شرح مختصر سيرة الرسول 118

شرح مختصر سيرة الرسول 118

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 118، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

بداية ردة اليمامة وادعاء مسيلمة النبوة

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ادعى مسيلمة الكذاب النبوة واستمال معظم بني حنيفة، فبدأ أبو بكر الصديق بقتالهم كأول أعمال خلافته.

افتراء الرجال بن عنفوة وثبات ابن عمر ليشكري

ادعى الرجال بن عنفوة أن النبي أشرك مسيلمة في النبوة، فاغتر به الناس، بينما ثبت ابن عمر ليشكري على الإسلام ونظم شعراً يكذب مسيلمة والرجال.

افتضاح كذب مسيلمة وشرط أبي بكر لقبول التوبة

تكشفت كذبة مسيلمة بتحول بركاته المزعومة إلى نقم، وشرط أبو بكر على المرتدين الراغبين في التوبة أن يلتحقوا بخالد بن الوليد ويقاتلوا معه.

تعليق ابن الجهم على المنافقين وختام الدرس

بين ابن الجهم أن المنافقين الذين انكسروا مع المسلمين يوم اليمامة كانوا فتنة لعدم صدقهم، ثم أشار إلى الاكتفاء بهذا القدر واستكمال الباقي في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ذكر أحداث أهل الردة وقتال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه لهم. وقفنا عند ذكر ردة أهل اليمامة. قال: «ذكر ردة أهل اليمامة مفتونين بمسيلمة الكذاب». قال: عن رافع بن خديج قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وفود العرب، فلم يقدم علينا وفد أقسى قلوباً، ولا أحرى أن يكون الإسلام يقر في قلوبهم من بني حنيفة، وكان مسيلمة مع الوفد. يعني أنهم كانوا من أقسى قلوب الوافدين، ومن كذلك أبعد ما يكون من استقرار الإسلام في قلوبهم. قال: فلما انصرفوا إلى اليمامة ادعى -أي مسيلمة- أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة، يعني أنه شريك له في النبوة، وأنه يوحى إليه كما يوحى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الله أنزل نبيين: نبياً إلى قريش، ونبياً إلى بني حنيفة. قال: وكتب إليه -يعني كتب مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم-: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله». انظر هذا تصريح بأنه نبي. «أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوم يعتدون». بمعنى أنهم استأثروا بالنبوة وجعلوها في نبيهم. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب». ووصفه بالكذب لأنه ما شيء أعظم كذباً من ادعاء النبوة. «أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين». بمعنى أنك كذاب، وأن التمكين في الأرض إنما هو للمتقين المؤمنين، أما المفترون والكذابون فمصيرهم إلى الهلاك والزوال. قال: وجد عدو الله ضلاله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الوفود كانت بعد فتح مكة وبعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وهذا في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، فلم يكن هناك وقت لغزو هذا الكذاب في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك لما مات رسول الله كان من أول أعمال خليفته أبي بكر رضي الله تعالى عنه قتال هؤلاء أصحاب الردة. قال: وجد عدو الله ضلاله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك. بمعنى اتفقوا أو أيدوا هذا الكذاب ووقفوا معه واصطفوا معه، إلا أفذاذاً من ذوي عقولهم. يعني إلا أفراداً قليلاً من ذوي العقول النيرة والفطر المستقيمة، فأبوا أن يتبعوا هذا الكذاب. وأما غالب بني حنيفة فقد اتبعوا هذا الكذاب. قال: وكان من أعظم ما فتن به قومه شهادة الرجال بن عنفوة له بإشراك النبي صلى الله عليه وسلم إياه في الأمر. الرجال هذا بضم الجيم. الرجال بن عنفوة حضر مع مسيلمة عند قدومهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فادعى هذا الرجل وشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك مسيلمة في النبوة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمسيلمة: «أنت شريك لي في النبوة». هكذا زعم هذا الرجل. قال: وكان الرجال من الوفد الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ القرآن وتعلم السنن. قال ابن عمر: وكان من أفضل الوفد عندنا لما يرى عليه من الصلاح، ومن التقوى، ومن كذلك الاهتمام بالقرآن والعلم، فكان أعظم فتنة على أهل اليمامة من غيره لما كان يعرف به. وهذا فيه أن فتنة العالم أو الصالح أو الزاهد أو العابد ليس كفتنة غيره من الجهال، فإن هؤلاء يفتتن بهم الجهلة لما يرون عليهم من الصلاح والعلم والعبادة ونحو ذلك. فكان هذا الرجل ممن به اشتدت الفتنة، فتنة الاغترار بدعاء مسيلمة للنبوة. قال رافع بن خديج: كان بالرجال -أي ابن عنفوة- هذا الرجل، كان بالرجال من الخشوع ولزوم قراءة القرآن والخير فيما يرى شيء عجب. وكان ابن عمر ليشكري من أشرافهم، وكان صديقاً للرجال، وكان مسلماً يكتم إسلامه. أي لم يصدق بمسيلمة ولم يتبعه، فكان يكتم إسلامه، فثبت على الإسلام. وكان هذا الرجل -يعني ابن عمر ليشكري- من أشراف بني حنيفة، وكان صديقاً للرجال هذا الذي شهد لمسيلمة. قال: فقال شعراً فشى في اليمامة، أي ظهر وانتشر، حتى كان الوليدة والصبي ينشدونه. الوليدة يعني البنت الصغيرة، والصبي الولد الصغير. وكانوا يحفظون هذا الشعر، وفيه بيان كذب مسيلمة وكذب شهادة الرجال. ماذا قال في هذا الشعر؟ قال: يا سعاد الفؤاد بنت أثالي طال ليلي بفتنة الرجال إنها يا سعاد من حدث الدهر عليكم كفتنة الدجال انظر، صرح بأنها فتنة وأنه كذاب. فتن القوم بالشهادة، والله عزيز ذو قوة ومحال. أي فتن الرجال القوم بشهادته لمسيلمة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة. فتن القوم بالشهادة، والله عزيز ذو قوة ومحال. لا يساوي الذي يقول من الأمر قيالاً، وما احتذا من قبالي. إن ديني دين النبي، وفي القوم رجال ليس لنا برجالي. وما يريد بدين النبي -أي النبي محمد عليه الصلاة والسلام-، فصرح بأنه مؤمن برسول الله وكافر بمسيلمة. أهلك القوم محكم بن طفيل، ورجال ليس لنا برجالي. وهذا سيأتي، محكم بن طفيل أيضاً ممن ناصر مسيلمة، واغتر به من اغتر من قومه. بزم أمرهم مسيلمة اليوم، فلن يرجعوه أخرى الليالي. قلت للنفس إذ تعاظمها الصبر وساءت مقالة الأنذال يعني أن صبره نفذ ولا بد أن يصدع بالحق. قلت للنفس إذ تعاظمها الصبر، وساءت مقالة الأنذال. يعني ساءت ما قاله هؤلاء من دعوى النبوة. ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال. يعني النفس قد تجزع من شدة وكربة، لكن الفرج يكون قريباً، فيكون هذا الفرج كحل العقال، أي الذي يربط به الراحلة. هذا دليل على شجاعته وعلى صدعه بالحق. فبلغ ذلك مسيلمة ومحكم، وهذا معنى قول محكم بن طفيل، وإنما خففه للوزن، وإلا فاسمه محكم. رجل اسمه محكم بن طفيل. فبلغ ذلك مسيلمة ومحكماً وأشرافهم، ففاتهم، يعني هرب من بينهم ولحق بخالد، فأخبره بحالهم ودله على عوراتهم، لأنه خرج من بينهم فهو يعرف مداخلهم ومخارجهم. قال: وعظمت فتنة بني حنيفة بكذابهم، إذ كان يدعو لمريضهم ويبرك على مولدهم. يعني كانوا يتبركون به كتبرك الصحابة رضي الله تعالى عنهم بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وشتان بين الأمرين. قال: ولا ينهاهم عن الاغترار به ما يريهم الله ما يحل به من الخيبة والخسران، لأنه كذاب، فربما أحياناً يبرك على شيء فتكون النتيجة الخيبة، ليست البركة بل الخيبة والنقص، وكذلك الخسران. وسيمثل لذلك. قال: جاء رجل بمولود فمسح رأسه فقرع، وقرع كل مولود له قرع. بمعنى صار أقرع لا شعر له. انظر، ويريد أن يعني يبارك الله عز وجل في هذا الولد، فإذا بهذا الولد خاب إذ شوه بهذا الأمر، وهو ذهاب شعر رأسه. بل ليس في هذا المولود فقط، من أولاد هذا الرجل كل مولود له صار أقرع. فأي بركة هذه؟ قال: وجاء آخر فقال: إني ذو مال، وليس لي مولود يبلغ سنتين حتى يموت، إلا هذا المولود هو ابن عشر سنين، ولي مولود ولد أمس، فأحب أن تبارك فيه وتدعو أن يطيل الله عمره. قال: سأطلب لك. فرجع الرجل إلى منزله مسروراً، فوجد الأكبر قد تردى في بئر، ووجد الأصغر في نزع الموت. الكبير الذي هو حريص على حياته وقد بلغ عشر سنين توفي، مات، سقط في بئر ومات. أي بركة هذه؟ وأما الصغير فذهب ووجده في نزع الموت، يعني في حال الاحتضار، فلم يمس ذلك اليوم حتى ماتا جميعاً. فأي بركة هذا؟ وتقول أمهما: لا والله، ما لأبي ثمامة عند إلهه منزلة. محمد صدقت، لأنه ما رؤي على أفعاله شيء من البركة. أما النبي عليه الصلاة والسلام فيدعو للمسلمين فتصلح أحوالهم، وتزداد أموالهم، وتصلح ذرياتهم. أما هذا فلكذبه يحل بهم من الخيبة والخسران عكس ما يرجون. قال: وحفرت بنو حنيفة بئراً فاستعذبوها، يعني وجدوا ماءها عذباً، ماءها عذب. قال: فأتوا مسيلمة وطلبوا أن يبارك فيها، يعني أن يجعلها بئراً مباركة يزداد ماءها ويزداد عذبها. قال: فبصق فيها، فعادت ملحاً أجاجاً، عادت مثل البحر ملحاً أجاجاً. فأي بركة هذه؟ هكذا الكذب. قال: وكان الصديق رضي الله عنه قد عهد إلى خالد: إذا فرغ من أسد وغطفان والضاحية أن يقصد اليمامة، يعني بلد بني حنيفة ومسيلمة، وأكد عليه ذلك. فلما أظفر الله خالدا بهم تسلل بعضهم إلى المدينة، يعني من بني حنيفة، يسألون أبا بكر أن يبايعهم على الإسلام. فقال: بيعة إياكم وأماني لكم أن تلحقوا بخالد. يعني ارجعوا إلى خالد بن الوليد، فمن كتب إلي خالد أنه حضر معه اليمامة فهو آمن، وليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا تقدموا علي. نعم، لأن بعضهم ربما جاء تقية وخوفاً من الموت، ولا يزال على ما هو عليه من الردة. فلذلك لا يصدق أحد خرج من اليمامة وزعم أنه ليس مع مسيلمة، إلا بأن ينضم إلى خالد فيقاتل معه، هذا هو الطريق لكل من هو صادق في رجوعه. قال ابن الجهم: أولئك الذين لحقوا به هم الذين انكسروا بالمسلمين يوم اليمامة ثلاث مرات، وكانوا على المسلمين بلاء، لأنهم ليسوا صادقين، ليسوا صادقين. طيب، لعلنا نكتفي اليوم بهذا، ونكمل الباقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.