الدرس في القواعد والأصول الجامعة 62، ألقاها
التخير بين الشيئين يختلف حكمه باختلاف المصلحة، فإن كان لمصلحة العبد نفسه فهو راجع إلى رغبته وشهوته. وضرب لذلك مثلا بتخير المكفر عن يمينه بين العتق وإطعام المساكين وكسوتهم.
الكفارة تكون مخيرة بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ويمكن اختيار أحد هذه الخيارات حسب الرغبة. في حالة عدم التمكن من هذه الخيارات، ينتقل إلى الصيام.
المقطع يشرح مسائل التخير في الفدية والدية، حيث يُخير الشخص بين عدة خيارات مثل الصيام أو الصدقة أو النسك. كما جاء ذكر الإبل في بعض الأحاديث النبوية واختلف في صحة بعضها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتابه "القواعد والوصول الجامعة"، القاعدة الرابعة والثلاثون: إذا خير العبد بين الشيئين فأكثر، فإن كان التخير لمصلحته، فهو تخير يرجع إلى شهوته واختياره، وإن كان لمصلحة الغير، فهو تخير يلزمه فيه الاجتهاد في الأصلح. يقول رحمه الله في هذه القاعدة: إذا خير العبد بين الشيئين فأكثر، هل يكون هذا التخير على حسب إرادته ورغبته وشهوته، أو أنه لا بد أن يختار الأصلح والأحسن والأفضل؟ فذكر في هذه القاعدة تفصيلا، يقول: إن كان التخير لمصلحته، فهو تخير يرجع إلى شهوته واختياره. إن كان هذا التخير يرجع إلى مصلحة نفسه، فهو إذن يرجع إلى حسب رغبته وشهوته واختياره، فيختار الذي يريد، ولو كان هو الأدنى، وهو الأسهل؛ لأن هذا اختيار رغبة واختيار يرجع إلى نفسه. وأما إن كان التخير لمصلحة الغير، ليس لمصلحة نفسه، فإنه يختار الأفضل والأحسن والأكمل، ويجتهد في اختيار الأصلح. ودليل هذه القاعدة قول الله جل وعلا: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، فأمر الله عز وجل أن من يقوم ويلي مال اليتيم بأنه لا يتصرف فيه إلا بما هو أفضل وأحسن؛ لأن المصلحة هنا لمصلحة الغير، لمصلحة هذا اليتيم، فينظر ما هو الأصلح في ماله والأفضل، فيفعله. قال: مثال الأول -أي ما كان التخير فيه يرجع إلى رغبته وشهوته- التخير في كفارة اليمين بين العتق وإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. التخير بكفارة اليمين معلوم أن الإنسان إذا حلف يمينا ثم حنث -يعني خالف ما حلف عليه- ففعل ما حلف على تركه، فإنه تجب عليه الكفارة. والكفارة فيها تخير، قال الله عز وجل: ﴿ولا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾، إذن هذه ثلاثة الأمور الحال فيها على التخير، إن شاء أن يعتق رقبة، وإن شاء أن يطعم عشرة مساكين، وإن شاء أن يكسو عشرة مساكين. هذه الثلاثة الأمور على التخير. طيب هذا التخير يرجع إلى ماذا؟ إلى الأصلح أو يرجع إلى رغبتي وشهوتي وإرادتي؟ الجواب: أنه يرجع إلى حسب رغبتي وإرادتي. فإن شاء اختار العتق، وإن شاء اختار الطعام، وإن شاء اختار الكسوة، فهو مخير في هذا اختيار يرجع إلى إرادته ورغبته، فيختار ما يريد. فإن لم يتيسر هذه الثلاثة الأمور، انتقل بعد ذلك إلى الصيام. قالوا: في جزاء الصيد بين ذبح المثل من النعم أو تقويمه بطعام يطعمه للمساكين أو يصوم عن كل مد من ذلك المقوم يوما. هذا في جزاء الصيد، قال الله عز وجل: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذو عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره﴾، فنهى الله عز وجل المحرم أن يقتل الصيد متعمدا، فإن فعل ذلك، وجب عليه جزاء مثل هذا الصيد. فجزاء مثل ما قتل من النعم، إما أن يأتي بالمثل، فمثلا إذا كان الصيد نعامة، وجب عليه بدنة، كما قرر ذلك الصحابة رضوان الله عليهم. طيب هذه البدنة إما أن يأتي بها مثلا ويذبحها ويوزعها على الفقراء، وإما أن تقوم هذه البدنة، كم قيمتها؟ مثلا قيمتها مئة ألف. طيب هذه المئة ألف كم تطعم من المساكين؟ مثلا تطعم أربعين مسكينا، لكل مسكين مد من الطعام، إذن يطعم أربعين مسكينا، أو بدل الإطعام يصوم عن كل مد يوما، فيصوم أربعين يوما. هذا الآن التخير بين الفداء بالمثل أو بقيمة هذا المثل أو بالصيام عن كل مسكين يوما. هذا على جهة التخير، هو مخير، إن شاء هذا وإن شاء هذا وإن شاء هذا. هذا التخير يرجع إلى ماذا؟ إلى اختيار نفسه ورغبته وشهوته، فيختار الذي يريد، يرى الذي هو أسهل عليه فيختاره، لا بأس. قال: فهو في هذه المسائل التخير راجع لإرادته. ومثل ومثل أيضا كذلك التخير في فدية حلق الرأس. فدية حلق الرأس إذا حلق المحرم رأسه وجبت عليه الفدية إذا اضطر إلى ذلك، فإنه يحلق رأسه ويفدي. هذه الفدية كما قال الله عز وجل: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك لما رأى القمل تناثر من رأسه، أمره أن يحلق رأسه وأن يفدي، أن يطعم ستة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام أو يذبح شاة. فهو فيها على التخير، إن شاء هذا -يعني أن ينسك ويذبح شاة- أو يطعم ستة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام، فهي كذلك أيضا على التخير. قال: ومثله الدية، يخير فيها بين مئة من الإبل أو مئتين من البقر أو ألف شاة أو ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم. فالمخير هو الدافع -يعني دافع الدية- على القول بأن الإبل هي الأصل تخرج عن هذا الأصل -يعني هذا القول على أن الدية ليس الأصل فيها الإبل- على أن الدية ليس فيها الأصل للإبل، فهو على التخير، إن شاء أن يخرج مئة من الإبل أو يخرج مئتين من البقر أو يخرج ألف شاة، ولو كانت الإبل موجودة، فهو مخير على حسب رغبته وإرادته. وعلى القول الصحيح -على أن الأصل في الدية هو الإبل- فإنه لا يجوز حينئذ أن يخرج غير الإبل، الواجب أن يخرج الدية من الإبل، وهذا هو الصحيح أن الأصل في الدية هي الإبل، كما في حديث «عمر بن حزم». وجاء كذلك ذكر الإبل في بعض الأحاديث، كحديث «عبد الله بن عمر»، وهو حديث صحيح مجموع طرقه. وأما ما ورد فيه التخيير، فقد جاء مرفوعا لكنه ضعيف، وجاء كذلك أيضا صح موقوفا عن بعض الصحابة رضي الله عنهم. لكن الصحيح كما سمعنا أن الأصل هي الإبل، فحينئذ تخرج هذه المسألة عن هذه القاعدة. طيب نكتفي بهذا إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.