القواعد والأصول الجامعة 14

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 14، ألقاها

أمثلة على قاعدة المشقة تجلب التيسير في التطهير وأداء الصلاة

ذكر العلامة السعدي أمثلة على قاعدة المشقة تجلب التيسير، منها الرجوع إلى الظن في التطهير من الأحداث والأنجاس عند تعذر اليقين، وكذلك في دخول وقت الصلاة. هذه الأمثلة تظهر مراعاة الشريعة لمشقة المكلف.

تطبيقات قاعدة المشقة تجلب التيسير في الحج والمعاملات

المقطع يشرح قاعدة المشقة تجلب التيسير من خلال أمثلة متعددة، مثل الجمع بين حج وعمرة في سفر واحد ووجوب هدي واحد، وإباحة المحرمات للمضطر، وإباحة بيع العرايا، وأخذ العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام.

تتمة الكلام عن قاعدة المشقة تجلب التيسير في المعاملات والحدود

المقطع يشرح بعض الأمثلة الإضافية على قاعدة المشقة تجلب التيسير، مثل أخذ العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام، وتزوج الحر للأمة عند الحاجة، وتحمل العاقلة الدية في حالة القتل الخطأ أو شبه العمد.

توزيع الدية على العاقلة عند العجز عن دفعها كاملة

إذا كان القاتل غير قادر على دفع الدية كاملة فيوزعها على أقاربه، وإذا لم يكن له أقارب فعليه تحملها كاملة. هذا التوزيع يعتبر تيسيراً على القاتل الذي قتل بدون قصد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «قواعد الوصول للجامعة»، في كلامه على قاعدة: «الثالثة: المشقة تجلب التيسير»، قاله: من فروعه الرجوع إلى الظن إذا تعذر اليقين في تطهير الأشياء من الأحداث والأنجاس. رأينا هذا: فيكفي الظن في الإسباغ، وكذلك في دخول الوقت إذا غلب على الظن دخوله بالدلائل الشرعية. يقول رحمه الله: من فروع هذه القاعدة الرجوع إلى الظن إذا تعذر اليقين في تطهير الأشياء من الأحداث والأنجاس؛ الأحداث يعني في رفع الحدث، سواء كان الحدث الأكبر كالجنابة أو الحدث الأصغر، وذلك كالوضوء لأجل ناقض من نواقضه، فيكفي في ذلك غلبة الظن؛ فيكفي الظن. والأنجاس يعني في إزالة النجاسات، فيكفي الظن في الإسباغ؛ يعني ما يشترط في الإسباغ الوضوء اليقين إذا تعذر، إذا أمكن اليقين هذا هو الأصل والواجب، وإذا تعذر ذلك فيكفي غلبة الظن؛ فيكفي غلبة الظن. ومن ذلك أيضا إذا حصل الشك بعد الفراغ من الوضوء؛ إنسان توضأ وبعد أن فرغ من الوضوء شك هل غسل هذا العضو لم يغسله، فإذا غلب على ظنه أنه غسله يكفي ذلك؛ يعمل بغلبة الظن. وهذا يسود عليه ماذا؟ باب الوسواس. قال: وكذلك في وأيضا هكذا في الأنجاس، في إزالة النجاسة إذا غسلها وغلب على ظنه أنها أزيلت كفى ذلك، سواء كانت من بدنه أو من الثوب؛ إذا غسلها ورأى أنها قد ذهبت ولم يبق لها أثر فإنه يكتفى بذلك. قال: وكذلك في دخول الوقت إذا غلب على الظن دخوله بالدلائل الشرعية؛ يعني إذا لم يحصل اليقين، إنسان سافر من بلده فكان في صحراء، مثلا جاء وقت الصلاة، وفي ذلك المكان ما يسمع أذانا، ولكن يغلب على ظنه أن الوقت دخل؛ إذا غلب على ظنه أن الوقت دخل بدلائل، إذا استطاع أن يستدل بالدلائل الشرعية على ذلك عمل بها، وإذا غلب على ظنه ذلك، واكتفى مثلا بالنظر إلى الساعة، يعرف مثلا أنه يؤذن في الساعة الفلانية وقد جاء هذا الوقت، فيعمل بذلك، ويصلي على هذا الوقت وعلى ما عنده من معرفة الوقت بالساعة. قال: ومن فروعه أن المتمتع والقارن قد حصر لكل منهما حج وعمرة تامان في سفر واحد، ولهذا وجب عليهم الهدي شكرا لهذه النعمة؛ المتمتع والقارن قد حصر لكل منهما حج وعمرة تامان في سفر واحد. المتمتع الذي يحرم بالعمرة في أشهر الحج - في شوال وذو القعدة وذو الحجة - ثم بعد أن يتم العمرة يتحلل منها يتحللا كاملا، ثم يهل بالحج في اليوم الثامن، يهل بالحج في اليوم الثامن، وهذا عليه هدي؛ المتمتع عليه هدي. والقارن الذي يقرن بين الحج والعمرة، فيعتمر ويبقى على إحرامه يبقى على إحرامه حتى يأتي الحج، فإذا انتهى من الحج وأعمال الحج وتحلل كذلك وجب عليه الهدي؛ فكلاهما عليهما هدي. فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي لماذا؟ لأن كل واحد منهما حصل له حج وعمرة تامان في سفر واحد؛ حصلا حج وعمرة في سفر واحد، فلهذا وجب عليهما الهدي، ولهذا الهدي هدي شكر أو جبران أو نسك؛ الصحيح أنه هدي نسك، أنه هدي نسك؛ أي نسك من أنساك الحج. قالوا: يدخل في هذا الأصل، ووجه الإدخال في هذه القاعدة أن المشقة تجلب التيسير؛ أنه لو وجب عليه هديان لكان في ذلك عليه مشقة، فاكتفي عليه بهدي واحد لأجل التيسير عليه، فجمع بين هاتين العبادتين، ووجب عليه هدي واحد. قالوا: يدخل في هذا الأصل إباحة المحرمات للمضطر من باب المشقة تجلب التيسير؛ أبيح للمضطر الميتة والشيء المحرم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وسيأتي الكلام على هذه القاعدة في قاعدة خاصة فيما يتعلق بإباحة المحرمات للضرورة، لكن هنا إشارة إلى أنها تدخل في هذه القاعدة؛ لأن الإنسان إذا اضطر يحصل له مشقة، فلأجل رفع هذه المشقة أبيح له استعمال المحرمات لأجل الضرورة؛ كمن أصابه جوع وليس عنده إلا ميتة، إن لم يأكلها مات وهلك، ولا شك أن ذلك مشقة، فأباح الشرع أن يأكل الميتة في هذه الحالة، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال: وإباحة ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا، وهذا أيضا من هذه القاعدة؛ أباح الشرع بيع العرايا مع أن صورته فيها شيء من الغرر والجهالة، وذلك أن يشتري الرطب بالتمر؛ يشتري الرطب بالتمر، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يباع الرطب بالتمر؛ سئل أو سأل عليه الصلاة والسلام: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، قال: «فلا»، ثم أباح بيع العرايا؛ يأتي الإنسان يريد الرطب وليس عنده مال، لكن عنده تمر، فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام أن يشتري الرطب بالتمر من أجل التيسير؛ لأنه يحصل له مشقة إذا جاء وقت الخريف وهو يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس ويأكل من الرطب، وما عنده مال يشتري به الرطب، فأجاز عليه الصلاة والسلام بيع العرايا أن يشتري الرطب بالتمر، لكن بشروط وقيود؛ وذلك بأن يخرص، يخرص الرطب بما يقابل من التمر، يأتي من عنده خبرة يقول: هذا الرطب يساوي كذا وكذا من التمر، فيدفع مثله من التمر. قال: وإباحة أخذ العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام؛ كذلك أيضا أجاز الشرع أخذ العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام، كما في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، رواه أبو داود والنسائي، وجاء عند الإمام أحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام سابق بين الخيل وأعطى من عنده. فالسباق بين الخيل والإبل والسهام أجاز فيه الشرع أخذ العوض؛ طيب ما هو وجه المشقة هنا ودخولها في هذه القاعدة المشقة تجلب التيسير؟ قال أهل العلم: أن تعليم الناس كلهم أو تجنيدهم أمر صعب، فيه مشقة؛ مشقة من حيث نفقتهم ومن حيث المكان، فلأجل ذلك أجاز الشرع أخذ العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام حتى يتنافس الناس على تعلمها، ويكون ممن عنده خبرة في استعمالها. قال: وإباحة تزوج الحر للأمة إذا عدم الطول وخاف العنت؛ تزوج الحر للأمة إذا عدم الطول وخاف العنت؛ عدم الطول يعني ضيق عليه في الرزق، ولم يكن عنده ما يتزوج به الحرة، وخاف العنت أي خاف الوقوع في الزنا؛ فالأصل أنه لا يجوز للحر أن يتزوج بأمة، لماذا؟ لأن أبنائه سيصيرون عبيدا، أرقاء تبعا للأم، لكن إذا خاف على نفسه الزنا وليس عنده من المال ما يتزوج به الحرة، أجاز الشرع أن يتزوج الأمة من باب المشقة تجلب التيسير؛ قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال: ومن فروع هذا الأصل حمل العاقلة الدية عن القاتل خطأ أو شبه عمد إذا لم يشق عليهم؛ يوزع على جميعهم، ويؤجل عليهم ثلاث سنين كل سنة ثلث الدية؛ أيضا من فروع هذا الأصل - فهو المشقة تجلب التيسير - حمل العاقلة الدية عن القاتل خطأ؛ إذا قتل الإنسان خطأ من غير قصد ومن غير عمد، فإن العاقلة تتحمل الدية، والعاقلة هم أقارب القاتل، أقارب القاتل وعصابته، توزع عليهم الدية من باب التيسير عنه؛ من باب التيسير والتخفيف عنه؛ لأنه ستشق عليه دفع الدية كاملة. وهكذا شبه العمد؛ الخطأ أن لا يتقصد الجناية، مثل: من أراد أن يصيد حيوانا فوقعت الإصابة في إنسان فمات، هذا لم يتعمد وتقصد أن يضربه فضلا أن يقتله، هذا يسمى قتل خطأ. وشبه العمد: أن يتعمد الجناية ولا يقصد القتل؛ كمن ضرب بما لا يقتل غالبا كالعصا أو اللكمة أو الحصى الصغيرة أو نحو ذلك، هذا يسمى شبه عمد؛ شبه لأنه شبه عمد؛ أنه تعمد الجناية يعني تعمد أن يضربه، لكن لم يتعمد قتله ولم يقصد قتله. فصار هذا شبه عمد، فيه مشابه للعمد وإن لم يكن عمدا محضا. والقسم الثالث من القتل: العمد المحض؛ أن يتعمد قتله، أن يتعمد قتله. فالمهم أن القتل الخطأ وشبه العمد تكون الدية على العاقلة؛ على أقاربه من باب التخفيف عنه، توزع عليهم على حسب أحوالهم؛ فالغني يأخذ منه كثير، والفقير يأخذ منه دون ذلك، والذي ليس عنده شيء فلا شيء عليه. قال: ويؤجل عليهم ثلاث سنين، وهذا روي عن الصحابة رضوان الله عليهم كابن عمر وعلي، ولا يعرف لهما مخالف كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ توزع عليهم كل سنة ثلث الدية؛ هذا إذا كان في مصلحة في ذلك. وأما إن كانوا أغنياء ويستطيعون دفعها في سنة واحدة، فلا يحتاج لتأجيلها؛ فالمقصود أن هذا من باب التيسير؛ التيسير على القاتل لما حصل منه القتل من غير قصد القتل؛ خفف عنه، وجعلت الدية تتوزع على أقاربه، وإن لم يكن له أقارب فيتحملها كلها؛ إن لم يكن عنده أقارب فيتحمل الدية كاملة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على