الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 29، ألقاها
يتناول شرح الفرق بين القول بأن الصفات غير الذات والقول بأن صفات الله غير الله، مع توضيح أن مسمى الله يشمل الذات والصفات. يُفسر أن الذات قد تُفهم على أنها مجردة عن الصفات.
يشرح معنى الذات والاسم في العقيدة، ويوضح أن الذات لا تنفصل عن الصفات، وأن الاسم قد يراد به المسمى أو اللفظ الدال عليه حسب السياق. يُبين أهمية التفريق بين هذين المعنيين لتجنب الغلط في فهم النصوص الدينية.
يشرح موقف الإمام الطحاوي من المعتزلة والجهمية والشيعة في مسألة صفات الله تعالى، ويوضح أن الله متصف بصفاته أزلا وأبدا. يُبين أيضًا مفهوم الكلام عندهم وعلاقته بالقدرة الإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: طيب، إذا تفرع من قبله، وقد يقول بعضهم، أي: أول فقرة من الترابط. قال الشارح رحمه الله تعالى: فقد يقول بعضهم الصفة لا عين موصوف ولا غيره، وهذا لا معنى له، وهذا له معنى صحيح، وهو أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة، بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد. والتحقيق أن يفرق بين قول القائل الصفات غير الذات، وبين قوله صفات الله غير الله، فإن الثاني باطل؛ لأن مسمى الله يدخل فيه صفاته، بخلاف مسمى الذات؛ فإنه لا يدخل فيه الصفات؛ لأن المراد أن الصفات زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات، والله تعالى هو الذات الموصوف بصفاته اللازمة. ولهذا قال الشيخ رحمه الله: «لا زال بصفاته»، ولم يقل: «لا زال وصفاته»؛ لأن العطف يؤذن بالمغايرة. كذلك قال الإمام أحمد رضي الله عنه في مناظرته الجهمية: «لا نقول: الله وعلمه الله وقدرته الله ونوره، ولكن نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد سبحانه وتعالى». الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «وقد يقول بعضهم الصفة لا عين الموصوف ولا غير» تقدم الكلام عليها إلى قوله رحمه الله تعالى: «والتحقيق أن يفرق» أو «أن يفرق بين قول القائل الصفات غير الذات وبين قوله صفات الله غير الله». واضح، جماعة، كما ذكرنا في الدرس الماضي أننا إذا قلنا: «أن الصفات غير الذات» هذا لفظ مجمل، يتوقف فيه ويستفصل في معناه، فيثبت الحق وينفى الباطل. أما إذا قال قائل: «صفات الله غير الله»، فنقول: هذا الإطلاق أو هذا المعنى باطل؛ لأن مسمى الله جل وعلا يدخل فيه صفاته، بخلاف مسمى الذات؛ إذا قال الإنسان: «الله»، فربه جل وعلا أو «الله جل وعلا» اسم للذات والصفات. الله جل وعلا مسمى يعني: الله جل وعلا هو الذات المتصفة بالصفات، الله جل وعلا سبحانه وتعالى هو بذاته وصفاته، إذ لا يتصور أنه ذات مجردة عن الصفات. إذا قلنا: «الله جل وعلا»، بخلاف ما إذا قلنا: «الذات»، فإن الذات كما تقدم معنى لفظ مجمل، فقد يراد بها الله، فيكون المعنى ليس بصحيح، وقد يراد بالذات الذات المجردة عن الصفات التي يفرضها الذهن. قال: «والله تعالى هو الذات الموصوف بصفاته اللازمة». واضح، إذا قلنا: «الله»، فهو الذات الموصوف بصفاته، فليست صفاته غيره، بخلاف ما إذا قلنا: «الذات». واضح، جماعة، نفرق بين أن نقول: «الله صفات الله غير الله»، وبين أن نقول: «صفات الله غير ذاته». واضح، «صفات الله غير الله» هذا باطل، «صفات الله غير ذاته» هذا لفظ مجمل يحتمل الحق والباطل. قال رحمه الله: «ولهذا قال الشيخ رحمه الله: لا زال بصفاته»، ولم يقل: «لا زال وصفاته»؛ لأن العطف يؤذن بالمغايرة. وكذلك قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مناظرته الجهمية: «لا نقول: الله وعلمه الله وقدرته الله ونوره، ولكن نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد سبحانه وتعالى». وهذا في رد على الجهمية المعتزلة الذين يقولون: يلزم من إثبات الصفات تعدد القدماء. واضح، جماعة، رد عليهم الإمام أحمد. ولا نقول: «الله وقدرته»؛ لأن إذا قلنا: «الله وقدرته»، يفيد أن القدرة قائمة بنفسها، ذات قائمة بنفسها. الله وعلمه، العلم قائم بنفسه. لكن إذا قلنا: «الله بعلمه وقدرته وحياته وحكمته» أزلي وأبدي. واضح، جماعة، هنا لا محذور في ذلك، بل هذا هو الحق الذي نطق به الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف هذه الأمة، وهو الذي يقتضيه العقل الصحيح. قال رحمه الله: «فإذا قلت: أعوذ بالله، فقد عدت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه». يقول: «فإذا قلت: أعوذ بالله»، الإنسان إذا قال: «أعوذ بالله»، قال: «فقد عدت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال»، أي: لم تعوذ بالذات دون الصفات. واضحة، جماعة، بل عدت بالذات المتصفة بصفات الكمال المقدسة المنزهة عن كل نقص وعيب. قال: «وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عدت بصفة من صفات الله، ولم تعد بغير الله». وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات؛ فإن «ذات» في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة. لا تستعمل إلا مضافة، أي: «ذات» أي شيء، «ذات وجود»، «ذات قدرة»، «ذات عز»، «ذات علم»، إلى غير ذلك من الصفات. فـ«ذات كذا» بمعنى: «صاحبة كذا». تأنيث «ذو»، هذا أصل معنى الكلمة. وعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة عن الصفات كما يفرض المحال. قال رحمه الله: «وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره». وطالما غلط كثير من الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه. فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى. فإذا قلت: «قال الله كذا» أو «سمع الله لمن حمده» ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه. وإذا قلت: «الله اسم عربي» و«الرحمن اسم عربي» و«الرحيم من أسماء الله» ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد، لا المسمى. ولا يقال: «غيره»؛ لما في لفظ «غير» من الإجمال. طيب، قوله رحمه الله تعالى: «وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره»، أي: هذه مسألة كذلك من المسائل المشتهرة التي أثارها الجهمية وأفراق الجهمية في هذا الباب؛ لأجل أن يتوصلوا إلى القول بأن أسماء الله جل وعلا مخلوقة. قال رحمه الله: «وطالما غلط كثير من الناس في ذلك وجاهلوا الصواب فيه»؛ لأن هذا اللفظ أو هذه الألفاظ من الألفاظ المجملة. فإطلاق الإثبات فيها خطأ، وإطلاق النفي فيها كذلك خطأ؛ لأن بإطلاق الإثبات إثبات للحق والباطل، وإطلاق النفي نفي للحق والباطل. والطريقة المثلى كما مر معنا مرارا: التوقف في اللفظ والاستفصال في المعنى. ومع التوقف في اللفظ أن لا نثبته مطلقا ولا ننفيه مطلقا، بل نقول: «ماذا أردت بهذا؟» فإن أريد به كذا وكان لمعنى حق، قيل: «هذا حق». وإن قيل معناه كذا وكان لمعنى باطل، قيل: «هذا باطل». قال رحمه الله: «فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى». أي: ويراد به اللفظ الدال على المسمى تارة أخرى. فتارة يطلق الاسم ويراد به المسمى، وتارة يطلق الاسم ويراد به اللفظ الدال على المسمى. قال رحمه الله: «فإذا قلت: قال الله كذا أو سمع الله لمن حمده ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه». واضح، جماعة، الإنسان إذا قال في صلاته: «سمع الله لمن حمده»، من تريد بقولك: «سمع الله لمن حمده»؟ اللفظ أو المسمى؟ هيا، جماعة، المسمى. واضح، تريد أن الله جل وعلا يسمع دعاءك ويقبله صلاتك. قال: «وإذا قلت: الله اسم عربي والرحمن اسم عربي والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد، لا المسمى». واضحة، جماعة، الاسم هاهنا هو المراد، أي: اللفظ المراد هاهنا، ليش؟ اللفظ، وليس المراد المسمى. واضحة، جماعة. قال: «ولا يقال: غيره؛ لما في لفظ غير من الإجمال». واضح، الآن إذا قال: استفصلنا، فإذا قلنا مثلا: «الله اسم عربي»، طيب، «اسم عربي» الآن مقصود بهذا التعبير «الله اسم عربي»، المقصود اللفظ أو المقصود المسمى؟ اللفظ. واضح، جماعة. والشيخ رحمه الله أشار بقوله: «ما زال بصفاته قديما قبل خلقه» إلى آخر كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقه من الشيعة؛ فإنهم قالوا: إنه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الامكان الذاتي. قال: «وعلي ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما». فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا منه. وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته. قال رحمه الله تعالى: والشيخ رحمه الله، أي: الإمام الطحاوي رحمه الله، قال: أشار بقوله: «ما زال بصفاته قديما قبل خلقه» إلى آخر كلامه، يعني: قبل أن ندخل وأن نتكلم في كلام أو نشرح كلام من أبي العز، ننبه ها هنا أن الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في قوله: «ما زال بصفاته قديما قبل خلقه»، قديما قبل خلقه، في كلامه كما قال بعض أهل العلم: بأن كلامه مشعر بأن الحوادث التي المخلوقات لها أول؛ لأنه قال: «قبل خلقه». فقوله: «قبل خلقه» قالوا: مشعر بأنه بأن الله جل وعلا كان فترة من الزمن ولا خلق، ثم خلق. قال رحمه الله تعالى: «ما زال بصفاته قديما»، كما ذكر رحمه الله تعالى أنه قال بهذه العبارة: «ما زال بصفاته قديم»، بمعنى أن الله جل وعلا متصف بصفاته أزلا قبل أن يخلق الخلق. قال الإمام الطحاوي: «قبل أن يخلق الخلق»، بمعنى أن الله جل وعلا لم يكسب صفة بعد أن لم يكن متصفا بها. واضح، بل هو بصفاته أزلي سبحانه وتعالى. فالصفات أزلية بأزليته، كما أنها أبدية بأبديته. قال رحمه الله: «وأشار بقوله: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه إلى آخر كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة». والشيعة حقيقة مذهب في باب الاعتقاد معتزلة. الشيعة في كثير من مسائل الاعتقاد يوافقون المعتزلة. قال: «فإنهم قالوا: إنه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الامكان الذاتي». الآن هذا القول مع من؟ مع الجهمية ومن وافقهم. فهؤلاء يقولون: أنه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه؛ لماذا؟ لماذا يقولون بهذا القول؟ لأنهم يقولون: حوادث لا أول لها ممتنع في حق الرب جل وعلا. حدوث حوادث لا أول لها ممتنع في حق الرب جل وعلا. طيب، فلأجل هذا المعنى قالوا: بأن الحوادث لها أول. والمعتزلة توقفت هنا، وقالت: صفات الله مخلوقة. أما الجهمية، فقالوا: وكل أسماء الله جل وعلا مخلوقة. واضحة، جماعة، أم لا؟ فهذا مدخل من المداخل في هذه المسألة العظيمة المسمى بمسألة تسلسل الحوادث. قال: «وعلي ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما». ابن كلاب هو شيخ الأشعري في العقيدة. بل كما قال بعض أهل العلم: أن حقيقة المذهب الأشعري هو مذهب ابن كلاب، ولكن الأشعري أشهره وأظهره؛ لأنه كان معروفا أشد من معرفة أو أكثر من معرفتهم بابن كلاب. قال رحمه الله: «فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا منه». وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.