الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 82، ألقاها
يتناول المقطع آراء المعتزلة والخوارج والمرجئة في حكم مرتكب الكبيرة، ويبين اتفاق أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. يشرح تعريف أهل السنة للإيمان بأنه قول اللسان والقلب وعمل الجوارح والقلب.
يناقش الخلاف بين أهل السنة والجماعة ومرجئة الفقهاء في تعريف الإيمان وتأثير المعاصي عليه، ويبين أن هذا الخلاف ليس لفظيا فقط بل له دلالات معنوية مهمة. يشير إلى أن مرجئة الفقهاء يرون أن المعصية لا تضر الإيمان في الدنيا.
يجب على المسلمين التحلي بالعدل في تعاملهم مع بعضهم البعض، خاصة في الخلافات، مستدلين بآيات القرآن الكريم التي تؤكد على أهمية العدل والتقوى. هذا الموضوع يظهر أهمية التمسك بالعدل في المجتمع الإسلامي.
بسم الله الرحمن الرحيم على الشارح رحمه الله والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة، فإنهم موافقون على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لكن قالت الخوارج: نسميه كافرا، وقالت المعتزلة: نسميه فاسقا، فالخلاف بينهم لفظي فقط. وأهل السنة أيضا متفقون على أنه يستحق الوعيد المترتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص، لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر طاعة. إذا اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة، تبين لك فساد القولين، ولا فائدة في كلام هؤلاء. سواء أنك تستفيد من كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قد تقدم الكلام على هذه الفقرة في الدرس الماضي، فننتقل إلى غيرها. قال رحمه الله: ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا خلافا لفظيا لا يترتب عليه فساد، وهو أنه هل يكون الكفر على مراتب كفرا دون كفر، كما اختلف هل يكون الإيمان على مراتب إيمانا دون إيمان؟ وهذا الاختلاف نشأ من اختلاف في مسمى الإيمان: هل هو قول وعمل يزيد وينقص أم لا؟ قوله رحمه الله تعالى: ثم بعد هذا الاتفاق، أي الاتفاق الذي بين أهل السنة والجماعة، اختلفوا اختلافا لفظيا. قوله رحمه الله تعالى: اختلفوا اختلافا لفظيا، هذا الإطلاق فيه نظر، فإن أهل السنة والجماعة بحمد الله رب العالمين لم يختلفوا في شيء من هذه المسائل، بل هم متفقون لفظا ومعنى في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. أهل السنة والجماعة أجمعوا، كما نقل الإجماع غير واحد من الأئمة، وعلى رأس هؤلاء الأئمة الإمام الشافعي، والإمام أبو ثور، والإمام إسحاق بن راهويه، والإمام محمد بن نصر المروزي، وغير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى، نقل إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. ونص غير واحد من الأئمة أن من قال بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فإنه يكون من قول المرجئة، وليس من قول أهل السنة والجماعة في شيء. أهل السنة والجماعة يقولون بأن الإيمان قول وعمل، والقول عندهم على قسمين: قول اللسان، وهو التلفظ بالشهادتين، وقول القلب، وهو إقراره وتصديقه. والعمل كذلك على أقسام: عمل الجوارح، وعمل القلب. عمل الجوارح مثل الصلاة والزكاة والحج، وعمل القلب مثل خشية الله والتوكل عليه. إذن أهل السنة والجماعة الإيمان عندهم قول وعمل، وإذا علمنا هذا ننتقل إلى هذه المسألة التي ذكرها الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى هنا، وهي قوله رحمه الله تعالى: ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا خلافا لفظيا. في الحقيقة هذا الخلاف ليس في دائرة أهل السنة والجماعة، ولكن الإمام ابن أبي العز لما كان حنفيا أولا، وكان يعتقد بأن أبا حنيفة سني، جره ذلك إلى أن يحشر قول أبي حنيفة مع أقوال أهل السنة والجماعة. قوله رحمه الله: ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة، قوله تبين يدلنا بإشارة لطيفة من ابن أبي العز إلى أن هذا القول فيه خلاف، لكن كأنه يقول: حقيقة الخلاف ليس بمعتبر. والخلاف كما يذكر من يذكر من المحققين: بأنه وإن كان في جهة ما ليس بمعنوي، بل هو لفظي، إلا أنه باعتبار آخر هو معنوي. لذا الأئمة رحمهم الله شنعوا وذموا وبدعوا وأنكروا على مرجئة الفقهاء. هل ينكر الأئمة رحمهم الله ويشنعون وينكرون ويشتد نكيرهم بل ويبدعون من قال بقول مرجئة الفقهاء لأجل خلاف اللفظ أم لأجل خلاف معنوي؟ الجواب: لأجل خلاف معنوي. إذن الخلاف في الحقيقة معنوي، وإن كان في بعض الجزئيات هو لفظي. مرجئة الفقهاء يقولون بأن الذنوب قد تؤثر على صاحبها في الآخرة، وقد يكون معرضا لعقوبة الله جل وعلا، باعتبار ما فعل من المعاصي. لكن في الدنيا يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية. وقد ثبت بالإسناد الصحيح إلى أبي حنيفة رحمه الله أنه أخبر عن رجل يشرب الخمر أو فعل كبيرة من الكبائر: هل يقبح في إيمانه؟ فقال: لا. قوله رحمه الله: يختلفوا اختلافا لفظيا، هذا الإطلاق فيه نظر، لأمرين: الأول أن أهل السنة والجماعة لم يختلفوا، بل هم متفقون في باب الإيمان كغيره من أبواب العقائد. الأمر الثاني أن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة والجماعة معنوي، وليس بلفظي. قوله رحمه الله: لا يترتب عليه فساد، الجواب: بل يترتب عليه فساد، باعتبار أن فيه فتحا لباب المعاصي، إذ أن العاصي يفعل ما يفعل من المعاصي ويقول: هذا لا يضر في إيماني. وهذا قول فاسد. قوله رحمه الله: وهو أنهم هل يكفر الكفر أو هل يكون الكفر على مراتب كفرا دون كفر؟ وعلى مذهب أهل السنة والجماعة: الكفر يتفاوت، منه الكفر الأكبر، ومنه الكفر الأصغر. بل أهل الكفر الواحد متفاوتون. قال رحمه الله: كما اختلف هل يكون الإيمان على مراتب إيمانا دون إيمان؟ من هؤلاء الذين اختلفوا؟ هل هم أهل السنة والجماعة أم أهل السنة والمرجئة؟ أهل السنة والمرجئة. أما أهل السنة والجماعة فيقولون بأن الكفر يتفاوت، منه كفر أصغر، ومنه كفر أكبر. بل الكفر الواحد الأكبر يتفاوت، والكفر الواحد الأصغر كذلك يتفاوت. قال رحمه الله: وهذا اختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى الإيمان: هل هو قول وعمل يزيد وينقص أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافرا نسميه كافرا. قوله رحمه الله: بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافرا نسميه كافرا، إذ من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافرا، ولا نطلق عليه اسم الكفر. قوله رحمه الله: ولكن من قال إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال: هو كفر عملي لاعتقادي. قوله رحمه الله: ولكن من قال إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، القائل هنا هو أهل السنة والجماعة. الأولى أن يقال: هو كفر أصغر لا أكبر، أو يقال: بأنه كفر دون كفر. التعبير بكفر دون كفر أو بأنه كفر أصغر أولى من التعبير بأنه كفر عملي لاعتقادي، لأن من الكفر العملي ما يكون صاحبه خارجا عن ملة الإسلام. أهل السنة والجماعة يقولون بأن نواقض الإسلام منها قولية، ومنها فعلية، ومنها اعتقادية. قال رحمه الله: ومن قال إن الإيمان هو التصديق ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان، قال: هو كفر مجازي غير حقيقي، إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة. وهذا القول ليس من أقوال أهل السنة والجماعة، وإنما هو من أقوال مرجئة الفقهاء. قال رحمه الله: وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس. هؤلاء قالوا: إنها سميت إيمانا مجازا، لأن الأعمال عندهم ليست من الإيمان. وهذا قول باطل، وحقيقته نفي ما أثبته الله جل وعلا. قال رحمه الله: لتوقف صحتها على الإيمان، يعني معنى هذا: أن الصلاة لا تصح إلا بالإيمان، فسميت إيمانا لأنها لا تصح إلا به. أو لدلالتها على الإيمان، أي أنها ليست من الإيمان، ولكنها دالة على الإيمان. قال رحمه الله: فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول، وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد. قوله رحمه الله: فليس بين فقهاء الأمة، دخل فيه مرجئة الفقهاء. هذا باعتبار المآل، أهل السنة ومرجئة الفقهاء في هذا الاعتبار يقولون بأنهم معرضون للوعيد. قال رحمه الله: ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، كالخوارج والمعتزلة. وكذلك من أقوال منحرفة من يقول بأنهم من أهل الجنة مباشرة، ليسوا داخلين تحت مشيئة الله رب العالمين. قال رحمه الله: ولكن أردأ ما في ذلك التعصب على من يضادهم، وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه، والتشنيع عليه. وإذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين، وأن يجادلوا بالتي هي أحسن، فكيف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. نكتفي بهذا. إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا للمشاهدة.