الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 50، ألقاها
أهل السنة متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، مع وجود آراء مختلفة حول طبيعته بين كونه معنى قائم بالذات أو حروف وأصوات. يُعتبر القول بخلق القرآن كفرًا.
أهل السنة والجماعة يعتقدون أن كلام الله أزلي بالنوع، حادث بالآحاد، ويفرقون بين قولهم وبين قول المعتزلة عند استخدام مصطلح 'غير مخلوق'.
يناقش ويرد على اعتقاد المعتزلة بأن كلام الله مخلوق، مؤكدًا أنه معنى واحد غير متجزأ، مستندًا إلى أقوال أئمة السلف.
يبين فساد فكرة تعادل الآيات القرآنية في المعنى، ويظهر تنوع معاني الآيات، مخالفًا بذلك كلام السلف.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ رحمه الله تعالى: وبالجملة، فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن كلام الله غير مخلوق. ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما، أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم. وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق، ومرادهم أنه غير مختلق مخترع، بل هو حق وصدق. ولا ريب أن هذا المعنى منتف باتفاق المسلمين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: وبالجملة، فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن كلام الله غير مخلوق. وهذا كما ترون نقل للاتفاق بين السلف والخلف، غير من خالف وخرج عن هذا القول من الجهمية والمعتزلة في هذا الباب، فزعموا أن القرآن مخلوق. وإلا فالكل يقول بأن القرآن غير مخلوق، بل نقل غير واحد إجماع السلف على أن القرآن غير مخلوق. ومن قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم. قال رحمه الله: ولكن بعد ذلك، أي بعد زمن الأئمة الأربعة وغيرهم من السلف وأتباعهم من الخلف، تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم بها بعد أن لم يكن متكلما، أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم. يعني هل كلام الله هو معنى واحد قائم بالذات كما تقوله الكلابية والأشاعرة ومن سار على سيرهم، أو هو حدث أم أن كلام الله جل وعلا حدث بعد أن لم يكن، كما قال ذلك الكرامية وغيرهم؟ أم أن كلام الله جل وعلا حروفه وأصواته تكلم بها الله، أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم كما هو قول أهل السنة والجماعة. فأهل السنة والجماعة وسط بين من قال بأنه كله أزلي اللفظ والمعنى، وبين من قال بأن كله حادث اللفظ والمعنى. ففصل أهل السنة والجماعة في هذه المسألة ووضحها كما بين ذلك في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم: أن كلام الله جل وعلا باعتبار نوعه قديم أزلي، بمعنى أن الله جل وعلا لم يزل متكلما، وباعتبار أفراد الكلام وآحاد الكلام فإنه حادث، بمعنى أنه يتكلم الله جل وعلا مع من شاء بما شاء كيف شاء. فآحاد الكلام يتكلم الله جل وعلا به متى شاء، من صفات فعله. وأما نوع الكلام، فالله جل وعلا متكلم أزلا، بمعنى أنه لم يحدث له الكلام بعد أن لم يكن متكلما، بل هو متكلم سبحانه وتعالى أزلا. قال رحمه الله: وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق، وهذا كما يقال: الشيء بالشيء يذكر. بعد أن ذكر المخالفين للمعتزلة الجهمية في هذا الباب، استطرد فقال: بأن بعض المعتزلة ربما وجد في كلامهم بأنهم يقولون بأن القرآن غير مخلوق. فننتبه لهذا الكلام، لماذا؟ لأن المعتزلة إذا قالوا بأن القرآن غير مخلوق، ليس معناه كما قال أهل السنة والجماعة من أنه ليس بمخلوق، أي ليس بمخلوق خلقه الله جل وعلا. وإنما مقصودهم ليس بمخلوق، أي مختلق، أي كذب واضح، ليس بحق ولا بصدق. قال رحمه الله: ولا ريب أن هذا المعنى منتف باتفاق المسلمين، أي لا نزاع بين المسلمين أن القرآن ليس بمفترى، كما أنه لا نزاع بين السلف بأن القرآن ليس بمخلوق من مخلوقات الله جل وعلا. وأن من قال بأن القرآن مخلوق، سواء كان بمعنى مخلوق من مخلوقات الله، أو أنه مفترى، فإنه كافر بالله العظيم. قال رحمه الله: والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقا خلقه الله، أو هو كلامه الذي تكلم به وقام بذاته. وأهل السنة إنما سئلوا عن هذا، وإلا فكونه مكذوبا مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه. ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وإنما يزعمون أن عقلهم دلهم عليه. قال رحمه الله: ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة لم يكن بينهم نزاع. ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه فرق بها بينهم. وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد. والذي يدل على هذا كلام الطحاوي رحمه الله: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم على مذهب سلف الأمة. قال رحمه الله: وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله في الفقه الأكبر، فإنه قال: والقرآن في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم منزل. ولفظنا بالقرآن مخلوق، والقرآن غير مخلوق. وما ذكر الله في القرآن عن موسى عليه السلام وغيره، وعن فرعون وإبليس، فإن ذلك كلام الله إخبارا عنهم. وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم. وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته، لم يزل وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين: يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا. قال رحمه الله: وقوله: الذي هو من صفاته، يعلم منه أنه حين جاء كلمه لا أنه لم يزل ولا يزال أزلا وأبدا. يقول: يا موسى، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. قال رحمه الله: وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض حاصل في الدلالات لا في المدلول. وهذه العبارات مخلوقة، وسميت كلام الله لدلالتها عليه وتأديتها به. فين عبر بالعربية فهو قرآن، وين عبر بالعبرانية فهو توراة. قال رحمه الله: وهذا الكلام فاسد، فإننا قوله رحمه الله: وكثير من المتأخرين حنفي على أنه معنى واحد، على أن كلام الله معنى واحد. وهذا ما يعبر عنه بالكلام النفساني. الكلام النفساني أو المعنى: كلام نفساني هو المعنى. يقول: معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد. قال رحمه الله: فإن لازمه أن معنى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا.