الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 27، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يجمع المحور بين الآيات الآمرة بالجهاد والناهية عنه بحمل كل على حال المسلمين: القوة تستدعي الجهاد والضعف يستدعي الصبر، مستدلاً بكلام ابن تيمية. كما يوضح أن القرآن يضيف الأفعال تارة لأسبابها الحسية وتارة لمشيئة الله، مما يثبت التوحيد ووجوب الأخذ بالأسباب مع التوكل.
يقرر المحور أن النصر والشفاء والرزق من الله وحده، وأن الأخذ بالأسباب الشرعية لا ينافي التوحيد بل هو مأمور به بشرط تعليق القلب بمسبب الأسباب. ويعرف التوكل بصدق اعتماد القلب على الله مع اتخاذ الأسباب المأذون بها، مبيناً أن الشرع يأمر بالنافع وينهى عن الضار.
يشرح المحور أن الحسنات تُضاف لفضل الله محضاً لتيسيره الأسباب، بينما السيئات تُضاف لتقصير العبد وتعديه مع قدر الله لها، مستدلاً بآية "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" وقصة قوم سبأ. ويؤكد أن المصيبة أجرتها بسبب كسب العبد لا لمجرد القدر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: فما بدأ في الدرس -إن شاء الله- يقرأ. قال المؤلف رحمه الله: "ومن ذلك الأمر بالجهاد في آيات الأسئلة، وفي بعض الآيات الأمر بالكفّ عن القتال والإخلاد من السكون". فهذه حين كان المسلمون ليس لهم قوة ولا قدرة على الجهاد باليد، والآيات الأخر حين قووا، مصار ذلك عين المصلحة، وهو الطريق إلى طمع الأعداء. طيب، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: كذلك يواصل المؤلف، وقد استطرد في ذكر الأمثلة القرآنية التي ظاهرها التضاد، فيجب حمل كل نوع منها على حال بحسب ما يليق ويناسب المقام، فليس هناك تعارض في القرآن. فإذا جاء أمر ونهي، نجزم أن الأمر غير النهي. طيب، ثم نبحث عن الجمع بين الأمرين. فمثلًا في هذا تجد آيات تأمر بالجهاد: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وتجد آيات فيها الكف عن القتال، مثل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وغيرها من الآيات. فكيف الجمع؟ آيات تأمر بالجهاد، وآيات تنهى عن الجهاد، تنهى عن الجهاد. فيكون الجمع كما ذكر المؤلف هاهنا، قال: "فهذه حين كان المسلمون ليس لهم قوة ولا قدرة"، يعني تحمل الآيات التي فيها الكف عن القتال أو السكون وعدم القتال على ضعف المسلمين، وأنهم لا قدرة لهم على الجهاد باليد، فأمروا بالصبر، ومروا بالصبر، كما ذكر شيخ الإسلام. يعني هذه الآيات مستمرة أيضًا بعد زمن النبوة. فمثلًا، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: لو أن بلدًا من البلاد ما عندها قدرة لجهاد الأعداء لقوة العدو وضعفهم، وكذلك عدم إمكانياتهم، فهم يأخذون بآيات الكف عن القتال والصبر. واضح: الكف عن القتال والصبر. وإذا وجد بلاد مثلًا عندهم قدرة وعندهم قوة، هنا يأخذون بآيات القتال والجهاد. فلا تعارض بين الكف عن القتال وبين الأمر بالقتال، أو الكف عن الجهاد والأمر بالجهاد. فتحمل الآيات التي فيها الكف عن الجهاد على عدم قدرة هؤلاء على القتال والجهاد، وتحمل الآيات التي وردت في الأمر بالجهاد على... كما ذكر هنا: "والآيات الأخر حين قووا"، قووا يعني صاروا أقوياء، وصار ذلك عين المصلحة، يعني هناك مصلحة من قتالهم، هناك مصلحة من قتال الأعداء، فتحمل آيات الجهاد على ذلك. نعم، الإخلاد بمعنى الركون إلى الأرض، يعني عدم الخروج للقتال. أخلد كما جاء في الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. بمعنى أخلد إلى الأرض، يعني آثر الدنيا وطيباتها وملذاتها، فانحرف عن الطريق المستقيم. وهذا الخلود إلى الأرض بمعنى الركون إلى الأرض، وعدم تحمل المشقة والسفر والخروج للجهاد، إنما يبقى في أرضه. هذا معنى الخلود. وأما السكون، فبمعنى عدم السفر والقتال ومناوأة العدو، وإنما الاستقرار في بلده. نعم، تقرأ: "ومن ذلك أنه تارة يضيف الأشياء إلى أسبابها التي وقعت وتقع بها، وتارة يضيفها إلى عموم قدره، وأن جميع الأشياء واقعة لإرادته ومشيئته، فيفيد مجموع الأمرين إثبات التوحيد، وتفريد الباري بوقوع الأشياء لقدرته ومشيئته، وإثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالمحبوب منها والنهي عن المكروه، وإباحة مستوي القربين، فيستفيد المؤمن الجد والاجتهاد في عمل الأسباب النافعة، والنظر وملاحظة فضل الله في كل أحواله، وأن لا يتكل على نفسه في أمر من الأمور، بل يتكل ويستعين بربه". نعم، قوله: "ومن ذلك أنه تارة يضيف الأشياء إلى أسبابها التي وقعت وتقع بها". مثلا على سبيل المثال في أمر الرزق، أليس الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين؟ فالله عز وجل أحيانًا يضيف الأشياء إلى إرادته ومشيئته، وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه ﴿مَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. صح؟ وفي بعض الآيات يذكر الأسباب التي بها ينال هذا الرزق، أو ينال الشفاء، أو ينال النصر ونحو ذلك. أليس الله هو الذي ينصر أولياءه؟ ومع هذا أحيانًا يذكر لهم أسباب النصر، يعني يضيف الأشياء إلى أسبابها، كقول الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. إذن هذا الآن أضاف النصر إلى أسبابها، وهي القوة الحسية والمعنوية، والأمر بالإعداد. طيب، كيف؟ الله عز وجل أليس هو الناصر؟ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. فكيف إذن أحيانًا يعلق الأشياء إلى أسبابها، ومع أنه سبحانه وتعالى يضيفها تارة إلى عموم قدرته، وأنه لا يعني حركة للعبد إلا تحت مشيئة الله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ فكيف الجمع بين ذلك؟ قال هنا: "فيفيد مجموع الأمرين إثبات التوحيد، وتفريد الباري بوقوع الأشياء بقدرته ومشيئته". يعني أن المؤمن يعلق قلبه أولًا بالله، وهذا هو معنى التوحيد، فيعلم المؤمن عند خروجه للجهاد، أو عند خروجه لطلب الرزق، أو عند تسببه للشفاء، أن الرازق، وأن الشافي، وأن الناصر هو الله. واضح هذا الآن؟ هذا أول عقيدة ينبغي أن ترسخ في قلب المؤمن. طيب، ثم بعد ذلك قال: "وإثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالمحبوب منها والنهي عن المكروه". أي أن بعد ذلك يتخذ المسلم الأسباب. ولذلك التوكل، ما هو تعريفه؟ التوكل هو... ما تعريف التوكل؟ ما درستم هذا في العقيدة؟ نعم، هو صدق اعتماد القلب على الله، مع... مع اتخاذ الأسباب الشرعية، أو الأسباب المأذون بها شرعًا. واضح؟ إذن قوله: "صدق اعتماد القلب"، هذا فيه معنى إثبات التوحيد، وتفريد الباري بوقوع الأشياء. لذلك لما تخرج أنت للرزق، ما تعتقد أن السبب هو الذي يرزقك، أن قوة السيارة، أو أن حذاقة ومهارة القائد، هي سبب في إتيان الرزق إلينا، لا، وإنما هو سبب. فمن الذي يأتي بالرزق ويأتي بالخير ويشفي؟ هو الله عز وجل. فأنت أولًا تعتقد هذا الأمر، تعتقد هذا الأمر، وهو معنى قوله: "إثبات التوحيد، وتفريد الباري بوقوع الأشياء بوقوع الأشياء". أنت الآن مريض، أمرك الشرع تأخذ بالأسباب. قال الله عز وجل في العسل: ماذا؟ في عسل النحل فيه شفاء للناس. صح. وكذلك قال في زيت الزيتون: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. طيب، هذه أسباب. ومع أن الله عز وجل ماذا قال في القرآن؟ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. هل هناك تعارض؟ ما في تعارض. الله عز وجل هو الشافي، فلا تعلق قلبك بغير الله. فمهما اتخذت من أسباب، إذا أراد الله عز وجل عدم شفائك... عدم شفائك، شفاؤك من هذا المرض فلن تشفى، لم تشفى. فهمتم هذا الآن؟ فهذه عموم قدرة الله عز وجل. واضح؟ فهمتم هذا الآن؟ فيكون الجمع هكذا: أحيانًا يعلق الأشياء بمسبباتها، ولكن لا يمنع أن يكون المسلم معلقًا قلبه بالله سبحانه وتعالى، وأن كل شيء تحت قدرة الله ومشيئة الله عز وجل. هذا معنى قوله هنا: "وإثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالمحبوب منها"، يعني السبب الذي هو مأذون به شرعًا، فهو الذي يأمر الشرع به، والذي لا ينفع لا شرعًا ولا قدرًا، ينهى الشرع عنه، والنهي عن المكروه. فمثلًا، لماذا نهي الشرع مثلًا عن الشفاء بالحرام؟ لا يجوز الشفاء بالحرام، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ شِفَاءَ أُمَّتِكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، لأن هذا الحرام يضر بالإنسان. فإذن تعرف من خلال اتخاذ الأسباب ما هي الأمور التي يحبها الله فيأذن بها، وما هي الأسباب التي يكرهها الله فينهى عنها. فهمتم هذا الآن؟ هذا معنى قوله هاهنا: "والأمر المحبوب منه والنهي عن المكروه، وإباحة مستوي الطرفين". يعني مستوي الطرفين، بمعنى لا فيه مكروه ولا فيه محبوب. فيستفيد المؤمن الجد والاجتهاد في عمل الأسباب النافعة. إذا علمت أن العسل سبب للشفاء من كثير من الأمراض، أنت ستعتني بهذا. صح. علمت أن الرقية سبب لكثير، والقرآن سبب لكثير من الأمراض، أنت ستحب هذا وتعمل هذا. لكن إذا علمت أن الحرام لا يشفي، وأنه يضر، أنت ستبتعد عنه. وهذا معنى قوله: "وإباحة مستوي الطرفين". قال: "فيستفيد المؤمن الجد والاجتهاد في عمل الأسباب النافعة، والنظر وملاحظة فضل الله في كل أحواله". يعني أن الله عز وجل سخر له من الأسباب ما يشفى بها، أو ما ينصر بها، أو ما يرزق بها، فيحمد الله عز وجل، وأن لا يتكل على نفسه في أمر من الأمور، بل يتكل ويستعين بربه. يعني لا يغتر بصحته، أو يغتر بقوته، أو يغتر بماله، أو ذكائه، فيعلق أمره كله لله، إذا علم أن هذه الأسباب هي بمجيئة الله، وهي بقدرة الله، وإنما هذه فقط أسباب، فلا يتكل على الأسباب، وإنما يتوكل على مسبب الأسباب وحده، وهو الله سبحانه وتعالى. فإذن يجمع بين الآيات التي فيها إضافة الأشياء إلى أسبابها ومسبباتها، وبين الأشياء التي أضافها الله عز وجل إلى قدرته ومشيئته. وهذا واضح بيّن في أمثلة كثيرة. فالله قد يخبر أن ما أصاب العبد من حسنة فمن الله، فما أصابه من سيئة فمن نفسه، ليعرف عباده أن الخير والحسنات والمحاب تقع بمحض فضله وجوده، وإن جرت ببعض الأسباب الواقعة من العباد، فإن الأسباب هو الذي أنعم بها، وهو الذي يسرها، يسرها، هو الذي يسرها. وأن السيئات وهي المصائب التي تصيب العبد، أسبابها من نفس العبد، وبتقصيره في حقوق ربه، وتعديه لحدوده. فالله وإن كان هو المقدر لها، فإنه أجراها على العبد بما كتبت يداه. ولهذا أمثلة يطول... لا يطول، يطول، يطول عدّها. مع الله عز وجل لما ذكر الحسنات قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. فيعظم يأتي يقول: كيف؟ ليس ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ﴾؟ فكيف هنا في هذه الآية يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؟ فكيف الجمع بين الآيتين؟ واضح هذا هو وجه الاضطراب الذي ربما يقع عند بعض الناس، ولا اضطراب لله الحمد، كما ذكر هنا المؤلف. فالله عز وجل أضاف الحسنة إليه، وهي النعمة والفضل، ليعرف عباده أن الخير والحسنات والمحاب تقع بمحض فضله وجوده، لا بقوته، ولا بدهائه العبد، ولا بماله، ولا بكثرة أولاده، ولا كثرة جنوده، ولا كذلك منصبه، ولا شيء من ذلك، إنما هو فضل محض من الله سبحانه وتعالى. وإن جرت ببعض الأسباب الواقعة من العباد. فمثلًا الرزق الحسن، من أسبابه التقوى، الاستقامة، الدعاء، التوكل، نحو ذلك مما جاء في القرآن. صح؟ أيوة. لكن لماذا الله عز وجل ما أضافها للعبد؟ لأن مهما فعل العبد من أسباب، فما يكون له من تلك المحاب إنما هي فضل محض من الله عز وجل، ليس هو بشطارة، ولا بقوة، ولا... فكأن الله عز وجل يعرف هذا العبد أن ما هو فيه من خير إنما هو من الله. بل هذه الأسباب التي وفق إليها، هذه الأسباب التي وفق إليها من التقوى، من العمل الصالح، من يعني الدعاء، من يعني الاستقامة، من يعني التوكل، من الذي أعانه عليها؟ الله عز وجل. فيرجع الأمر كله لله سبحانه وتعالى. فهمتم هذا الآن؟ لكن في السيئات، في السيئات أضاف الله عز وجل سبب... منظروا... سبب ما يقع للعبد من مصائب. لأن السيئة المراد بها المصائب والمحن والابتلاءات. طيب، فما يقع للعبد من تلك المصائب إنما هو من نفسه. إيش معنى "من نفسه"؟ قال: أسبابها من نفس العبد، وبتقصيره في حقوق ربه، وتعديه لحدوده. فالله وإن كان هو المقدر، كما أن الله عز وجل قدر له تلك الحسنة، فقدر عليه تلك السيئة، لكن قال: "فإنه أجراها على العبد بما كسبت يده"، بسبب ما فعل من أعمال سيئة، بسبب ما فعل من أعمال سيئة. ولهذا أمثلة يطول عدّها. نذكر بعض هذه الأمثلة: مثلا، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. إذن ما السبب الذي بدلوا بهذه النعم نقمًا؟ ما هو السبب؟ الإعراض من تلقاء أنفسهم. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. ولماذا أهلك الله عز وجل قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم فرعون؟ كل هؤلاء بسبب ما قدمت أيديهم، ﴿وَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾. واضح هذا الآن؟ فإذا النسبة السيئة إنما هي نسبة إلى السبب، لا إلى تقدير الله عز وجل لها، وإنما إلى السبب. حتى بعض أهل اللغة ذكر أن في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، أن "من" هنا بمعنى الباء السببية، فهي هنا سببية، أي: وما أصابك من سيئة فبسبب نفسك. هكذا يكون التقدير: يعني من نفسك، بسبب ما قدمت يدك، بسبب ما قدمت يدك. فيكون الجمع بين الآيات بهذا الجمع الذي جمع به المؤلف. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القاعدة، لندخل -إن شاء الله- في الدرس القادم إلى القاعدة الثالثة عشرة. إلى هنا، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.