الصحيح المسند من دلائل النبوة  93

الصحيح المسند من دلائل النبوة 93

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 93، الدرس الثالث والتسعون:من( قال الإمام البيهقي رحمه الله في دلائل النبوة:أنبأنا أبو طاهر ... إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلآت منها فمات منها.هذا حديث حسن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آية الكفاية ودلائل النبوة

يشرح تفسير آية "إنا كفيناك المستهزئين" وقصة المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم. يبرز دلائل النبوة في حماية الله لنبيه وعصمته له.

لطف الله في البلاء والإيمان بالغيب

يُبيّن لطف الله عز وجل بعباده في البلاء، ويوضح أهمية الإيمان بالغيب وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أدلة الكتاب وصحيح السنة.

أحكام الجهاد والقتل والانتحار

يتناول أحكامًا تتعلق بالقتل والجهاد، مثل قتل المسلم للكافر، والانتحار، وقتل الجاسوس، ويشرح الشروط والضوابط لهذه الأحكام.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام البيهقي، رحمه الله، في «دلائل النبوة»: أنبأ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه، رحمه الله، قال: أنبأ أبو بكر محمد بن الحسين القطّان، قال: حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدثنا عمر بن عبد الله بن رزين، قال: حدثنا سفيان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾، قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد العزى، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل. قال: فأتاه جبريل عليه السلام، شكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراه الوليد أبا عمرو بن المغيرة، فأومى جبريل عليه السلام إلى أبجله. قال: الأبجل: عرق غليظ في اليد أو الرجل، إذا قطع نزف حتى الموت. ومثله الأكحل، يعني العرق الأكبر كالشريان أو الوريد. قال: فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته. أو كفيته، بمعنى كفية النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومى جبريل إلى عينه. ومعنى أراه: صورته. وأومى إلى عينه: يعني أشار إلى عينه. معناه: سيصاب في عينه. والأول: سيصاب في هذا العرق في يده. قال: ما صنعت؟ قال: كفيته. ثم أراه الأسود بن عبد يغوث الزهري، فأومى إلى رأسه، فقال: ما صنعت؟، قال: كفيته. ثم أراه الحارث بن عيطل السهمي، فأومى إلى رأسه، أو قال: إلى بطنه. فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته. ومر به العاص بن وائل، فأومى إلى أخمصه، فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته. فأما الوليد بن المغيرة، فمر برجل من خزاعة، وهو يريش نبلًا له، فأصاب أبجله فقطعها. ومعنى يريش نبلًا: يعني يجرب نبلًا له فيها ريش. قال: وأما الأسود بن المطلب، فعمى، فمنهم من يقول: عمى هكذا، يعني بغير سبب ظاهر. ومنهم من يقول: نزل تحت سمرة. وشجر السمر معروف، فيه شوك كثير ومضر. قال: فجعل يقول: يا بنية، ألا تدفعون عني؟ قد قتلت. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا. يعني ما نرى أحدًا يؤذيك. قال: وجعل يقول: يا بنية، ألا تمنعون عني؟ قد هلكت. ها هو ذا أطعن بالشوك في عيني. يعني أحدهم يطعنني بالشوك في عيني، وهم لا يرون شيئًا. أي: أبناؤه قالوا: فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا. فلم يزل كذلك حتى عمى عيناه. قال: وأما الأسود بن عبد يغوث الزهري، فخرج في رأسه قروح، فمات منها. وأما الحارث بن عيطل، فأخذه الماء الأصفر في بطنه، وهو ما يسمى بالصفار، حتى خرج من فيه، يعني من شدته، فمات منها. وأما العاص بن وائل، فبينما هو كذلك يومًا، إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلأت منها، فمات منها. والشبرقة: نوع من الشوك، كما في «النهاية». قال: هذا حديث حسن. والحديث كما قال، أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة»، وهكذا الطبراني في «الأوسط»، وهو حديث حسن. وفي إسناد الطبراني محمد بن عبد الحكيم، قال الهيثم: لا يعرف. لكن بهذا الإسناد يرتقي إلى الحسن. فهذا الحديث فيه معنى آخر من معاني تفسير الآية، في حماية الرب سبحانه وتعالى لنبيه، وعصمته له، وهو من دلائل النبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. فهؤلاء المذكورون في هذا الحديث كانوا ممن يؤذون النبي عليه الصلاة والسلام بالاستهزاء وغيره، فنصره الله عز وجل عليهم، فأرسل له جبريل يخبره بما سيبتليهم الله عز وجل به قبل الابتلاء، وبما يعذبهم به قبل العذاب، فكان كما أخبره جبريل عليه السلام، كل واحد بما سمعنا مما أصابه. وهذا مع غيره مما سبق، ومما سيأتي، اجتماع ذلك كله من دلائل نبوتي وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. فإنه لا يجتمع مثل ذلك لسائر الناس، فاجتماعه لنبينا عليه الصلاة والسلام يدل أنه رسول الله حقًا وصدقًا، وأن الله عصمه وحفظه من الناس. وفي الحديث مسائل أخرى، فيه كذلك من المسائل: كما تقدم الإشارة إليه في أحاديث سابقة، سنة الله عز وجل في الصراع بين أهل الحق والباطل، فلا ينبغي لصاحب الحق أن يتأذى، وأن يتكدر وينزعج مما قد يلقاه من أعداء. فهذه سنة الله عز وجل، الابتلاء والامتحان، وصراع الحق والباطل إلى قيام الساعة، بل كل صاحب حق ينبغي أن يوطن نفسه أنه ما دام في الدنيا فلابد له من امتحان وابتلاء. ونسأل الله عز وجل أن يلطف بنا، وأن يعيننا على الثبات والاستقامة حتى نلقاه. وهكذا فيه كذلك من المسائل: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من صبره لأذى المشركين له. فإذا كان هذا في حقه عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى أن يصبر. وفيه من المسائل كذلك: أن عدم الابتلاء أو التمكين ليس علامة على الفلاح وعلى الصدق. فإن صاحب الحق قد يبتلى وقد يمتحن وقد يؤذى، فإذا كان هذا قد وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى، حتى لا يقول قائل: لو كان صاحب حق ما آذاه أحد، لو كان صاحب حق لم يحصل له ما حصل. ليس هذا بميزان، لأن أهل الحق قد يحصل لهم الامتحان والابتلاء. فإن قال قائل: كيف نفرق بين العذاب الذي يكون في مقابل غضب الله عز وجل ونقمته، وبين الابتلاء والامتحان الذي يكون لأهل طاعته؟ ذكر ابن القيم، رحمه الله، ما معناه في التفريق: أن ابتلاء الله عز وجل لأوليائه يكون فيه لطف، ولا يكون فيما ينافي ما يحبه لهم من الدين. أما ما يكون لمن يعذبهم، فلا يكون فيه لطف، ويكون فيما ينافي ما يحبه من الدين. فهذا يتوفاه ربنا سبحانه على معصية، وهذا على كفر، وهذا على سكر، وهذا على زنا، وهذا على كذا. هذا العذاب ظاهر أنه عذاب. فكونه توفاه الله على هذه الميتة الشنيعة يدل على أنه محروم من المحرومين، وأنه عذاب عذبه الله بذنوبه. بخلاف صاحب الطاعة، ربما يتوفاه الله كذلك، لكن قد يكون وهو ذاهب لعمرة، أو راجع من حج، أو وهو يؤدي بابًا من أبواب الطاعة والدعوة، وغير ذلك. فهي كرامة من الله عز وجل له، أن توفاه الله على عمل صالح، أو بعد عمل صالح، يعظم الله عز وجل له الأجر مع هذا البلاء. فليس الأمر سواء، صحيح هذا صار له حادث، وهذا صار له حادث، لكن هل الحادث سواء؟ الجواب: لا، ليس سواء. وهكذا كذلك في اللطف، في اللطف. اللطف في هذا البلاء، فما يبتل به أهل الإيمان يكون فيه لطف في البلاء، بخلاف ما يكون من عذاب، فإنه يكون ظاهرًا بما لا يكون من لطف الله عز وجل. وربما عذاب واحد يختلف فيه ما يصيب المؤمنين، وما يصيب الكافرين والفاجرين. وأذكر لكم مثالًا فيما وقع في تسونامي الذي وقع الأخير، أو ما قبل الأخير، في جزر أندونيسيا وما حولها. لا يخفى عليكم ما وقع هناك. ومن عجيب ما وقع: أني التقيت في هذه الرحلة الأخيرة بأحد إخواننا السلفيين، وهو إمام مسجد، قبل أن يأتي تسونامي، كان في دكانه، ودكانه على البحر، على ساحل البحر، وبيته قريب من الدكان، ليس عنده إلا زوجته. قال: هو فتح الدكان، يريد يأخذ بعض الأغراض، ثم تركه مفتوحًا وذهب. وأراد أن ينظر البيت ويرجع، فإذا وهو ذاهب يرى شيئًا غريبًا في البحر، البحر ينسحب انسحابًا غريبًا، يعني إلى الداخل. فشعر أنه سيحصل شيء، بدأ يأخذ غراضه. وبينما هو كذلك، زوجته استبطأته، استبطأته، يعني رأته تأخر، مفروض أن يأتي بهذا الوقت إلى البيت. فبينما هي أتت إليه، ورأت هذا المنظر، الماء يتراجع إلى الخلف، فإذا به تقول له: ارجع بسرعة، يعني نمشي، كأن في شيء سيحدث. فتأخذه، ثم يتذكر أنه نسي شيئًا مهمًا، فقال: لا، لابد أرجع وأخذ هذا الشيء. فتحذره أنه قد يحصل شيء، وهو يأبى إلا أن يرجع، فيرجع، ثم يأتي الموج مثل الجبال، يأتي موج مثل الجبال. قال: فأدركت أنه إن كان شاء الله، وأما أنا عبد ضعيف، إنسان صغير أمام هذا الموج مثل الجبال، ماذا عسى أن يصنع؟ فجاء الموج وأخذه، والماء يدور بقوة، وتعرفون قدرة سرعة الماء، بسبعمائة كيلو متر في الساعة، يعني سرعة: الطائرة. سرعة قوة الدفع الماء كقوة الدفع الطائرة. وهذا الرجل الضعيف أخذه هذا الماء، قال: كنت أطلع إلى الأعلى، وأقول: لا إله إلا الله. يحكي لي بنفسه، قال: فينزلني الماء إلى الأسفل، فلا أدري أنا حي أو ميت، ثم أرى السماء مرة أخرى، وهكذا. قال: ولا أدري ما مصير زوجتي. قال: فأخذنا الماء حتى أوصلنا إلى الجبل، وبين الساحل والجبل رأيته قرابة سبعة كيلومترات أو أكثر، تقريبًا سبعة كيلو أو أكثر. والجبل عالي، الماء من شدة قوته يتعدى كل شيء أمامه، ما في شيء يوقفه، لا أشجار ولا بيوت ولا شيء، حتى يصل إلى الجبل. قال: فأوصلنا إلى الجبل، ثم ردنا مرة أخرى إلى البحر، مرة أخرى. وهو في ذاك الوقت، قال: أنا ما أدري هل هذه هي القيامة؟ أنا قد مت. قال: ظننت أني قد مت، وأن الموت قد مر علي، وأن هذا الذي أراه الآن هو القيامة. قال: فلما رأيت المناظر، قلت: لا، هذا الدنيا نفسها مرة أخرى. فردّه مرتين، يرده إلى الماء، ورده مرة أخرى إلى الجبل. والعجيب سبحان الله، قال: فرماني الماء على ذلك القوة في طرف في الجبل، وإذا بزوجتي بجانبي، وقد تعلقت رقبتها، رأسها بطرف جذع شجرة، كان سبب نجاتها، يعني مثل المنطبق، حرف سبعة، أو رقم سبعة، علق برقبتها، وصار رأسها في الأعلى. قال: فنزعت الشجرة من رقبتها، وأهزها، فإذا حية. حية، خرج منها ماء كثير، وخرج مني ماء كثير. قال: وبقينا أيامًا في ذاك الجبل، ولا ندري ما جرى للناس، لا ندري ما جرى للناس، ولم يجدا شيئًا يأكلانه. وانظروا كيف تسخير الله عز وجل له حتى في الرزق، إلا قال: ثمرة النخيل. وثمرة النخيل عند الأطباء من أحسن ما يشرب لمن ابتلي بماذا؟ بالغرق، فهو يصف الدم، ويعين كذلك لذهاب الاستسقاء، وغير ذلك. بقي على هذا أيامًا، فنزل يتفقد الناس، فرأى الشيء العجيب، الموت الذي لا يعد في ذاك المكان، وأشياء عجبة كثيرة، مما لا يخفى عليكم، مما نقل في الأخبار، وما أخبرني به الإخوة. والله أكبر، بكثير مما سمعناه. الشاهد من هذا: انظر إلى لطف الله عز وجل لبعض عباده الصالحين، نحسبهم كذلك، والله حسيبهم. لطف الله عز وجل بهم في هذا البلاء. وهكذا بعضهم ربما يتوفاه الله، لكن بوفاة فيها لطف. وأحد الإخوة كذلك من إخواننا السلفيين، لما جاء الماء، قال: قلت: أين النجاة؟ الماء يأخذ أشياء عظيمة. قال: فصعدت بشجرة بجانب بيتي، قال: ما أتوقع أن الله ينجيني بها، هو وأسرته جميعًا، الأطفال صعدوا على هذه الشجرة. قال: فأخذ الماء كل شيء، البيوت وكل شيء، إلا هذه الشجرة، سبحان الله، إلا هذه الشجرة ما أخذها، وهو وأولاده فوق الشجرة. فالله عز وجل يلطف بعباده في البلاء، يجعل الله عز وجل فيه لطفًا، فبهذا يتميز الإنسان، الفرق بين ما يكون من عذابه إذا عذب قومًا، وما يكون من لطفه فيما إذا ابتلى قومًا، سبحانه وتعالى. وفي هذه الدنيا من أمثال هذا كثير، مما يكون به للناس أو فيه للناس آية وعبرة. وفي الحديث من المسائل كذلك: شيء آخر من أمر الغيب الذي لا يعلمه الإنسان ولا يدركه، وهو في هذه الدنيا. فإن الإنسان لم يدرك كل شيء، ولم يحط بكل شيء. ومن ذلك: أن في الدنيا عالم غيبي، والناس بهذا بين إفراط وتفريط. فناس يعيشون في الخيالات والتصورات والأوهام والتكهنات لهذا العالم الغيبي. وأناس آخرون يجحدون وينكرون هذا العالم الغيبي. وأما أهل الحق الذين تتبعوا ما جاءت به الأدلة الصحيحة الصريحة من أدلة الكتاب وصحيح السنة، يثبتون ما جاء عن هذا الغيب جملة وتفصيلًا. فما علموه أثبتوه، وما لم يعلموا به وقفوا عنده. فنقر بعالم الملائكة، ونقر بعالم الجن، ونقر كذلك بتأثير الملائكة والجن، وما يكون من أثرهم، أثرهم على بني آدم على عالمهم. وهكذا كذلك نقر: أن ما في ذاك العالم لا يوزن ولا يقاس بما في عالم بني آدم. فالنبي صلى الله عليه وسلم سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس إلى السماء، وهذا بميزاننا لا يمكن، ولكنه بميزان الغيب الذي لا نعلمه، وتحت قدرة الله التي لا يقف عندها شيء، وهو على كل شيء قدير، لا يستغرب الإنسان مثل هذا. وأكرر لكم: ضرب بعض الأمثلة يكون به تقريب البعيد، وإدخال اليقين لمن في قلبه شك. فكم من الغيب الذي لم نعلمه مما هو في عصرنا اليوم، وكان بالنسبة لمن قبلنا من الغيب الذي لا يعلمونه؟ ربما لو أخبروا به لكذبوه. واليوم نفس الإنسان لا يجد ترددًا في إثباته وإقراره بعد رؤيته ومشاهدته. فلا ينكر الإنسان اليوم، ولا يجد كذلك شكًا ولا حرجًا في الإقرار بما هو في حياة الناس اليوم. من كان يصدق الكثير من الأشياء التي تقع اليوم أنها ممكن أن تقع: أن الإنسان يتكلم مع آخر في طرف الدنيا، ويسمع صوته مباشرة؟ هل ممكن هذا قبل ألف سنة؟ ما أحد يصدق هذا. لو قيل لإنسان: أنت مجنون. أو: ورقة تدخلها من هنا، وتخرج في الطرف الآخر من الدنيا، نفس الورقة الذي أخرجتها من هنا، وهو ما يسمى بالفكس. أو كذلك: صعود الإنسان إلى الهواء في السماء، أو نزوله في أعماق البحار، أو غير ذلك مما وجد في هذا الزمان، ولم يكن قبل ذلك. فما هو الذي جعل عقل الإنسان يقبل مثل هذا؟ الحس والمشاهدة. فكذلك هذا العالم الغيبي الذي لم نطلع عليه، لم يجد الإنسان لن يجد الإنسان بدًا من إثباته إذا شاهده وأحسه. فكيف بخبر أصدق الصادقين، وهو الصادق والمصدوق، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخبرنا بذلك، وقد شاهده وأحسه؟ كيف لا نصدق خبره؟ أليس اليوم لو أخبرنا أدنى إنسان بهذا الخبر، فيأتي إنسان فينكره، نقول له: أنت مكابر، تنكر شيئًا ثبت بالعلم الضروري، وبما تواتر العلم فيه، ولا عد من المكابرين أو من المجانين؟ وهكذا كذلك: ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام بكل ما أخبر به عن هذا العالم الغيبي، نؤمن به ونصدقه، وإن لم نعرف كيفيته، ولم ندرك كنهه وحقيقته، لكننا نؤمن أنه صادق مصدوق، ولا يقول إلا ما كان حقًا وصدقًا. فلا نجد إلا التسليم لكل ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، ما دام صح عنه. وأما كيفيته، فهو من الغيب الذي لا نعلمه. فمثلًا: هذه الأشياء التي أخبر بها جبريل، ثم وقع مثل ما أخبرت، ولم يدركها الناس، وأدركها أصحابها الذين ابتلوا بها. هذا: عمية عينه، وهو يرى أن أحدًا يؤذيه بشوك، والناس حوله ما يرون شيئًا. هذا حق وصدق، نؤمن به، وكما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، نثبته ونقره، وهو من الغيب الذي لا يدرك الإنسان، ولا يمنع أنه لا يدركه أن يثبته. فما أكثر الأشياء التي يثبتها بعد مشاهدتها. فكذلك خبر الصادق المصدوق، نقر به. وأخيرًا: فيه من المسائل كذلك: نصرة الله عز وجل لعباده وأوليائه. فينبغي للإنسان أن لا ييأس من نصر الله، مهما ابتلي ومهما أوذي. فالله عز وجل ينصر عباده: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ولكن لابد من الصبر. فالفرج بعد الشدة، والنصر مع الصبر. طيب، نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم. يقول: من المعلوم أن ما حصل في تسونامي من العذاب، فهل يجوز أن يسكن الشخص بها بعد ذلك؟ وإذا مر بها، هل يسرع أم لا؟ بارك الله فيكم. هي بلاد إيمان وإسلام، وشعائر الإسلام فيها ظاهرة، فلا تقاس على مواضع العذاب في بلاد الكفار، وفي الأمم الكافرة. لأن تلك الأمم لم يبق منها شيء. هذا أولًا: ورد به الدليل. وثانيًا: عذبت الأمة بأكملها، فلا يقاس. وليس هذا محل قياس. لكن هذا يستدعي أن الإنسان يبتعد عن مواضع العذاب، يعني ما نستطيع نقول: أنه يجب. لأنه ربما يكون سببًا لعودة الناس وتوبتهم ورجوعهم. وكما أخبرني الإخوة: أن الحال بفضل الله عز وجل أحسن في السنوات الأخيرة، بعد ما وقع للناس. وإن كان الكثير منهم ما زال في غفلته، وللأسف. لكن لا يعني ذلك أن يحكم الإنسان أنه يحرم البقاء في تلك البلاد. أما أفضلية الخروج، لا شك، لا شك أنه ينبغي للإنسان أن يخرج من البلاد التي هي مظنة العذاب، والغضب من الله سبحانه وتعالى، إلى غيرها. ولا يغفى على الناس وعلى الإخوة: أن تلك المواضع مستهدفة من أعداء أعداء أهل هذا الدين. يكفيك أن تعلم أن تلك المواضع يروج لها في السياحة، فيكون فيها إتيان الكفار والفجار، ما لا يكون في غيرها من البلاد. وربما غيرها أفضل منها. ربما غيرها أفضل منها. لكن هناك أغراض ومقاصد لهم. فإذا استشعر ذلك أهل الحق، وواجهوا هذا الحق بالدعوة والتعليم والتوجيه، حتى لا يسلط الكفار على بلاد المسلمين، ويكون بذلك الغلبة لهم ولأفراخهم من الفجار، فهذا مأجور. يعني مثل إنسان يدعو إلى الله، ويجتهد، وكذا وكذا، ويعلم الناس، ويوجه، ويقوم بالنصيحة في المجتمع، فهو مأجور في هذا، ما دام يوجد أناس يقبلون، فيصبر. وقد قعد نوح عليه الصلاة والسلام في قومه يدعو أكثر من ألف سنة وخمسين عامًا، حتى أخبره الله عز وجل أن يهيئ ما يكون به نجاته، فينزل العذاب بمن بقي. فما دام أنه يسمع للإنسان، فيجتهد. لكن يحرص على أن لا يكون استقراره في مواضع الفساد، وما هو مضنة العذاب. وفرق بين الأمرين. والله أعلم. يقول: ما هو الفرق بين «أنباءنا» و«حدثنا»؟ الأصل أن بينهما فرق، لكن الكثير من المحدثين لا يفرق في هذه التعابير، وصيغة التحمل، إلا القليل منهم. وقد مر معنا في دروس المصطلح، ولعل الكثير منكم درس في دروس أخرى: ما ذكره العلماء في صيغ التحمل، وصور التحمل. فبعضهم يجعل التحديد خاصًا بالقراءة على الشيخ، أو قراءة الشيخ. وعلى خلاف بينهم في هذه الصيغ. وبعضهم لا يبالي، ولا يكترث في التعبير بأي هذه الألفاظ. يقول: هل يجوز قتل المسلم لكافر إذا قتله عمدًا؟ وما حكم الانتحار؟ وما حكم قتل الجاسوس؟ قتل المسلم للكافر إذا قتله عمدًا، إذا يريد المسلم يقتل الكافر، متى؟ إذا قتله في أرض المعركة التي يأذن الله عز وجل بها، وفي إمرة المسلمين، وولي الأمر المسلم، فهذا من المشروع، وهو من الجهاد في سبيل الله. سواء لدفع بغي الكفار على المسلمين، أو كذلك لدفع بغي الكفار على من تحت أيديهم، بإيصال الإسلام إليهم. وأما إن كان المعنى القتل بغير هذه الضوابط، القيود، فهذا باطل، ولا يقره ديننا. فالكافر ليس إذا صار كافرًا ليس له حرمة، بل جعل الإسلام له حرمة بضوابط أوصاف. فلا يجوز قتل الكافر الذمي، ولا المعاهد، ولا المستأمن. وقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن فعل ذلك، وتوعد أن لا يشم الجنة وريحها، أي: أن يكون من أهل النار، بسبب فعله ذلك. وأما إذا قتل الكافر المسلم، أو إذا قتل المسلم الكافر خطأ، هل يقتل به؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. الصحيح: أنه لا يقتل به، إلا إذا كان فيه شيء مما يكون لولي الأمر أن يقتله به، كحد الحرابة، ونحوه من الإفساد، فنعم، يقتل به. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فيجوز لمن كان من المفسدين أن يقتل، ولو بالكافر، ولو بالكافر. وأما حكم الانتحار، فلا أظن أنه يخفى، فهو من كبائر الذنوب، ولا يزال من قتل نفسه يقتل نفسه يوم القيامة، ويبعث كذلك، ولا يزال في كذلك في النار كذلك، يقتل نفسه، ويعذب بذلك إلى ما شاء الله. وما يفعله بعض الناس مما يسمى بعمليات انتحارية، سبق الجواب عليه في مجال السابق كثيرًا، فهو محرم، ولا يجوز، وهو من الإفساد في الأرض. فمع ما فيه من أنه كبير من الكبائر، حتى بعض أهل العلم رآه أنه كفر، وروي هذا عن ابن عباس: روي عن ابن عباس أن من قتل نفسه فقد كفر، لأجل أن تعلم أنه ليس بالأمر السهل. فهو مع كونه من الذنوب العظام، ومما يوجب العذاب العظيم، فهو كذلك فعل فاسد لا يقره الشرع، تحصل به مفاسد كثيرة، حتى صارت بعض هذه الأعمال مجسوسة بأيدي الكفار، إذا أرادوا أن يتسلطوا على بلاد، أكثروا فيها هذه الفوضى، بدفع بعض سفهاء الأحلام، وصغار السن إلى مثل هذه الأعمال، ثم صاروا بهذه الفوضى يتدخلون في تلك البلاد التي يريدون الإفساد فيها. فلا يجوز للمسلم أن يعين الكفار على التسلط على بلاد المسلمين، مع ما فيه كذلك من أمور أخرى، فهو فيه إضرار بالمسلمين، وإضرار بما لا يجوز إفساده. فلأموال المسلمين حرمة، حتى الكافر، كما قلنا: إذا صار ذميًا، أو معاهدًا، أو مستأمنًا، له حرمة، وماله له حرمة. فهذا الذي يريد الإسلام يجب عليه أن ينضبط بالإسلام الصحيح، بموجب ليس ما يهوى ويعشق ويستعطف، ولكن بموجب أدلة الكتاب والسنة. أنت بهذا مسلم. وأما باتباع ما تهوى، فأنت صاحب هوى، تعبد هواك، لا تعبد الله، كما أنك ترمي من يفعل المعاصي بأنهم أصحاب هوى، فكذلك أنت يا من سلكت هذا المسلك تعبد هواك، لأنك لا تريد أن تأخذ الدين بموجب الأدلة الشرعية، وما يقوله العلماء ممن هم أعلم منك، وأحرص على دين الله، وأغير منك، ولكن عواطف تلعب بك، وكذلك حماسات فارغة، وأصابع خفية من أصابع الأعداء، وأفراخهم يجرونك لهذا الإفساد والفساد. فينبغي أن يتنبه الشباب إلى ما يدفعون إليه، وهم لا يشعرون، فربما خدموا الأعداء، ولم يضروا الأعداء كما يزعمون، بل خدموا الأعداء خدمة عظيمة، بأن يسروا لهم السبل للتسلط على المسلمين وبلادهم، فصار فعلهم مناقضًا تمامًا لمقصودهم، فضلًا عن المفاسد والمساوئ الكثيرة التي تحتف بهذه الأعمال الفاسدة. وأما حكم قتل الجاسوس، الجواب: هذا يرجع لولي الأمر المسلم، ليس كل من حكم رأسه، وجلس مع صاحبه في مجلس، قال: فلان جاسوس، يلا عقدنا المحكمة، وحكمنا بالحكم عليه بالإعدام. من أطاع له خلاص، نظر من هنا إلى هنا، وقالوا: يلا يا فلان، عليك به، طهره، طهر المسلمين منه، سبحان الله، الدماء أمرها عظيم. وأول ما يقضى بين الناس في الدماء يوم القيامة، أين أنت تذهب من هذا الأمر العظيم؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزال المسلم في بسطة من دينه ما لم يسفك دمًا حرامًا، فإذا سفك دمًا حرامًا، بلح». قال العلماء: معناه: أنه حتى لو أراد أن يتوب، يحرم التوبة، لأنه اكتسب وارتكب ذنبًا عظيمًا، فلا تكون له خاتمة حسنة، بل خاتمته سيئة في الدنيا، وهكذا في الآخرة، الدماء أمرها عظيم. وهذا الباب هو لولي أمر المسلمين، إذا علمت أحدًا يتجسس على المسلمين، ويفسد عليهم أمورهم وأحوالهم، بلغ جهات الاختصاص. أنت في بلاد مسلمة، بحمد الله، وعندك، ولا تأمر المسلمين، تسمع الأذان، وترى المساجد، وترى شريعة الله، وشرائع الله قائمة، فاتق الله عز وجل، وترك ما يدفعك إليه شياطين الجن والإنس من مسلك التكفير، وطريقة الخوارج التي تضر بدينك، ربما تخرجك من هذا الدين، وأنت لا تشعر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوارج: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، هم يظنون أنهم ينصرون الدين، وما يدرون أنهم خرجوا من الدين، بل خروجهم قوي كخروج السهم إذا ضرب في الصيد، لا يدرى متى دخل ومتى خرج، الرصاصة إذا ضربتها في الصيد، فدخلت من جهة وخرجت من جهة، من سرعتها ما ترى ذلك، وكذلك مثل النبي صلى الله عليه وسلم سرعة خروج الخوارج من هذا الدين». فينبغي الحذر، بارك الله فيكم، التحذير من ارتجال الفتاوى، والتصدر للمسائل الخطيرة، وتناسي ما يجب على أهل الإسلام من الوقوف عند الحدود الشرعية، والرجوع إلى أهل العلم، والالتزام بأدلة الكتاب والسنة. يقول: هل جماعة التكفير في هذا العصر خوارج وبغاة؟ نعم، جماعة التكفير من الخوارج، ومن البغاة. الخوارج لهم مسميات كثيرة، وأوصاف كثيرة، ومن الخوارج جماعة التكفير في هذا الزمان، وهم كذلك من البغاة، لأنهم بغوا على المسلمين، وأفسدوا عليهم أمنهم. وكل من أفسد أمن المسلمين، عد من البغاة، سواء تحت راية أو كان فردًا أو غير ذلك، لأن البغي معنى عام، تدخل تحته أوصاف وصفات كثيرة. فهذا من البغي، وهو كذلك من معنى الخروج. وأما حكم قتلهم، فهذا إلى ولي الأمر مسلم، وولي الأمر لا يقضي بعاطفته، ولكن بموجب ما علم من شرع الله، وما أفتاه علماء هذه الشريعة، وما تقتضيه المصلحة والمفسدة. حتى ولي الأمر المسلم يجب عليه أن ينتقيد بالقيود الشرعية، لأننا في بلاد إسلام، ولأننا مسلمون، فيجب على الجميع الانضباط بالضوابط الشرعية. والناس لو أنهم سلكوا هذا المسلك سلموا من هذه الفتن، نسأل الله عز وجل أن يدفع عنا جميعًا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين.