تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آيات العذاب والنعيم

يتناول تفسير الآيات التي تتحدث عن عذاب الكافرين ونعيم المتقين، حيث يُعاقب الكافرون ويُجازي الله المتقين بالجنة. يُظهر القرآن الكريم كيف يرغب ويرهب في سياق متصل.

وصف نعيم أهل الجنة ومكافأتهم

يصف نعيم أهل الجنة وكيف يكافئهم الله بفضل منه، ويشرح معاني الآيات التي تصف نعيمهم مثل كونهم فاكهين ومتلذذين. يُوضح الفرق بين الإتيان والإعطاء في سياق الآيات.

شرح معنى الحور العين والتحذير من العنصرية

يشرح معنى الحور العين ويبين جمالهن، ثم ينتقل إلى خطورة العنصرية ويؤكد على أهمية التربية على العدل والإحسان وعدم التفرقة بين الناس.

ختام الدرس والدعاء للنبي

يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام، ويُظهر احترام وتقدير المتحدث للرسول الكريم ويختتم بالتسليم.

التفريغ النصي الكامل

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ قَالَ الْفَقِيه رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَسِحْرٌ هَذَا الْعَذَابُ الَّذِي تَرَوْنَ كَمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْوَحْيِ هَذَا سِحْرٌ أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ، اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا عَلَيْهَا أَوْ لَا تَصْبِرُوا صَبْرُكُمْ وَجَزَعُكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ صَبْرَكُمْ لَا يَنْفَعُكُمْ، إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَيْ جَزَاءً، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ أَيْ مُتَلَذِّذِينَ، بِمَا مَصْدَرِيَّةٌ آتَاهُمْ أَيْ بِإِتْيَانِهِمْ بِمَا أُوتُوا، وَقَوْلُهُ: «آتَاهُمْ رَبُّهُمْ» أَيْ أَعْطَاهُمْ، وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ عَطْفًا عَلَى «آتَاهُمْ» أَيْ بِإِتْيَانِهِمْ وَوِقَايَتِهِمْ، وَيُقَالُ لَهُمْ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا» أَيْ مُهَنَّئِينَ بِمَا الْبَاءُ سَبَبِيَةٌ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، مُتَّكِئِينَ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي قَوْلِهِ: «فِي جَنَّاتٍ» عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ، وَزَوَّجْنَاهُمْ عَطْفٌ عَلَى «جَنَّاتٍ» أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ، قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ» حُسَانِهَا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، مَا زِلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَاتِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ سُورَةِ الطُّورِ، وَمَرَّ مَعَنَا فِي الْآيَاتِ السَّابِقَاتِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْوَعِيدِ الشَدِيدِ وَالْعَذَابِ الْأَكِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الْكَافِرِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ حِينَ يَرَوْنَهُ عِيَانًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُدَعَّوْنَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًا﴾، هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ. فَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَهُمْ، وَهَذَا تَتِمَّةٌ لِمَا سَبَقَ: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهَا، وَتَدْعُونَ أَيْ تَقْذِفُونَ كَمَا مَرَّ مَعَنَا بِعُنْفٍ وَقُوَّةٍ فِيهَا، هَلْ هَذَا سِحْرٌ؟ تَبْكِيتٌ، وَكَذَلِكَ تَأْذِيبٌ وَتَعْذِيبٌ لِمَا كَانَ مِنْ اسْتِهْزَائِهِمْ، وَكَذَلِكَ بَغْيِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. فَكَمَا كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِهِ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ لَهُمْ حِينَ يُقْذَفُونَ إِلَى النَّارِ: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾، أَيْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: الْعَذَابُ الَّذِي تَرَوْنَهُ الْآنَ رَأَوْهُ رَأْيَ الْعِيَانِ، وَقُولُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْوَحْيِ: هَذَا السِّحْرُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ جُوزُوا بِمِثْلِ مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا، أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ؟ هَذَا لِلتَّبْكِيتِ وَالتَّعْذِيبِ وَالتَّأْنِيبِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ قَبْلُ، فَهُمْ يُبْصِرُونَ النَّارَ وَعَذَابَهَا وَكُلَّ مَا فِيهَا. ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا﴾ قَالَ عَلَيْهَا ﴿أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ قَالَ: صَبْرُكُمْ وَجَزَعُكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ صَبْرَكُمْ لَا يَنْفَعُكُمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَجْعَلُ هَذَا كَذَلِكَ لَهُمْ كَالْتَنْكِيلِ وَالتَّبْكِيتِ وَزِيَادَةٍ فِي الْعُقُوبَةِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُمْ لَا صَبْرَ لَهُمْ بِهَذِهِ النَّارِ الْعَظِيمَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَهْوَالٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُجِيرَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْهَا. قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ: أَيْ جَزَاءً، وَالْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَدْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَجَزَاءُهُ عَدْلٌ، بَلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ جَازَى الْعَبْدَ بِكُلِّ مَا عَمِلَ لَاسْتَحَقَّ أَكْثَرَ مِمَّا يُعَاقَبُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَتَجَاوَزُ. وَقَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ﴿فَاكِهِينَ﴾ أَيْ مُتَلَذِّذِينَ، هَذَا هُوَ الْقُرْآنُ مَثَانِيَ، إِذَا ذُكِرَ أَهْلُ النَّارِ ذُكِرَ أَهْلُ الْجَنَّةِ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا، فَذُكِرَ أَهْلُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، ذِكْرُ أَهْلِ الْفُجُورِ نَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ أَهْلُ التَّقْوَى. فَكَمَا أَنَّ أَهْلَ الْفُجُورِ وَالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ وَأَهْوَالهَا، فَفِي الْمُقَابِلِ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى يَتَنَعَّمُونَ فِي جَنَّاتِ اللَّهِ وَنَعِيمِهِ فَاكِهِينَ، قَالَ: مُتَلَذِّذِينَ، وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: اخْتِلَافُ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى، فَفَاكِهِينَ اسْمُ فَاعِلٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارٍ وَمُلَازَمَةِ الْوَصْفِ، فَلَيْسَ تَلَذُّذًا مُنْقَطِعًا، مُتَلَذِّذٌ مَعْنَاهُ تَلَذُّذُهُ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُتَقَطِّعٌ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مُسْتَمِرٌّ فِي التَّلَذُّذِ بِأَنْوَاعِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ فَاكِهِينَ مُلَازِمِينَ لِمَعْنَى التَّنَعُّمِ وَالتَّفَكُّهِ بِكُلِّ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ نَعِيمٍ. قَالَ: بِمَا مَصْدَرِيَّةٌ، آتَاهُمْ أَيْ بِإِتْيَانِهِمْ بِمَا أُوتُوا، وَهَذَا لِأَجْلِ أَنْ يُثْبِتَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكُونُوا بِمِثْلِ الْمُجَازَاةِ وَالْإِكْرَامِ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقَالَ: أَعْطَاهُمْ، الْحَقِيقَةُ أَنَّ الْإِتْيَانَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ عَنْ الْإِعْطَاءِ، فَالْإِعْطَاءُ قَدْ يَكُونُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُجَازَاةِ، أَمَّا الْإِتْيَانُ فَهُوَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُجَازَاةُ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ، فَمَا آتَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيْسَ جَزَاءً وَإِنَّمَا فَضْلٌ، الْإِعْطَاءُ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِحْقَاقِ، تَقُولُ: أَعْطَيْتُ الْعَامِلَ أُجْرَةً، وَلَا تَقُولُ: آتَيْتُ الْعَامِلَ أُجْرَةً، وَلَكِنْ تَقُولُ: آتَيْتُ الْمِسْكِينَ، الْمِسْكِينُ يُؤْتَى، وَأَتَى الْقِرْبَةَ وَالْمَسَاكِينَ، وَأَمَّا الْأُجْرَةُ وَالْعَمَلُ فَهُوَ إِعْطَاءٌ وَلَيْسَ إِيتَاءً. وَفِي هَذَا لَفْتَةٌ أَنَّ مَا يُؤْتَى أَهْلُ الْجَنَّةِ لَيْسَ مُكَافَأَةً وَمُجَازَاةً عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ، فَمَا عَمِلُوهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَا أُعْطُوهُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهَا: ﴿آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، قَالَ: عَطْفًا عَلَى «آتَاهُمْ» أَيْ بِإِتْيَانِهِمْ وَوِقَايَتِهِمْ، اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آتَى فَضْلًا، وَوَقَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَذَلِكَ فَضْلًا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْآخِرِ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قَالَ: سَبَبِيَةٌ، يَعْنِي لَيْسَتْ جَزَاءً، فَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِالْأَعْمَالِ سَبَبًا، لَا بِمُجَازَاةِ الْأَعْمَالِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُقَالُ لَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ مِنْ الْإِكْرَامِ أَنْ يُكْرَمُوا بِالْقَوْلِ كَمَا يُكْرَمُوا بِالْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ قَالَ: حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ، يَعْنِي مَعْنَاهُ مِنْ زِيَادَةِ إِنْعَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ كَذَلِكَ وَقْتًا يَكُونُ فِيهِ الاسْتِرْخَاءُ مَعَ هَذَا النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ، الصَّفُّ بِحَدِّ ذَاتِهِ نَعِيمٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَجْمَعُ الْأَحِبَّةَ فِي الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ مَا يُحِبُّونَ وَيَرْغَبُونَ، فَلِلْإِنْسَانِ مَا تَلَذُّ نَفْسُهُ وَتَطِيبُ، بَلْ وَمَا يَرْغَبُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى. وَلِهَذَا جَاءَتْ بَعْدَهَا الْآيَةُ الَّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَجْمَعُ عَلَى حُبِّهِ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ، بَلْ وَيُقَرِّبُ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ سُرُرًا مَصْفُوفَةً يُصَفُّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ زِيَادَةً فِي الْإِكْرَامِ وَالْإِنْعَامِ، وَكَذَلِكَ تَحْقِيقُ مَا يَرْغَبُونَ وَيَشْتَهُونَ مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ قَالَ: عَطْفٌ عَلَى «جَنَّاتٍ» أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ، قَالَ: عِظَامِ الْأَعْيُنِ حِسَانِهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ «عِينٍ» مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْكُلُّ، يَعْنِي أَنَّ الْحُورَ فِيهِنَّ جَمَالٌ لَا يَكَادُ يُوصَفُ، وَمِنْ دَلَالَتِهِ جَمَالُ الْعَيْنَيْنِ، فَهُوَ يَدُلُّ كَذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْجَمَالِ الْمَوْجُودِ، فَلَيْسَ الْجَمَالُ فَقَطْ فِي الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا الْجَمَالُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقِيلَ: إِنَّ «عِينٍ» لَيْسَ الْمَقْصُودَ بِهِ مِنَ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا مِنَ النُّدْرَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: لَفْظُ الْعَيْنِ يُطْلَقُ عَلَى كَذَلِكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عَظِيمٍ، فَالْعَيْنُ أَعْظَمُ فِي الْجَسَدِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِلثَّقْبِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ مَاذَا؟ عَيْنٌ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْجَاسُوسِ الَّذِي يَنْظُرُ سَوَاءً لِلْعَدُوِّ أَوْ لِنَفْسِ الْجَيْشِ مَاذَا يُسَمَّى؟ عَيْنٌ، يَعْنِي كَأَنَّ جَسَدَهُ كُلَّهُ صَارَ مَاذَا؟ عَيْنًا، وَكَذَلِكَ الْحُورُ الْعِينُ كَأَنَّ جَسَدَهَا كُلَّهُ صَارَ جَمَالًا وَحُسْنًا، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَيَاضُ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ الْقَوَامُ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ تَدْخُلُ فِي مَعْنَى «عَيْنٍ» خُصُوصًا أَنَّهُ قُرِنَ بِـ«حُورٍ»، وَهَذَا مَعْنًى كَذَلِكَ آخَرُ فِيهِ أَنَّ جَمَالَ هَؤُلَاءِ الْحُورِ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الدُّنْيَا. وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِي الْأَسَاطِيرِ أَنَّ هُنَاكَ فِي الْبَحْرِ امْرَأَةً أَجْمَلَ مِنْ نِسَاءِ الْأَرْضِ تُسَمَّى: حُورِيَّةَ الْبَحْرِ، لِمَاذَا سُمِّيَتْ حُورِيَّةً؟ أَيْ نَادِرَةً فِي جَمَالِهَا وَصِفَتِهَا، لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِثْلُهَا فِي الْأَرْضِ، لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِثْلُهَا فِي الْأَرْضِ، فَكَذَلِكَ حُورُ الْجَنَّةِ نَادِرَةٌ فِي الْوَصْفِ، لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا زِيَادَةٌ فِي مَاذَا؟ فِي وَصْفِ هَذَا الْجَمَالِ، «حُورٌ» أَيْ نَادِرَةٌ، وَزِيَادَةٌ مَعَهَا مَاذَا؟ «عِينٌ» أَيْ غَايَةُ الْجَمَالِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُوصَفُ. وَمِنْاسِبَةُ قَوْلِهِ: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَصِفُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مَا يَشْتَهُونَهُ مِنْ الْأَحْبَابِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ؟ الْأَزْوَاجُ وَالْحُورُ الْعِينُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْأَزْوَاجُ وَالْحُورُ الْعِينُ، وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّفَّ لَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ مَا يَشْتَهِي، فَيَصِفُ اللَّهُ لَهُ مَا يَشْتَهِيهِ فِي كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي «لُؤْلُؤَاتٍ مَصْفُوفَةٍ» بِالنِّسْبَةِ لِأَزْوَاجِهِ، وَلُؤْلُؤَاتٍ مَصْفُوفَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِحُورِهِ، وَهَكَذَا كَذَلِكَ حُورٌ، وَكَذَلِكَ لُؤْلُؤَةٌ لِأَضْيَافِهِ وَأَحْبَابِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي صَفٍّ بَدِيعٍ جَمِيلٍ يَزِيدُ فِي تَنَعُّمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَا يُعْطِيهِمْ، نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنْ يُكْرِمَنَا بِفَضْلِ فَضْلِهِ وَعَظِيمِ حَبْطَائِهِ. نَعَمْ، أَنَا قُلْتُ: «أَسَاطِيرُ»، انْتَبِهْ، الْكَلِمَةُ دُقَّ، الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ «حُورِيَّةُ الْبَحْرِ»، لَا يُوجَدُ، هِيَ أَسَاطِيرُ وَخَيَالَاتٌ، مَا فِي شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ، الصُّوَرُ خَيَالَاتٌ، فِي أَحَدٍ رَآهَا بِعَيْنِهِ؟ كُلُّهَا حِكَايَاتٌ وَخَيَالَاتٌ، نَعَمْ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَذُكِرَ فِيهِ شَرْعًا، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ. طَيِّبٌ، هَذَا سُؤَالٌ وَشَكْوَى، يَقُولُ: أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ لِأَخِيهِ: يَا صُومَالِيُّ، يَا حَبَشِيُّ، أَوْ «دَحْبَاشِيُّ»، «دَحْبَاشِيُّ» عَفْوًا، يَا «دَحْبَاشِيُّ»، مَا رَأْيُكُمْ؟ مَا مِنْ عُقُوبَةٍ تَجْعَلُ لَهُ الْمَغْسَلَةَ، يَدْخُلُ الْمَغْسَلَةَ يُؤَدَّبُ وَيُسْتَدْعَى وَلِيُّ أَمْرِهِ، وَيُكْتَبُ تَعَهُّدٌ: لَيْسَ عِنْدَنَا عُنْصُرِيَّةٌ وَلَا مَنَاطِقِيَّةٌ، هَذَا خَطَأٌ، نَحْنُ نَقْرَأُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وَلَكِنَّ مَا نَجِدُ التَّطْبِيقَ، لِمَاذَا لَابُدَّ مِنْ تَأْدِيبِ مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ مِثْلُ هَذَا حَتَّى وَلَوْ كَانَ وَلَدًا صَغِيرًا يُؤَدَّبُ، وَيُسْتَدْعَى وَلِيُّ أَمْرِهِ، وَيُقَالُ: هَذِّبْ وَلَدَكَ، الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، لَيْسَ أَقْوَالًا بِلَا أَعْمَالٍ، لَابُدَّ أَعْمَالٍ تُبَرِّرُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ، مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عِنْدَنَا هَذِهِ الْعُنْصُرِيَّةُ وَالْمَنَاطِقِيَّةُ، يَنْبَغِي أَنْ نَتَرَفَّعَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، الْكُلُّ سَوَاءٌ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا فَرْقَ بَيْنَ عَرَبِيٍّ وَأَعْجَمِيٍّ، وَلَا أَسْوَدَ وَلَا أَبْيَضَ إِلَّا بِالتَّقْوَى»، هَذَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَهَذَا بِلَالٌ الْحَبَشِيُّ، وَهَذَا صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَحَدٍ، هَكَذَا تَعَلَّمْنَا مِنْ الْإِسْلَامِ وَنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَابُدَّ أَنْ نُغْرِزَ هَذَا فِي قُلُوبِ أَبْنَائِنَا، وَفِي كَذَلِكَ قُلُوبِ طُلَّابِنَا، وَمَنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ خِلَافَ هَذَا نُؤَدِّبُهُ وَنُهَذِّبُهُ، وَنَكْسِرُ الْكِبْرَ وَالْخُيَلَاءَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، وَالْمَرَضُ هَذَا مَرِيضٌ، لَابُدَّ يُعَالَجُ، وَمِنَ الْعِلَاجِ أَنْ نَشُدَّ عَلَيْهِ، نَشُدُّ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَنْطِقَ إِلَّا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، فَلَابُدَّ أَنْ نُرَبِّيَ أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَطُلَّابَنَا عَلَى الْأَدَبِ الْقَوْلِيِّ وَالْأَدَبِ الْعَمَلِيِّ. فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ، الْإِخْوَةُ الْمُدَرِّسُونَ وَالْحُرَّاسُ يَشَدِّدُونَ فِي هَذَا الْبَابِ، إِذَا أَحَدُ الْأَوْلَادِ صَدَرَ مِنْهُ شَيْءٌ، الْمَغْسَلَةُ عَلَى طُولٍ، وَلَا يُفَكُّ حَتَّى يَأْتِيَ وَلِيُّ الْأَمْرِ وَيَكْتُبَ وَرَقَةً تَكُونُ هَزَّةً لِلْوِلْدَانِ، وَهَزَّةً لِوَلِيِّ الْأَمْرِ. أَوْ عِنْدَكُمْ اقْتَرِحْ آخَرَ: خَلَاصٌ، جَنْبَ بَابِ الْمَغْسَلَةِ الصَّغِيرِ، جَنْبَ بَابِ الْمَغْسَلَةِ، قَالَ: الْيَوْمَ عِنْدَ الْبَابِ، غَدًا دَاخِلٌ، الْيَوْمَ عِنْدَ الْبَابِ وَغَدًا دَاخِلٌ. طَيِّبٌ، إِلَى هُنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ صَحِيحٌ وَسَلَّمَ.