الدرس في القواعد والأصول الجامعة 25، ألقاها
الأمين لا يضمن ما يتلف عنده إلا إذا تعدى أو فرط في حفظ الوديعة، ويعتمد في تحديد ذلك على العرف السائد. التعدي يكون في الاستعمال والتفريط في الحفظ، وكلاهما يوجب الضمان إذا لم يحفظ الوديعة وفقا للعرف.
التعدي يكون باستعمال الشيء في غير ما أعد له، والتفريط يكون بإهمال حفظ الشيء، وكلاهما يوجب الضمان. وضرب أمثلة على ذلك مثل استعمال السيارة في أماكن وعرة أو وضع الأمانة في مكان غير آمن.
يتم تعريف اللقطة بحسب العرف، وإذا لم يجد صاحبها بعد تعريفها لمدة سنة، ملكها الشخص الذي وجدها. إذا وجد صاحب اللقطة بعد فترة وأثبت ملكيته لها، فإنه يحق له استردادها أو الحصول على مثلها أو قيمتها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في شرحه للقاعدة التاسعة: العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم الشارع به ولم يحده. قال: ومن ذلك أن الأمين لا يضمن ما تلف عنده إلا بتعدي أو تفريط، والتعدي والتفريط مرجعه إلى العرف، فما عده الناس تعديا أو تفريطا علق به الحكم. الأمين لا يضمن ما تلف عنده؛ لأن التلف الشيء في يد الأمين كتلفه في يد صاحبه، والله عز وجل يقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾، وهذا الأمين محسن، وإذا لم يحصل منه تعدي أو تفريط فليس عليه ضمان. ليس عليه ضمان ما تلف في يده، فإذا تعد أو فرط فعليه الضمان. التعدي يكون في الاستعمال، والتفريط يكون في الحفظ. التعدي في الاستعمال والتفريط في الحفظ، فمثلا إذا وضع عنده ذهب أمانة، فأعطى الذهب لزوجته تلبسه وتتزين به، فتلف أو تكسر أو سرق، هذا يعتبر منه تعدي، فعليه الضمان. والتفريط كان يضعه في وسط البيت في الصالة، مثلا، أو فوق درج، أو شيء من هذه المواضع التي لا يحفظ فيها الذهب، فيكون بذلك مفرطا، فإذا تلف فإنه يضمن. مثله إذا وضع عنده شاء، والشاء تحفظ في الزريبة حسب العرف، فبيت هذه الشاء في خارج البيت، خارج الزريبة، فجاء السبع وعدى عليها، فهل عليه ضمان؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا تفريط منه. والتعدي لو أنه استعملها فيما لا تستعمل به، كان يحمل على ظهرها شيء من المتاع، فانكسر ظهرها أو ماتت أو مرضت، فإنه يضمن؛ لأن هذا يعتبر من التعدي. هكذا مثلا، وضع عنده سيارة أمانة، فأخذ هذه السيارة ومشى بها في المواضع التي لا تمشى فيها السيارة إلا بضرر على السيارة، أماكن وعرة، فحصل في هذه السيارة شيء من الخراب، فإنه يضمن؛ لأنه يعتبر متعديا. وهكذا التفريط لو أنه فرط في حفظها ووضعها في مكان بعيد من البيت، فسرقت أو حصل لها شيء من التلف، فإنه يضمن؛ لأنه فرط. إلى الأصل أن الأمين لا يضمن ما تلف عنده إلا إذا تعد أو فرط، وكل ما عد في العرف أن هذا من التعدي أو التفريط فإنه يكون كذلك، ويلزمه الضمان. قالوا: من ذلك أن من وجد لقطة لزمه أن يعرفها حولا كاملا بحسب العرف، فإن لم يجد صاحبها بعد تعريفها ملكها أيضا. اللقطة هو المال الذي يوجد في مكان من الأمكنة لا يعلم مالكه، إذا وجده الإنسان لزمه أن يعرفه إذا كان شيئا ثمينا. أما إذا كان شيئا حقيرا كنحو التمر والعصى ونحو ذلك، مثل هذا لا يجب تعريفه ويجوز تملكه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام حين وجد تمرة من تمر الصدقة: «لو لا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها». فإن كان شيئا ثمينا لزمه أن يعرفه حولا كاملا كما بحديث زيد بن خالد في الصحيحين، بحسب العرف. فإذا وجد شيئا في المدينة، فيعرفه مثلا بإلصاق أوراق يكتب فيها رقمه، ومن يعني ضاع عليه شيئ ثمين فيتصل على هذا الرقم مثلا، ويعلق هذه الأوراق في الأماكن التي وجد فيها هذه اللقطة وما جاورها. وإذا كان هذا الضائع أو هذه اللقطة عند أهل البدو، كيف يعرفها؟ يعرفها في مجامع هؤلاء البدو، في الأعراس مثلا ونحو ذلك، فيعرف هذا الشيء الضائع. وإذا كان هذا الضائع في الطريق، وجد في الطريق أكياسا مثلا من الرز أو السكر أو شيء من ذلك من الطعام أو غيره من المتاع، فهذا يعرفه عند أصحاب المطاعم الذين يكونون في الطريق؛ لأن الغالب أن أصحاب هذه السيارات يعني ينزلون في هذه المطاعم يأكلون ويستريحون، فيخبرهم أو يضع أوراقا في هذه المطاعم ويضع عليها رقمه، فهكذا يكون تعريف هذه اللقطة بحسب العرف. وكما سمعنا يختلف ذلك باختلاف الأحوال واختلاف الناس. قال: فإن لم يجد صاحبها بعد تعريفها ملكها، يعني إذا مرت السنة ولم يأت من يطلب هذه اللقطة ويعرف صاحبها ملكها، وجاز له التصرف فيها، باستعمالها أو ببيعها. لكن متى ما جاء صاحبها ولو بعد سنة، لو جاء بعد سنة ونصف وسنتين وأتى بالأوصاف التي تدل على أن هذه اللقطة له، فتكون له، فإما أن يرجع له مثلها أو قيمتها، إن لم يرض بتصرفه فيها، فإنه يرجع له مثلها أو قيمتها. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.