القواعد والأصول الجامعة 30

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 30، ألقاها

مقدمة في قاعدة اليقين لا يزول بالشك

القاعدة تنص على أن اليقين لا يزول بمجرد الشك، وتعتبر من القواعد الكلية في الفقه. هذه القاعدة تشمل العديد من المسائل الفقهية المتفرعة عليها.

تطبيقات قاعدة اليقين لا يزول بالشك في الفقه

تطبيقات القاعدة تشمل مسائل الطهارة والصلاة والملكية، حيث يُعمل باليقين عند الشك. مثلاً، يبقى الشخص على طهارته عند الشك في الحدث.

أحكام الشك في العبادات والمعاملات

إذا شك الشخص في عدد الركعات أو الطواف أو السعي، يبني على الأقل. وإذا شك في طهارة شيء، يعتبره طاهراً حتى يتيقن النجاسة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتاب القواعد والوصول للجامعة: القاعدة الحادية عشرة. قال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، واليقين لا يزول بالشك. الأصل بقاء ما كان على ما كان هذه قاعدة فرعية، وقوله: اليقين لا يزول بالشك، هذه قاعدة كلية. فالأولى تندرج في الثانية، فلهذا كان الأولى أن يقول: اليقين لا يزول بالشك، والأصل بقاء ما كان على ما كان؛ لأن قوله: اليقين لا يزول بالشك، هذه كلية، والأصل بقاء ما كان على ما كان، هذه فرعية. وهذه القاعدة: اليقين لا يزول بالشك، من القواعد الكلية. قال السيوطي رحمه الله: هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المتفرعة عليها تبلغ ثلاثة أو أربع آلاف. اليقين هو العلم وإزاحة الشك، يعني استقرار العلم أو الشيء وعدم الشك فيه. والشك لغة مطلق التردد، توضأت أو لم تتوضأ، أنت متردد، صليت أو لم تصلي، هذا تردد، وهذا هو الشك. فاليقين والشك هذا في ظن المكلف، في ظنه، هل هو متيقن أو غير متيقن، أو هو شاك أو غير شاك. فليس هذا الأمر في حكم الشرع، يعني أنت لست مترددًا وشاكًا في حكم الشرع، بل حكم الشرع جازم ويقين، لكن الشك والتردد في كون هذا الأمر يقينًا أو غير يقين، أو شك أو غير شك، هذا في ظن المكلف. فاليقين في الشرع حصول الجزم، أو الظن الغالب بوقوع الشيء أو عدم وقوعه؛ لأن الظن الراجح والظن الغالب في منزلة العلم بوقوع الشيء أو عدم وقوعه، هذا يسمى يقينًا. والشك تردد الفعل بين الوقوع وعدمه. فقولنا في هذه القاعدة: اليقين لا يزول بالشك، يعني ما ثبت بيقين لا يزول بمجرد الشك والتردد، بل لا يزول إلا بيقين مثله. مثاله: توضأت وأنت متيقن أنك على طهارة، ثم ترى عليك الشك، شككت هل أنت على طهارة أم لا؟ نقول: اليقين أنك على طهارة، وهذا التردد والشك في الحدث أمر مشكوك فيه، إذن ندعه جانبًا ونبقى على الأصل، وهو اليقين. فاليقين لا يزول بالشك، وإنما يزول بيقين مثله. وهكذا الأصل بقاء ما كان على ما كان، فما ثبت بيقين فالأصل بقاؤه، ولا يزول إلا بيقين مثله. وسيأتي أن هذه القاعدة الفرعية: الأصل بقاء ما كان على ما كان، يندرج فيها بعض مسائل القاعدة التي قبلها، وهي: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. قال رحمه الله: هذا أصل كبير يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حين شك إليه الرجل يجد الشيء وهو في الصلاة، قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». والحديث في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، أي: حتى يتيقن أنه أحدث، يعني ما يخرج إلا بيقين. لماذا؟ لأنه دخل الصلاة بيقين أنه على طهارة، ثم طرأ عليه الشك. شكي إليه الرجل: يجد الشيء وهو في الصلاة، يحس يعني بشيء خرج منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف -ما يخرج من الصلاة- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». والمراد: تيقن حصول الحدث. أما مجرد الشك فإنه لا يخرج. وهذه القاعدة: اليقين لا يزول بالشك، قاعدة نافعة جدًا لمن كان مبتلى بالوسواس، إذا عمل بهذه القاعدة فإنه يسلم من كثير من الوساوس، فيعمل باليقين عند طروء الشك عليه، فلا يلتفت إلى الشك، ويعمل بما تيقن عنده. قال: فمتى تيقن أمرًا من الأمور أو استصحب أصلًا من الأصول، فالأصل بقاء ذلك الأمر المتيقن، ولا ينتقل عن ذلك بمجرد الشك حتى يتيقن زواله. ويدخل في هذا بعض مسائل الأصل الذي قبله. ما هو الأصل الذي قبله؟ البينة على المدعي واليمين على من أنكر. بعض مسائل هذه القاعدة تدخل في هذه القاعدة الفرعية: الأصل بقاء ما كان على ما كان. فالذي ثبت له الملك عرفًا باستعماله لهذه العين، ثم جاء من يدعي أنها له، فالأصل أنها لمن في يده. يعني مثلًا: سيارة في يد إنسان يستعملها ويستخدمها حتى ثبت له الملك عرفًا بأنها له، ثم جاء من يدعي أنها له، نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل أنها لمن في يده حتى يأتي المدعي ببينة، يعني تثبت أنها له، حتى تنتقل من يد من هي في يده إلى يد المدعي. قال: ويدخل فيه أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث، هل حصل له موجب من موجبات الطهارة وناقض من نواقضها، فالأصل بقاء طهارته. والطهارة أصل. تيقن الطهارة وشك في الحدث، هو متيقن أنه قد توضأ، فمثلًا توضأ قبل أذان الظهر بنصف ساعة، ثم أذن الظهر وجاء وقت الصلاة، فلما جاء ليصلي شك: هل أحدث أم لا؟ نقول: الأصل أنك على طهارة، أنت متيقن أنك توضأت، وهذا الحدث أمر مشكوك فيه، أمر مشكوك فيه، إذن دعه في جانب واعمل باليقين، اليقين أنك على طهارة، وهذا الشك في الحدث فمردود. قال: فالأصل بقاء طهارته، والطهارة أصل كل شيء. وهكذا العكس، إذا كان متيقن الحدث وشك في الطهارة، مثلًا قبل الظهر دخل الحمام ثم خرج وجاء وقت الصلاة فشك: هل توضأ أم لم يتوضأ؟ ما هو الأصل هنا؟ الحدث، الأصل أنه لم يتوضأ؛ لأنه متيقن أنه كان على حدث، فشك في الطهارة، فالأصل عدم الطهارة. قال: فمتى شك الشاك في طهارة ماء أو بقعة أو ثوب أو إناء أو غيرها، بنا على الأصل، وهو الطهارة؛ لأن الأصل في جميع هذه الأشياء الطهارة. الماء والأرض والثياب والآنية، الأصل في مياهنا الطهارة، والأرض والثياب والحجارة كلها طاهرة، كلها الأصل فيها الطهارة. فإذا شك في طهارة شيء منها، فالأصل هو الطهارة حتى يتيقن وجود النجاسة. جاء إلى ماء يريد أن يتوضأ منه، ثم شك: هل هذا الماء طاهر أو نجس؟ الأصل أنه طاهر، تتوضأ منه ولا عليك. طيب جئت إلى بقعة تريد أن تصلي فيها، شككت: هل هذه البقعة طاهرة أم نجسة؟ الأصل أنها طاهرة، فتصلي فيها حتى تتيقن النجاسة. قالوا: من ذلك لو أصابه ماء من ميزاب أو غيره، أو وقع رطوبة أرض مبللة رطبة، لا يدري عنها، أو مرت السيارة وأنت مار فمرت على ماء فجاء في ثوبك رشاش، فالأصل الطهارة، الأصل تحمل هذا الماء على الطهارة إذا نزل ماء من الميزاب أو جئت فوق ماء أو فوق رطوبة، فالأصل الطهارة حتى تتيقن النجاسة. قال: فالأصل الطهارة، وفي هذا أثر عن عمر رضي الله عنه أنه قال بنحو ذلك: أنه يحمل على الطهارة. قال: ومن تيقن أنه محدث وشك هل تطهر أم لا، فهو على حدثه كما ذكرنا. ومن شك هل صلى ركعتين أو ثلاثًا، جعلها ركعتين وسجد للسهو كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى: أثلاثًا أم أربعًا؟ فليجعلها ثلاثًا». هذا إذا لم يكن هناك قرينة أو غلب الظن. أما إذا كان هناك قرينة أو غلب الظن، فإنك تعمل بها. يعني مثلًا: شككت هل صليت ثلاثًا أو أربعًا وأنت في التشهد، هذه قرينة أنك صليت أربعًا؛ لأن التشهد الأخير لا يلس به الإنسان إلا بعد أن يصلي الرابعة، فهنا تجعلها أربعًا. أو ترجح لديك، شككت ثم ترجح، يعني مثلًا: شككت هل صليت اثنتين أو ثلاثًا وترجح عندك أنها ثلاث، تجعلها ثلاثًا لحديث ابن مسعود في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب». فإذا كان هناك تحري وغلب الظن فتعمل بها. إذا ما في عندك غلب الظن هنا تعمل باليقين، وهو الأقل. اليقين هو الأقل دائمًا، الشك في العدد اليقين أن تأخذ بالأقل؛ لأنه المتيقن، وما زاد فهو مشكوك فيه. فإذا شككت هل صليت ركعتين أم ثلاثًا، الركعتان متيقنة، الشك في الثالثة، إذا تأخذ باليقين تجعلها ركعتين، تجعلها ركعتين ثم تتم صلاتك ثم تسجد للسهو. قال: وكذا لو شك في عدد الطواف أو السعي أو عدد الغسلات المعتبرة، بنى على الأقل. نعم، إذا شك في الطواف، جيء في الطواف فشككت هل طفت ثلاثًا أم أربعًا؟ تجعلها ثلاثًا، هذا اليقين إذا لم يكن عندك غلب الظن، فتعمل باليقين، اليقين هو الأقل، الثلاث متيقنة، الرابعة مشكوك فيها، إذن تجعلها ثلاثًا. شككت في السعي، تسعى بين الصفا والمروة، شككت هل سعيت خمسًا أو ستًا؟ تجعلها خمسًا؛ لأن هذه متيقنة، والسادسة مشكوك فيها. طيب شككت في الرمي، جئت ترمي الجمرات، شككت هل رميت سبعًا أو ستًا؟ تجعلها ستًا؛ لأن هذا هو اليقين إن لم يكن عندك غلب الظن، فتأخذ باليقين وهو الأقل. وهكذا أيضًا في عدد الغسلات، هل غسلت اثنتين أو ثلاثًا؟ فتأخذ باليقين، وهو الأقل. هذا هو اليقين في العدد، العدد إذا شككت فيه فتأخذ بالأقل. إذا شككت في أصل الشيء فالأصل عدمه، وإذا شككت في العدد فإنك تأخذ باليقين وهو الأقل كما سيأتي. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على