القواعد والأصول الجامعة 78

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 78، ألقاها

مقدمة في القواعد الفقهية

القاعدة الخمسون تنص على أن بعض الأحكام لا تثبت إذا كانت مستقلة ولكن تثبت إذا كانت تابعة لغيرها. هذه القاعدة تشمل العديد من التطبيقات الفقهية الهامة.

تطبيقات القاعدة في أحكام البيع والصلاة

يتم تطبيق القاعدة في أحكام البيع والصلاة، حيث يشرح كيفية التعامل مع بيع المجهولات والصلاة خلف الإمام. الأحكام تتغير بناءً على كون الفعل مستقلاً أو تابعاً.

أمثلة وتفاصيل على الأحكام التبعية

المقطع يضرب أمثلة على الأحكام التي تثبت تبعاً ولا تثبت استقلالاً، مثل بيع الثمار مع جهالة في بعضها وإجبار الشريك على التعمير أو البيع. هذه الأمثلة توضح عمق تطبيق القاعدة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتاب القواعد والأصول الجامعة: القاعدة الخمسون: «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا». هذه القاعدة «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا» معناها أن هناك بعض المسائل والأحكام إذا انفردت كان لها حكم، وإذا اتبعت غيرها وكان اتبعا لغيرها كان لها حكم آخر، بمعنى إذا استقلت كان لها حكم، وإذا كانت تبعا كان لها حكم آخر يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. عبر عنها الإمام السيوطي رحمه الله في كتابه الأشباه والنظائر بقوله: «التابع تابع، التابع تابع». مثاله: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع حبل الحبلة، والحديث في الصحيحين. وهكذا جاء في روضة الطالبين: نهى عن بيع بطون ما في بطون الأمهات، يعني بيع الحمل. بيع الحمل لا يجوز؛ لأنه بيع غرر. تقول لشخص: أنا أشتري منك ما في بطن هذه الشاة أو ما في بطن هذه الناقة، هذا لا يجوز؛ لأن ما في بطنها مجهول، قد يكون واحدا، وقد يكون اثنين، وقد يكون ميتا، هذا من بيع الغرر والجهالة لا يجوز. يعني إذا أردت أن تشتري الحمل مستقلا هذا لا يجوز. لكن لو اشتريت الشاة الحامل، اشتريت الشاة وما في بطنها، هذا جائز؛ لأن الحمل هنا تبع، وليس أصل. الحمل هنا تبع، وليس أصل، فيجوز. نضطر إلى الفرق: إذا أردت أن تشتري الحمل استقلالا هذا لا يجوز؛ لأنه بيع غرر وجهالة. إذا اشتريت الشاة كاملة وما في بطنها هذا جائز؛ لأن الأصل هو شراء الشاة، وقع البيع على هذه الشاة الحية، وما في بطنها تبع، ليس أصل، تبعا لأمها، فهذا جائز. هذا معنى هذه القاعدة: «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا». قالوا: ذلك أن المسائل والصور التابعة لغيرها يشملها حكم متبوعها، فلا تفرد بحكم. فلو أفردت بحكم لثبت لها حكم آخر. وهذا هو الموجب لكون كثير من التوابع تخالف غيرها، فيقال فيها: إنها ثابتة على وجه التبع، يعني أنه يجوز إذا كانت تبعا لا استقلالا. ولهذا أنبثقت كثيرة منها: كثير من أفعال الصلاة وترتيبها، لو فعلها المصلي وحده أبطلت الصلاة. فإذا كان مع الإمام وجب عليه متابعة إمامه، وسقط وجوب المذكورات لأجل المتابعة. يقول: كثير من أفعال الصلاة وترتيبها لو فعلها المصلي وحده لأبطلت الصلاة. يعني تخيل لو أن مصليا صلى صلاة رباعية، جلس قام في الركعة الأولى، صلى الركعة الأولى بركعة، ثم رفع، ثم سجد سجدتين، ثم جلس للتشهد، ما حكم صلاته؟ صلاة رباعية إذا صنع فيها في الركعة الأولى باطلة بلا شك إذا كان لوحده يصلي متعمدا، صلاة باطلة. لكن إذا كان مأموما، إذا كان مأموم هو مسبوق أدرك مع الإمام الركعة الثانية، سيصلي مع الإمام، ثم سيجلس الإمام يتشهد التشهد الأول، وسيجلس هذا المأموم معه، مع أنه ما صلى قبل هذا إلا ركعة، ما حكم صلاته هنا؟ صحيحة. ليش؟ لأنه تابع، لأنه تابع للإمام. انظر كيف تغير الحكم. بينما إذا فعله لوحده بطلت صلاته، ولما فعله تبعا للإمام كانت الصلاة صحيحة. وقس على هذا كثير من أفعال الصلاة. قال: كالمسبوق بركعة في رباعية، محل تشهده الأول بعدما يصلي ركعتين، لكنه سيقوم مع إمامه في ذلك الموضع. كما أنه يتشهد التشهد الأول مع إمامه بعدما يصلي واحدة. يعني فعل هذا الفعل وهو يصلي وحده منفردا لبطل صلاته. لبطل صلاته، لكن لما كان متبوعا صح منه هذا الفعل، وكانت صلاته صحيحة. قال: ولو سها إمامه لزم المأموم متابعته في سجود السهو، ولو لم يسه المأموم كالإمام. لكن لأجل المتابعة فإنه يتابعه، والصلاة صحيحة. مع أنه لو سجد المأموم لو كان يصلي وحده، وزاد سجود السهو من غير السهو لبطلت صلاته. لبطلت صلاة المأموم، لكن لما كان تابعا للإمام صح منه هذا الفعل، وكانت الصلاة صحيحة. قال: ومنها إذا بدأ صلاح الثمر جاز بيع الجميع، وكان الذي لم يبد صلاحه تابعا لما بدأ صلاحه. وهكذا أيضا من هذا الباب: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري، حديث الصحيحين، حديث ابن عمر وغيرهما: نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، حتى يبدأ فيه الصلاح. وابتداء الصلاح فيه كما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى يزهي»، وفي لبعض: «حتى يحمر أو يصفار»، يعني التمر الذي هو أصفر حتى يبدأ فيه الإصفرار، والذي هو أحمر حتى يبدأ فيه الإحمرار، يعني البسر إذا أحمر أو أصفر هذا بداية الصلاح، وهذا بداية الصلاح. وكل شيء على حسبه، فالحب مثلا بداية الصلاح إذا اشتد، وقوي. العنب إذا صار حلوا طيبا. فإذا بدأ الصلاح في بعض الأشجار دون البعض، بعضها ما زالت خضرة، وبدأ الصلاح في البعض الآخر، جاز هنا بيع الجميع. جاز بيع الجميع، مثلا عندك بستان فيه خمسون نخلة، بدأ الصلاح في عشرين أو في ثلاثين، جاز بيع الجميع. الجميع جاز بيع الجميع؛ لأن هذا الذي ما بدأ صلاحه هو تبع تبع لما بدأ صلاحه. فإذا بدأ الصلاح في بعضها جاز بيع الجميع. لماذا؟ لأن ظهور الصلاح في بعضها معناه أن هذه الثمار قد سلمت من الآفة، قد سلمت من الآفة، وهي يعني مستعدة للصلاح كأخواتها، فيجوز حينئذ بيع الجميع. أما إذا كانت لم يبدأ الصلاح فيها بعد، فلا يجوز بيعها إلا بشرط القطر. قال: وكذلك لا يجوز بيع المجهولات التي لم توصف ولم يرها المشتري، لكنها إذا كانت تابعة لغيرها جاز ذلك، كأساسات الحيطان إذا بيعت الدار تدخل تبعا لبيع الدار المعلومة. كذلك الأشياء التي هي مجهولة ولا يراها المشتري، لكنها تابعة لغيرها، فيجوز بيعها تبعا لغيرها ولما ظهر منها، كأساسات الحيطان وما في داخل الجدران، هذا لا يراه المشتري. أنت تشتري بيتا مبنيا، طيب هذا البيت له أساس، هذا الأساس في الأرض، أنت ما تراه، هو مجهول بالنسبة لك، لكن هذا الأساس هو تبع تبع لهذا البيت الظاهر. ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. لما كان هذا الأساس تبعا لهذا الظاهر جاز بيعه معه، لكن لو أراد أن يبيعه استقلالا ما جاز. لو أراد أن يبيعه استقلالا لم يجز ذلك؛ لأجل الغرر والجهالة. واحد أيضا بيع بعض الثمار أو الفضلات كالبطاطس والجزر ونحوها التي تنبت في باطن الأرض، يأتي المشتري مثلا إلى مزرعة يريد أن يشتري البطاطس، طبعا ما يخرج البطاطس كله حتى يراه، لكن يخرج من هذا الطرف ومن ذاك الطرف ومن الوسط، فإذا رأى أن البطاطس في ظاهره النضوج اشترى المزرعة بكاملها. وهذا الذي في داخل الأرض هو مجهول، لكنه تبع لما ظهر من صلاح بعضها، فيجوز حينئذ بيع الجميع، ويغتفر ما في بعضها من الجهالة. قال: ومنها إجبار الشريك مع شريكه على العمارة في الأشياء المشتركة، مع أن لو كان وحده لم يجبر على التعمير. كذلك أيضا إجبار الشريك مع شريكه على العمارة في الأشياء المشتركة، أي إذا هناك شركاء في أرض أو في بيت أو في عمارة أو في سيارة أو في أي شيء، في أي عين من الأعيان، واحتاجت هذه العين إلى تعمير، احتاجت إلى أن تعمر وأن تصلح، هنا يجبر كل واحد منهما على ذلك. يجبر الشريك شريكه على الإصلاح، وهذا من باب التعمير اللازم، ما دام أنهما شركاء فيشتركان في التصليح، كما أنهما يشتركان في الربح. كذلك يشتركان في تصليح هذه العين، وكل على حسبه، كل على حسب نسبته، الذي له نصف عليه نصف التصليح، والذي له من الشراكة الثلث عليه الثلث، والذي يشترك بربع عليه الربع، وهكذا كل بحسب نصيبه. إذا كان يعني ليس لهما نسبة معينة، هم شركاء في كل المال، فحينئذ يقتسمان ما يخسران في تصليح هذه العين. فإذا كلف مثلا عشرة آلاف، فعلى كل واحد خمسة آلاف، وهكذا. قال: وكذلك إجبار الشريك على البيع إذا طلبه الشريك فيما تضر قسمته. أيضا الإجبار على البيع، إثنان شركاء شركاء في ناقة، طيب هذه الناقة احتاج أحدهم أن يبيعها، نصيبه ولا يمكن أن يبيع النصف، ما يمكن أن يبيع نصف ناقة، فهنا يجبر الشريك على بيعها، ثم يقتسمان الثمن، هذا يأخذ النصف، وهذا يأخذ النصف. مع أنه لو كان منفردا والناقة له ما استطاع أن يجبره أحد على البيع، لم يستطع أن يجبره أحد على البيع، لكن لما كان تبعا وجب هنا أن يجبر على البيع. قالوا: من ذلك قبول قول المرأة الثقة في الرضاع، ويترتب على ذلك انفساخ النكاح، مع أن المرأة لا يقبل قولها في الطلاق. المرأة لا يقبل قولها في الطلاق، لو قالت: إن فلانا طلق فلانة، ما يقبل قولها. إنما يقبل قولها في شهادات الأموال، في الرضاع فيما يتعلق بالولادة وخصائص النساء. لكن إذا شهدت أنها أرضعت فلانا من فلانة، أنها أرضعت فلانا وأرضعت فلانة، وهما مثلا متزوجان، فهنا ينفسخ النكاح بماذا؟ بثبوت الرضاع، ينفسخ النكاح تبعا لثبوت الرضاع. لما شهدت بالرضاع أقبل قولها، ينفسخ النكاح تبعا لذلك، من باب «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا». قال: لكنه جاء تبعا لقبول قولها في الرضاع. وأمثلته كثيرة، كما في قول المرأة التي شهدت أن عقبة بن الحارث رضي الله عنه أن أرضعته وأرضعت امرأته، فذهب يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف وقد قيل؟» فأمر عقبة رضي الله عنه بفراقها، ففارقها. فهذا من هذا الباب «يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا». وأمثلته كثيرة، كما سمعنا أن من الأحكام ما إذا استقل كان له حكم، وإذا كان تبعا فله حكم آخر. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على