصحابة. بل قد ذكر جماعة من أئمة رحمهم الله تعالى: أن علم الصحابة انتهى إلى ستة من الصحابة: إلى عمر وعلي وابن مسعود من المهاجرين، وإلى معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت من الأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم. وكون النبي صلى الله عليه وسلم يبعثه إلى اليمن مع الوصايا المشهورة في أن فيها قوما أهل الكتاب، يدل على ما كان عليه معاذ بن جبل من العلم الغزير، وكذلك ما كان عليه من البيان والحجة، وما كان عليه كذلك من الثبات على دين الله عز وجل. إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله مفقه إلى قوم يعلم أن فيهم من فيهم من أهل علم، فيهم من فيهم من أهل الكتاب. ومع هذا بعثه إليهم معلما، وكذلك مبينا لهم دين الله جل وعلا. وهذا يدل على مكانة معاذ العلمية عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب معاذا ويجل معاذا، كما ثبت في سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أردف معاذ بن جبل خلفه، فقال له: «يا معاذ، إني لأحبك يا معاذ، يا معاذ، إني لأحبك يا معاذ. فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فهذا يدل على محبة النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ. وقد كان شابا رضي الله عنه وأرضاه، إلا أن الله فتح عليه من العلم ما فتح. ومات وهو شاب، رضي الله عنه وأرضاه. فضل قال رحمه الله: قوله: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب». قال القرطبي: يعني به اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، أو أغلب. وإنما نبهه على ذلك ليتهيأ لمناظرتهم. وقال الحافظ: هو كالتوطئة للوصية؛ لجمع همته عليها. طيب، ليجمع همته عليها. وفي هذا إشارة إلى ماذا؟ في هذا إشارة إلى شروط الدعوة إلى الله، أو إلى بعض شروط الدعوة إلى الله. والداعي إلى الله من هذه الشروط: أن يكون الداعي إلى الله عز وجل عالما بما يدعو، يدل على هذا ما تقدم من أن معاذ رضي الله عنه وأرضاه كان من كبار علماء الصحابة. كان من كبار علماء الصحابة. هذا شرط. وقد تقدم كذلك في الآية السابقة بيان ذلك في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. الشرط الثاني: أن يكون الداعي إلى الله عز وجل على معرفة بمن يدعوهم إلى الله؛ على معرفة بمن يدعوهم إلى الله عز وجل، ليقوم بدعوة أولئك القوم إلى الله عز وجل على علم وبصيرة وحكمة. كما يدل عليه هذا الحديث: «إنك تأتي قوما أهل كتاب». فهذه تهيئة للداعي إلى الله عز وجل: أنه إذا أراد أن يذهب إلى بلد ما أو إلى مكان ما، عليه أن يسأل ويتفقد عن حال أولئك الناس، إلى ما يدعو، وما هو دينهم، وما هو منهجهم، وما هو حالهم، وما شابه ذلك؛ حتى يكون على علم. فإذا ذهب إليهم، علمهم بما كانوا يجهلون، وبيّن لهم ما كانوا يظنونه حقا. وكذلك تقدم الإشارة إلى هذا المعنى في الآية المذكورة، عليه ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وهي قول الله جل وعلا في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالْتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. واضح هذا، جماعة. الشرط الثالث: أن يكون الداعي عالما بما يدعو إليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن لمعاذ إلى ما يدعو، إلى ما يدعو، فقال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». الحديث. ففيه إشارة إلى ماذا؟ إلى أن الداعي إلى الله لابد أن يكون عالما بما يدعو الناس إليه. وفيه كذلك التدرج في الدعوة إلى الله؛ فيبدأ الداعي إلى الله عز وجل بالأهم فالأهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا أن يبدأهم بالتوحيد؛ بأن يقول: «لا إله إلا الله»؛ حتى ينتقل من ملة إلى ملة الإسلام. فإن فعلوا ذلك، انتقل معهم إلى تعريفهم بالفرائض التي افترضها الله جل وعلا عليهم، وابتدأها بالأعلى فالأعلى؛ ابتدأها بالصلاة. فإن أطاعوا لك لذلك، فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنياء، فترد في فقرائهم. وهذا فيه - كما سمعتم - التدرج في الدعوة إلى الله؛ لا يذهب إنسان إلى ناس لا يؤمنوا بالله واليوم الآخر، فيبدأ معهم بماذا؟ يقول لهم: افعلوا، صلوا، ولا عليكم بالزكاة، تسكوا صدقة على الفقراء، وما شابه ذلك. والجماعة لم يؤمنوا بالله بعد. بل ينبغي له أن يبدأ بماذا؟ أن يدعوهم أول ما يدعوهم إلى ماذا؟ إلى توحيد الله عز وجل؛ فإنه أول واجب يجب الدعوة إليه. قوله: «في رواية: إلى أن يوحد الله». هذه الرواية ثابتة في «كتاب التوحيد» من صحيح البخاري. وأشار المصنف بذكر هذه الرواية إلى التنبيه على معنى شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن معناها توحيد الله بالعبادة، ونفي عبادة ما سواه. وفي رواية: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله». وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: 256]. والعروة الوثقى هي: لا إله إلا الله.