الدرس في شرح فتح المجيد 73، ألقاها
يتناول المقطع تعريف الاستغاثة لغة وشرعًا وحكمها، ويفرق بينها وبين الدعاء. كما يشرح سبب ورودها في كتاب التوحيد.
يشرح هذا الفصل علاقة الاستغاثة بغير الله بالشرك، ويبين أنها من الشرك في العبادة لأنها تشارك الله في العبادة.
الاستغاثة بغير الله من الشرك الأكبر لأنها تتضمن تعلق القلب لغير الله، والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، ولا يجوز صرف أي منهما لغير الله.
دعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة لأن التضرع في الدعاء يعتبر عبادة لله، وهذا يظهر في الصلاة وعند رفع اليدين في الدعاء.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقبل الشروع في الباب الجديد نقرأ أسئلة الباب الذي مضى، وهو باب من الشرك: الاستعاذة بغير الله. السؤال الأول: لماذا ذكر الشيخ رحمه الله هذا الباب في كتاب التوحيد؟ السؤال الثاني: ما مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله؟ السؤال الثالث: ما مناسبة الأدلة المذكورة في الباب بالباب الذي قبله؟ السؤال الرابع: ما معنى الاستعاذة لغة وشرعًا؟ السؤال الخامس: لماذا كانت الاستعاذة عبادة؟ السؤال السادس: ما حكم الاستعاذة بغير الله؟ السؤال السابع: لماذا أطلق الشيخ رحمه الله تعالى الحكم في أن الاستعاذة بغير الله شرك؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام: الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون. وقال غيره: الفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره. أولًا: علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد، أن الاستغاثة بغير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله، وكذلك الدعاء من الشرك بالله جل وعلا، فإذا يكن من الشرك فإنه من نواقض التوحيد. والشيخ رحمه الله تعالى في هذا الكتاب ذكر التوحيد وقرره، وذكر مكملاته، وذكر ما يناقض هذا التوحيد من الشرك، أو ما يناقض مكملاته من وسائل الشرك. علاقة هذا الباب بالباب الذي قبله: يظهر من الاشتراك بين الاستعاذة والاستغاثة في أن كل منهما طلب؛ هذا طلب العود، وهذا طلب الغوث. والاستعاذة كما مر معنا تكون بمعنى التحرز من حصول مرهوب، والاستغاثة تشارك الاستعاذة بهذا المعنى؛ أنها كذلك طلب لأجل إزالة مكروب. قوله رحمه الله تعالى: "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره". قوله "من الشرك"؛ منها هنا تبعيضية، أي من جملة الشرك. والشرك كما تقدم معنا أن المراد به ها هنا الشرك في العبادة، وهو مشاركة غير الله جل وعلا لله جل وعلا في العبادة. قوله "أن يستغيث بغير الله"؛ أنها هنا مصدرية، وهي تسبك بما بعدها بمصدر، فيكون التقدير: من الشرك استغاثة بغير الله. وقوله رحمه الله "أن يستغيث بغير الله" يدل على هذا المعنى. وأطلق الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا الحكم كذلك في الاستغاثة بغير الله جل وعلا؛ لأن الاستغاثة المقصودة هاهنا هي استغاثة العبادة، التي بمعنى العبادة. والاستغاثة على هذا المعنى لا تكون إلا لله جل وعلا، وصرفها إلى غير الله جل وعلا من الشرك الأكبر. فقوله رحمه الله تعالى "من الشرك أن يستغيث بغير الله" المراد به الاستغاثة على المعنى المذكور؛ التي فيها تعلق القلب وتأله القلب وإجلال القلب واعتصام القلب وتوكل القلب وتفويض القلب لهذا المستغيث به. قال رحمه الله تعالى: "أو يدعو غيره". اعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. ويراد به في القرآن هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما. فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر. ولهذا أنكر الله على من يدعو أحدًا من دونه ممن لا يملك ضره ولا نفعًا. قال شيخ الإسلام: فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة. تأمل قول شيخ الإسلام رحمه الله: فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة؛ لأن الإنسان إذا دعا ربه جل وعلا تضرعًا إلى ربه جل وعلا، هذا دعاء عبادة، يدعو الله جل وعلا لأجل أن ينال من رحمة الله جل وعلا، ومن مغفرة الله جل وعلا، ومن محبة الله جل وعلا، ومن رضوان الله جل وعلا. وقوله: وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة؛ لأن الإنسان إذا رفع يديه أو كان في صلاته ساجدًا متضرعًا لربه جل وعلا، يقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني؛ هنا دعاء مسألة، لأنه يسأل ربه، يطلب من الله أن يغفر له، ويرحمه. وهذا الدعاء متضمن لدعاء العبادة؛ لأنه متضرع إلى ربه جل وعلا، ولأنه عابد لله جل وعلا بهذا الدعاء. نكتفي بهذا إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.