الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 61، ألقاها
يناقش تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، ويبين أن أهل السنة والجماعة يقولون بتنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه. يوضح أهمية التفصيل في نفي الألفاظ لئلا يشمل الحق والباطل.
يفسر معنى الحد في العقيدة الإسلامية، ويبين أن الأئمة يثبتون الحد أحيانا وينفونه أحيانا بحسب المقام. يوضح أن الحد المثبت يكون وصفا لله لذاته أو صفاته كما أخبرنا به.
يناقش تفسير صفات الله تعالى مثل اليد والوجه، ويرد على التأويلات الجهمية التي تؤول هذه الصفات. يؤكد على فهم هذه الصفات على حقيقتها دون تأويل أو تحريف.
يشرح معنى الجهة والعلو في وصف الله تعالى، ويؤكد أن الله ليس في جهة مخلوقة بل هو في العلو الأعلى. يشدد على أهمية الاعتصام بالألفاظ الشرعية وتجنب الألفاظ المجملة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: والشيخ رحمه الله أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة كداود الجوارب وأمثاله القائلين إن الله جسم، وإنه جثة وأعضاء وغير ذلك، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فالمعنى الذي أراده بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر الممتدعات». تقدم معنا الكلام على كلامه أو التفصيل في مسألة الألفاظ المجملة. ثم قال الشارح رحمه الله: والشيخ رحمه الله أراد بهذا الكلام أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة في قوله تعالى: ﴿تعالى وتقدس وتنزه عن الحدود والغايات﴾. وسيأتي الكلام على الحدود والغايات. وقوله: «والأركان والأعضاء والأدوات» كذلك قال على المشبهة كداود الجوارب وأمثاله القائلين إن الله جسم، وإنه جثة وأعضاء وغير ذلك. داود الجوارب هو يعد رأسا أو من رؤوس المشبهة المجسمة، فهو حينما يصف ربه جل وعلا يقول: إن لله جل وعلا أعضاء كأعضائنا، له أعضاء كأعضائنا، يقول: إلا الفرج واللحية، إلا الفرج واللحية. فإنه قال: حينما سئل عن ربه جل وعلا فقال: ما قال، ثم قال: إلا الفرج واللحية، فاعفوني عن هذا، اعفوني من هذا. وعلماء واسط من أهل بلده كخالد الطحان والإمام هشيم بن بشير وغيرهم من الأئمة رحمهم الله تعالى تكلموا فيه وذموه وأفتوا الأمير بسفك دمه، أي: أنه كافر بالله العظيم لأنه قال هذه المقالة الخبيثة بأن الله جل وعلا كالبشر. ولكنه مات قبل أن يصل إليه الأمير، فلم يصل عليه الأئمة، لم يصل عليه علماء واسط رحمهم الله تعالى. وكذلك روى الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى في شرح السنة والأثر الأول: ذكر عن وكيع رحمه الله تعالى أنه قال: قال داود الجواربي: وصف الله جل وعلا أو قال: شبه الله جل وعلا بخلقه، فكفر. وبشر المريسي قال: رد عليه، فعطل الله عز وجل أو نفى عن الله عز وجل صفاته، قال: فكفر. والحق هو بين هؤلاء وهؤلاء، أو كما قال رحمه الله تعالى. وهذا يبين لنا أن أهل السنة والجماعة لا كما قال من قال من المعطلة بأنهم مشبهة مجسمة، بل أهل السنة والجماعة يقولون: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ويقولون أيضا: من نفى عن الله جل وعلا وعطل الله عز وجل عما يستحق من الصفات كذلك فقد كفر. انطلاقا من قول الله جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ونظائرها من الآيات في كتاب الله جل وعلا، وكذلك ما جاء في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فهو حق بين باطلين. قال رحمه الله: فالمعنى الذي أراده الشيخ رحمه الله من النفي الذي ذكره هنا حق، لكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقا وباطلا، فيحتاج إلى بيان ذلك. يقول الشيخ رحمه الله: إن في قوله: «وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، إلى أن قال: لا تحويه الجهات الست كسائر الممتدعات». يقول رحمه الله: هذا النافي باعتبار الرد على المشبهة نفي صحيح، باعتبار النفي على المشبهة نفي صحيح. ولكن يقول الشيخ رحمه الله تعالى: لكن حدث بعده من أدخل في عموم هذا النفي أو في هذه الألفاظ ما لم يرده الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، فلذا صار إطلاق النفي على مثل هذه الألفاظ فيه معنى من معين إجمال. والألفاظ المجملة كما تقدم معنا وسبق أنها لا تنفى مطلقا كما أنها لا تثبت مطلقا، لماذا؟ لأن بإثباتها مطلقا إثبات الحق والباطل، وبنفيها مطلقا نفي الحق والباطل، وكلاهما ليس بصحيح. والحق في الألفاظ المجملة أن يستفصل منها، فما كان من حق من معناها قبل، وما كان من باطل من معناها رد. قال رحمه الله: لكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقا وباطلا، فيحتاج إلى بيان ذلك. وهو أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حدا، وأنهم لا يحدون شيئا من صفاته. قال أبو داود الطيالسي: كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك أبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يرون الحديث ولا يقولون كيف، وإذا سئلوا قالوا: بالأثر. وسيأتي في كلام الشيخ: وقد أعجز خلقه عن الإحاطة به، فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحاط أحد بحده، لأن المعنى أنه متميز عن خلقه، مباين لهم. سئل عبد الله بن المبارك: بما نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش بائن من خلقه، قيل: بحد، قال: بحد. انتهى. ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره. والله تعالى غير حال في خلقه ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه المقيم لما سواه. فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلا، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته. وأما الحد بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة. قال أبو القاسم القشيري في رسالته: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا منصور بن عبد الله قال: سمعت أبا الحسن العنبريس قال: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: وقد سئل عن ذات الله، فقال: «ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان، من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى ظاهرا في ملكه وقدرته، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والعيون لا تدركه، والعيون لا تدركه، ينظر إليه المؤمن بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية». يعني حاصل المسألة أنه كما ترون الأئمة رحمهم الله تعالى ثبت عنهم نقول ينفون الحد مطلقا، ونقول أخرى يثبتون الحد مطلقا. كما تقدم في نقل أبي داود طيالسي عن الأئمة شعبة وسفيان وحماد وغيرهما أو غيرهم من الأئمة أنهم يقولون: لا يحدون، لا يحدون، ولا يشبهون، ولا يمثلون. ثم ذكر رحمه الله تعالى عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: حينما سئل: بما نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش بائن من خلقه، قيل: بحد، قال: بحد. هذا إثبات للحد أم لا إثبات للحد؟ وما نقل أولا فيه نفي للحد. والإمام أحمد رحمه الله تعالى نفسه يسأل أحيانا عن الحد فيجيب بنعم، نثبت لله الحد. فلما ذكر له أثر عبد الله بن مبارك هذا، وهو أثر صحيح، قال: بحد، قال: فأعجب أبو عبد الله أي أحمد بن حنبل ما قاله الإمام ابن المبارك، أعجبه ذلك المقال. وثبت عنه رحمه الله تعالى في بعض المواطن أنه يقول: بلا حد، بلا حد. فقال علماء رحمهم الله تعالى، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بأن الأئمة رحمهم الله تعالى كانوا يثبتون الحد أحيانا وينفونه أحيانا، بحسب المقام وبحسب السؤال، بحسب المقام وبحسب سؤال السائل. فمرادهم يعني بهذه المسألة يرجع إلى معنى الحد المثبت أو المنفي. وخلاصة ذلك أن الحد إذا كان بمعنى أن العباد يحدون الله من عند أنفسهم، أي يصفونه من عند أنفسهم من غير ما كتاب ولا سنة، فهذا منفي. لأنه من علم الغيب، أو أنهم يحدون ذات الله أو صفاته، أي يعرفون حقيقتها وكيفيتها، فهذا المعنى كذلك منفي عن الله رب العالمين. والمثبت هو أن لله حدا حد به نفسه، يعلمه هو، أو أنه يحد نفسه بمعنى أنه يصف نفسه بما أخبرنا به، وبما علمه سبحانه. وكذلك قد يطلق الحد ويراد به أنه ليس ممازجا ولا مخالطا لخلقه، بل منفصل عنهم، منفصل عن خلقه، كما في كلام الإمام ابن المبارك: «بائن من خلقه بحق». نعم بحد أجاب نعم. وقد تكلمنا على هذه المسألة مفصلة في مقدمة كتاب «فتح رب العباد» عند الكلام على المسائل المتعلقة في هذا الباب، من أراد المزيد رجع إليها. هذا أمر. الأمر الثاني أن قوله رحمه الله تعالى: قول إمام ابن أبي العز رحمه الله بأن الطحاوي رحمه الله تعالى: حينما نفى نفيا صحيحا باعتبار ما كان، وأن هذه الألفاظ التي أدخلت في هذا المعنى ما ليس فيه، وصارت مجملة. هذه الدخائر كانت ماذا مؤخرة، فلا يشكل علينا يعني قد يقول لنا قائل: أنتم تقولون بأن أهل السنة والجماعة في الألفاظ المجملة لا يثبتون مطلقا ولا ينفون مطلقا، بل يستفصلون. وها نحن ذا نرى أن الأئمة ينفون مطلقا أو يثبتون مطلقا واضح، فما هو الجواب؟ الجواب هو الذي أجاب به ابن أبي العز عن الإمام الطحاوي، وهو أن هذه الألفاظ لم تكن مجملة حينها. فأجاب العلماء رحمهم الله تعالى حينها بما كان متعارفا عندهم، فكان متعارفا مثلا أن الحد المراد به أنه بائن من خلقه، فيقول: بحد، سألهم سأل بحد، نعم بحد. ما معنى الحد؟ أي: أنه بائن من خلقه. وتارة يسألون بسؤال آخر: هل هو بحد أن يعرف العباد بكيفية نعرف الله عز وجل بحد؟ أي: بكيفية، الجواب يقول: لا، بلا حد. واضح. قول بلا حد كقول إمام مالك: «الاستواء معلوم والكيف مجهول». فالكيف ها هنا كأنه الحد. الحاصل أن الألفاظ لم يكن فيها إجمال عند ما تكلم فيها الأئمة، إما فكانوا يسألون عنها تارة بمعنى فأجابوا، وتارة يسألون عنها بمعنى آخر أو باعتبار آخر، فماذا فيجيبون. ولكن صارت عند المتأخرين أن هذا اللفظ يطلق ويراد به أكثر من معنى، ويراد به معنى حق ومعنى باطل. فكان أهل الحق من أهل السنة والجماعة يطلقون أو لا يطلقون الإثبات ولا النفي، ولكن يستفصلون في المسألة. ومنها هنا نعلم أنه لا إشكال في كلام هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى، ولا في القاعدة المذكورة من قواعد أهل السنة والجماعة، وهو الوقوف في اللفظ المجمل، فلا يثبت مطلقا ولا ينفى مطلقا، بل يستفصل فيه. هذا هو الأمر الثاني. والأمر الثالث في قوله: قال أبو القاسم القشيري إلى آخره، هذا الإسناد مسلسل بالصوفية. وأبو عبد الرحمن السلمي أبو عبد الرحمن السلمي من الصوفية من كبار الصوفية، وهو ليس بثقة كما قال يعني كما قاله إمام البغداد رحمه الله تعالى في «تاريخ بغداد». وسئل عنه الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى، يعني تكلم فيه، وقال الخطيب: قال لي محمد بن يوسف القطان: كان يضع الأحاديث للصوفية، كان يضع الأحاديث للصوفية، فهو ليس بثقة. فضلا وإن كان الكلام صحيح كلام سهل بن عبد الله التستري كلام صحيح، ولكن الإسناد كما سمعتم فيه من فيه. قال رحمه الله: وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات فيستدل بها النفات على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية كاليد والوجه. على أبو حنيفة رضي الله عنه في «الفقه الأكبر»: له يد ووجه ونفس كما ذكر الله في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس، فهو له صفة بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته، لأن فيه إبطال الصفة. انتهى. وهذا الذي قاله الإمام رضي الله عنه ثابت بالأدلة القاطعة. قال تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾، ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾، وقال تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. وقال تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾، وقال تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، وقال تعالى: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾، وقال تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: لما يأتي الناس آدم فيقولون له: «خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء» الحديث. ولا يصح تأويل من قال: إن المراد باليد القدرة، فإن قوله: «لما خلقت بيدي» لا يصح أن يكون معناه: بقدرتي، مع تثنية اليد. ولو صح ذلك لقال إبليس: وأنا أيضا خلقتني بقدرتك، فلا فضل له علي بذلك. فإبليس مع كفره كان أعرف بربه من الجهمية. ولا دليل لهم في قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما﴾. قال رحمه الله تعالى: أولا وأما نفي الأركان والأعضاء والأدوات، قال: فيستدل بها النفاة، وفي بعض النسخ: فيتصدى بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية كاليد والوجه. لماذا؟ لأن هذا اللفظ كما سمعتم من الألفاظ المجملة، فيراه المعطل بأنه دليل الله، فيقول: هذا الطحاوي وهو من أهل السنة والجماعة يقول: «تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات»، إذن الطحاوي لا يثبت لله جل وعلا الصفات. لماذا؟ لأن هذه الألفاظ فيها إجمال، وقد أدخل فيها هؤلاء ما ليس منها. فالحاصل أنهم يستدلون بمثل هذه العبارات وهذه الإطلاقات على باطلهم، وهذا ليس بصحيح. ولو أنهم يعني كان في هذه العبارات نوع إجمال، فإن الطحاوي رحمه الله تعالى عقيدته من أولها إلى آخره، وهو يقرر إثبات الصفات. فلماذا أخذوا ببعض وتركوا البعض الآخر؟ وهل هذا إلا الهوى والتحكم؟ هذا أمر. الأمر الثاني في قول رحمه الله تعالى: قال أبو حنيفة في «الفقه الأكبر»: تقدم معنا مرارا أن كتاب «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة لم يصح إلى أبي حنيفة، بل الإسناد إليه ضعيف. وأما الأدلة المذكورة فواضح في إثبات صفة اليدين لله رب العالمين. وكما ترون أن الآيات متنوعة، تارة يقول ربنا جل وعلا: ﴿لما خلقت بيدي﴾ بالتثنية وبدخول الباء بالقول: خلقت بيدي. والثاني يقول الله جل وعلا: ﴿والأرض جميعا قبضته﴾ قبضة، والقبضة تكون من خصائص القدرة أو من خصائص النعمة. ﴿والأرض قبضته يوم القيامة ثم قال والسماوات مطويات بيمينه﴾ الطي، وقال: بماذا؟ باليمين. وهذا التنويع في اليد يدل على أنها حقيقة. كذلك قال ربنا جل وعلا في الآيات الأخرى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. وجه ربك، وقوله: «ذو» هنا وصف لماذا؟ للضمير أو وصف للوجه؟ للوجه. لماذا؟ لأنه مرفوع، لأنه مرفوع، فهو وصف للوجه في قوله: «ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام». إذ لو كان هذا الوصف لقوله: «ربك» لقال: «ويبقى وجه ربك ذو جلال والإكرام». ولكن الله جل وعلا قال: «ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام»، هذا يدلنا على أن الوصف للوجه، وأن وجه ربنا جل وعلا ذو جلال وإكرام. وقال تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾، هذا في معنى من معاني المقابلة. وقال تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، وقوله: «واصطنعتك لنفسي»، وقال تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى من أدلة. وهذا يدلنا على أن هذه الصفات حق على حقيقتها، لا كما قال المؤولة بأنها مجاز عن القدرة أو مجاز عن الذات أو ما شابه ذلك. لذا قال رحمه الله: وليصح تأويل من قال: إن المراد باليد القدرة، أي في قول الله جل وعلا: «بيدين» بالقدرة. فإن قوله: «لما خلقت بيدي» قال: لا يصح أن يكون معناه: بقدرتين، مع تثنية اليد. مع تثنية اليد، إذ أن الله جل وعلا ليس له قدرتان، بل لله جل وعلا قدرة عظيمة. ثم قال: ثم قال: لا يصح أن يكون معناه: بقدرتين، مع تثنية اليد. ولو صح أي: لو صح أن يكون الله جل وعلا خلق آدم بقدرته، لكان آدم كغيره من المخلوقات، خلقه الله جل وعلا بماذا؟ بقدرته، بقوله: «كن» فيقول. فإذا ما هي المزية التي لأجلها أسجد الله جل وعلا له الملائكة؟ وما هي المزية التي قال الله جل وعلا فيها لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديك»؟ ولو كانت ليست اليد لقال إبليس: ماذا؟ وأنا خلقتني بيديك. لو كان المراد باليد القدرة لقال إبليس: ماذا؟ وأنا خلقتني بماذا؟ بيديك. ولكن إبليس علم لأنه شاهد أن الله جل وعلا خلق آدم عليه السلام بيديه حقيقة. لذا حينما قال له ربه جل وعلا: «ما منعك أن تسجد لما خلقته بيديك» انتقل إلى أمر آخر، قال: ماذا؟ «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين». رجع إلى المادة، رجع إلى المادة، ما رجع إلى صفة خلقه، وصفة خلق آدم عليه السلام. قال: وأيضا قال: أنه تعالى جمع الأيدي. قال: ولا دليل لهم في قول تعالى: ﴿أولم يروا أن خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما﴾. أي: لا دليل لهم في هذه الآية، لا دليل لهم في هذه الآية من أن اليد ها هنا بمعنى القدرة. يعني إذا قال الجهمية: نحن نقول: «بيديك» بمعنى: بقدرتك، بنعمتك، أو بقدرتك، أو بنعمتك، كقول الله جل وعلا: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما﴾. فيقولوا لأهل السنة والجماعة: هل ها هنا باشر الله جل وعلا أو خلق الله جل وعلا الأنعام بيديه؟ فما هو الجواب عند أهل السنة والجماعة؟ لا. وإنما خلقها بقدرته سبحانه وتعالى. يقول: إذن هذه الآية كتلك. هم يقول: أهل السنة والجماعة: هذه الآية كتلك، كما أنكم قلتم في هذه الآية: أنه خلقها، أن الله جل وعلا خلق الأنعام بقدرته. فقولوا كذلك بأن الله جل وعلا خلق إبليس، خلق آدم بماذا؟ بيديه. هذا جمع أم لا؟ الجواب: تفضل. ولا دليل لهم قال رحمه الله تعالى: ولا دليل لهم في قوله تعالى: ﴿أولم يروا أن خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما﴾. لأنه تعالى جمع الأيدي لما أضافها إلى ضمير الجمع، ليتناسب الجمعان اللفظيان للدلالة على الملك والعظمة. ولم يقل: «أيدي» مضاف إلى ضمير المفرد. يعني لم يقل: «أيدي» أيدي. ولم يقل: «أيدي» مضاف إلى ضمير المفرد، ولا «يدينا» بتثنية اليد مضاف إلى ضمير الجمع. فلم يكن قوله: «مما عملت أيدينا» نظير قوله: «لما خلقت بيدي». فأعاد العمل إلى ماذا؟ أعاد العمل إلى الأيدي، «مما عملت أيدينا». واضح. بخلاف ماذا؟ بخلاف الآية الأولى. فإنه أضاف أي: أضاف الخلق، خلق آدم إلى ماذا؟ إلى نفسه، إلى يده. وأضاف اليد إلى ماذا؟ إلى نفسه. أما هنا قال سبحانه وتعالى: «مما عملت أيدينا»، مما عملت أيدينا. فأعاد العمل إلى ماذا؟ أعاد العمل إلى اللفظ، أعاد العمل إلى ماذا؟ إلى اليد. وجاء اللفظ هاهنا مثنى مجموعا، عائدا على ماذا؟ على ما خلقه الله جل وعلا من هذه الأنعام. يعني ما قال الله جل وعلا: «أولم يروا أن خلقنا لهم مما عملت يدي». إذا قال: «مما عملت يدي» يكون هاهنا ماذا؟ في دلالة على أنه الله جل وعلا هو الذي باشر ذلك الأمر. لا. لكن قوله: «أيدينا» مما عملت أيدينا، ليس في هذا المعنى. فليست الآية كالآية. ثم إن الآية في قوله: «خلقت بيدي» عديت بالباء، عديت بالباء. وكذلك اليد جاءت مثناة، والباء تدل على ماذا؟ على المباشرة. تدل على المباشرة هاهنا، وأن الله جل وعلا خلق آدم بيديه ماذا؟ مباشرة. بخلاف قوله سبحانه وتعالى: ﴿مما عملت أيدينا أنعاما﴾. قال رحمه الله: وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: «عجابه النور، ولو كشفه لا أحرقت سبحات وجهه من تهى إليه بصره من خلقه». ولكن لا يقال لهذه الصفات: إنها أعضاء أو جوارح أو أدوات أو أركان. لأن الركن الجزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد لا يتجزأ سبحانه وتعالى. والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية، تعالى الله عن ذلك. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾. والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع. وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها لجلب المنفعة ودفع المضرة. وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى. ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى. فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة. فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيا ولا إثباتا. لأن لا يثبت معنى فاسد أو ينفي معنى صحيح. وكل هذه الألفاظ عرضة للمحق والمضل. وفي هذا كما ترون إشارة لطيفة إلى أنه لو أنه ترك هذه العبارات لكان خيرا له. لو أن الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى ترك هذه العبارات التي فيها إجمال، لسلمت. والآمر كما ذكر أن الله جل وعلا لم يتكلم بهذه التعبيرات، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بالأعضاء والأجزاء وما شابه ذلك. ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ لأن هذه الألفاظ فيها معنى من معاني الإجمال، وفيها معنى من معاني التنقص أو فيها معنى من معاني النقص. لذا كانت طريقة الكتاب والسنة هي الطريقة المثلى مطلقا. فالله جل وعلا تكلم، بكلام صحيح لا لبس فيه، لا من قريب ولا من بعيد. ليس كمثله شيء، واسمع البصير. ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، بل: ﴿يداه مبسوطتان﴾، وما شابه ذلك. ما قال: «أعضاء»، «أجزاء»، «أبعاض». لماذا؟ لأن هذه الألفاظ فيها ما فيها. فالحاصل أن الإنسان ينبغي بل يجب عليه، ولا سيما عند الاحتمال أن يتلفظ، وأن يعتصم بالألفاظ الشرعية السالمة من الخطأ والبعيدة من اللبس. قال رحمه الله: وعما لفظ الجهة، فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم. ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق. قال: فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى، كان مخلوقا. والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات، تعالى الله عن ذلك. وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده. فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار، فهو صحيح. ومعناه أنه فوق العالم، حيث انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع، عال عليه. ونفات لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو، يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة. وأنه كان قبل الجهات، وأن من قال: إنه في جهة، يلزمه القول بقدم شيء من العالم، أو أنه كان مستغنيا عن الجهة ثم صار فيها. وهذه الألفاظ ونحوها إنما تدل على أنه ليس في شيء من المخلوقات. وسواء سمي جهة أو لم يسم، وهذا حق. ولكن الجهة ليست أمرا وجوديا، بل أمرا اعتباريا. ولا شك أن الجهات لا نهاية لها. وما لا يوجد فيما لا نهاية له، فليس بموجود. يعني حاصله هو ما تقدم: أن الجهة لفظ مجمل، فقد يراد بالجهة الجهة المخلوقة، وقد يراد بها الجهة غير المخلوقة، وهي العدمية، وهي جهة عدمية. لأن الجهات كما تقدم من حيث هي: إما علو، وإما سفل. وإما علو، وإما سفل. والموجود إما خالق، وإما مخلوق. والموجود إما خالق، وإما مخلوق. فالخالق جل وعلا يتنزه أن يكون في جهة مخلوقة، فيكون داخل هذا العالم، إن هذا باطل مستحيل. الجهات المخلوقة مخلوقة. يعني: إذا كل موجود، الموجود إما واجب الوجود، وهو الخالق جل وعلا، وإما ممكن وجود. الجهات الموجودة، الجهات الموجودة المخلوقة مخلوقة. فعندنا موجودان: الخالق والمخلوق، الخالق جل وعلا والمخلوق. فكون الخالق جل وعلا في الجهة المخلوقة، هذا ممتنع وباطل، ولا يتصور. لماذا؟ لأن الله جل وعلا خالق، وما سواه مخلوق. فإذا كان الله جل وعلا يخبر عن كرسيه: يخبر عن كرسيه أنه وسع السماوات والأرض، «وسع كرسيه السماوات والأرض» كما قال الله جل وعلا في آية الكرسي. والكرسي كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنما هو كالمرقاة للعرش، كالمرقاة للعرش. يعني: العرش أعظم وأعظم وأعظم، كما جاءت في ذلك الأحاديث والآثار بكثير. فكيف بعد هذا يستطيع إنسان أن يتصور بأن الله جل وعلا داخل هذا العالم، وأن العالم يحيط به؟ سبحان الله. جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾. والسماوات مطويات بيمينه. الأرض والسماوات مطوية بماذا؟ بيمينه. وقد جاءت كذلك آثار عن أبي الدرداء وغيره، وعن ابن عباس: أن السماوات مطويات، إلى غير ذلك، كخردل في يد طفل يلعب بها. أي: بالنسبة لله رب العالمين. فكيف بعد هذا يتصور إنسان أن يكون الله رب العالمين محاط به؟ سبحانه وتعالى. إذن كون الرب جل وعلا أن يكون داخل العالم، هذا كما علمتم ممتنع بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، بالأدلة الخمسة. بقي الآن: إما أن يكون الخالق جل وعلا أعلى من المخلوق، وإما أن يكون المخلوق أعلى منه. وأي الجهتين أكمل: العلو أو السفل؟ العلو. إذن لله جل وعلا العلو المطلق، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والعقل، كما سمعتم يدل عليه، والفطرة الصحيحة تدل كذلك على هذا المعنى. فالحاصل من هذا أن الله جل وعلا في العلو الأعلى، في العلو الأعلى. وكون القائل يقول: في جهة، أي: في جهة اعتبارية بالنسبة للجهة الأخرى. في جهة اعتبارية بالنسبة لماذا؟ للجهة الأخرى. لأن عند الجهات كما سمعتم: إما علو، وإما سفل. فما كان فوقك فهو ماذا؟ أعلى منك. وما هو دونك فهو ماذا؟ فهو أسفل. فالله جل وعلا في العلو الأعلى، لا يحاط به شيء من مخلوقاته، سبحانه وتعالى. بل هو المحيط بخلقه جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿والله من ورائهم محيط﴾. قال رحمه الله: وقول الشيخ رحمه الله: «لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات» هو حق. باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو محيط بكل شيء وفوقه. وهذا المعنى هو الذي أراده الشيخ رحمه الله لما يأتي في كلامه: «أنه تعالى محيط بكل شيء وفوقه». فإذا جمع بين كلامه، وهو قوله: «لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات»، وقوله: «محيط بكل شيء وفوقه». علم أن مراده أن الله تعالى لا يحويه شيء، لا يحويه شيء، ولا يحيط به شيء، كما يقول لغيره من المخلوقات. وأنه تعالى هو المحيط بكل شيء، العالي عن كل شيء. وهذا واضح كما تقدم. قال: لكن بقي في كلامه شيئا. أحدهما: أن إطلاق مثل هذه الألفاظ مع ما فيه من الإجمال والاحتمال، كان ترجحه أو لا؟ وإلا تسلط عليه، وإلا تسلط عليه، وإلا تسلط عليه. قال: وإلا تسلط عليه، وألزم بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو. وإن أجيب عنه بما تقدم: من أنه إنما نفى أن يحويه شيء من مخلوقاته. في الاعتصام بالألفاظ الشرعية أو لا؟ الثاني: أن قوله: «وهذا كما ترون من الانتقادات التي تقدم ذكره في المقدمة»: أنه لو عبر بالألفاظ الشرعية، وابتعد عن الألفاظ المجملة، كان خيرا وأسلم. قال: الثاني: أن قوله: «كسائر المبتدعات» يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو محوي. وفي هذا نظر. فإنه إن أراد أنه محوي بأمر وجودي، فممنوع. فإن العالم ليس في عالم آخر، وإلا لزم التسلسل. وإن أراد أمرا عدميا