القواعد والأصول الجامعة 88

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 88، ألقاها

مقدمة في شرح قاعدة الحكم يدور مع علته

يبدأ الشرح بتوضيح قاعدة الحكم يدور مع علته وجودا وعدما من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن طهارة الهرة. يتم استنباط أحكام الطهارة لما يشبه الهرة في كثرة التطواف والمشقة في التحرز منها.

علل الشريعة وأحكامها العامة

يشرح المقطع علل الشريعة الإسلامية وأحكامها، مبينا أن كل ما أمر به هو معروف شرعا وعقلا، وأن الشريعة جاءت بمصالح العباد وتؤيدها العقول الصريحة.

تطبيق قاعدة الحكم يدور مع علته في المعاملات

يفسر المقطع قاعدة الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، ويطبقها على المعاملات المحرمة بسبب الغش أو الإسكار أو الغرر، مبينا أن وجود العلة يؤدي لوجود الحكم وانتفاؤها يؤدي لانتفائه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة" في كلامه على قاعدة الثامنة والخمسين: "الحكم يدور مع علته وجودا وعدما". قال: ولهذا الأصل أمثلة لا تحصى، تقدم في الأصول السابقة كثير منها. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهرة، قال: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات". يعني: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها، وما قد يحصل من الهرة من شربها من الإناء أو أكلها من الطعام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات". يعني: مما يكثر طوافه وتطوافه داخل البيت، فيشق التحرز منه، فإذا كان الأمر كذلك فهي طاهرة. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم علة الطهارة كونها من الطوافين، ممن يكثر تطوافها في البيت، فيشق التحرز منها، إذن هذه علة الحكم، حكم الطهارة. فنستفيد من ذلك أن كل من كان كذلك، ممن يكثر تطوافه في البيت، فإن له حكم الهرة في الطهارة، سواء ما كان مثلها في الخلقة، أو من كان دونها، أو من كان أعلى منها، فإنه كذلك يأخذ حكمها. قال: فعلل بكثرة طوفانها وترددها على الناس، وعظم المشقة فيها لو حكمنا بنجاستها، فدل على أن هذا الحكم، وهو الطهارة، ثابت لها، أي للهرة، ولما هو دونها في الخلقة -يعني ما هو أقل منها كالفأر-، الفأر يكثر تطوافه في البيت، وهو دون الهرة في الخلقة، فيأخذ كذلك حكمها. ولما هو أكثر تطوافا ومشقة منها، كالحمار والبغل والصبيان، الحمار كذلك يكثر تطوافه وملامسة الإنسان له، واستعماله، فيشق التحرز منه، فلذلك كان الحكم أنه طاهر، وكذا البغل كذلك، أنه طاهر لكثرة استعمال الإنسان له. والصبيان -يعني كذلك- أن الصبيان حكمهم الطهارة. وبعض أهل العلم قال: ذكر الصبيان مع الحمار والبغل -يعني- شايفه نظر، كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وذلك أن الصبي والأصل أنه طاهر، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن المؤمن لا ينجس". فذكره مع ذكر الحمار والبغل، وكذلك هذه الحيوانات -يعني- نظر. قال: وقال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُم عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. وكل ما أمر به فهو معروف شرعا وعقلا، وكل ما نهى عنه فهو منكر شرعا وعقلا، وكل ما أباحه فهو طيب، وكل ما حرمه فهو خبيث. وهذه علل جامعة تشمل جميع الشريعة وأنواعها وأفرادها، تفصيل لهذه الجمل الجامعة -يعني- أن ما أمر به الشرع فهو من المعروف، والعلة أن في الأمر به كونه معروفا، فكل ما كان معروفا -سواء في الشرع أو في العقل أو في العرف- فهو ما أمر به، سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب. لأن ربنا عز وجل يقول: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾، إذا كل ما كان معروفا فهو ما أمر به، ومطلوب تحصيله. المعروف شرعا الذي عرف من جهة الشرع، أو عرف كذلك من جهة العقل مما يوافق الشرع، أن هذا من المعروف، أو مما تعرف عليه الناس، وهو لا يخالف الشرع، فهو كذلك أيضا ما أمر به. وهكذا كل ما نهى عنه فهو منكر، كل ما نهى عنه فهو منكر، سواء كان المنكر المنكر شرعا أو المنكر عقلا، المنكر شرعا أو المنكر عقلا، فما أنكره الشرع ونهى عنه وحرمه فهو حرام. وهكذا أيضا ما أنكره العقل الصحيح أو العقل الصريح، فإن هذا مما يوافق النقل الصحيح، والعقل لا يتعارض مع النقل، بل العقل الصريح يؤيد ويؤكد ما جاء به الشريعة الصحيحة. فالشريعة جاءت بالأحكام والأوامر والنواهي التي فيها مصالح العباد في دينهم ودنياهم وأخراهم، وكل ما جاءت به الشريعة فهو مما تؤكده العقول الصريحة، فلا يتعارض العقل مع النقل. وهذا قال: "وكل ما نهى عنه فهو منكر شرعا وعقلا" -يعني- عرف إنكاره من جهة الشرع، فجاء النهي عنه والتحذير منه، والعقل كذلك يؤيد ذلك، والعقل ينكر كذلك هذا المنكر. فتحريم الشريعة -مثلا- لشرب الخمر لأنه يزيل العقول، وإذا زالت العقول وقعت الشرور، ووقعت أنواع من المحرمات والذنوب، ربما من قتل نفس أو الزنا أو السرقة أو غير ذلك من أمور المحرمة في الأجل، هذا جاءت الشريعة بتحريمه، والعقل يؤكد ذلك. وهكذا تحريم الشريعة للزنا، لأنه فيه ضياع الأعراض، وضياع الأنساب، وفساد الفرش والأسر، وكذلك فساد المجتمعات، والعقل كذلك يؤكد ذلك ويؤيده، وخص على ذلك في سائر الأمور المحرمة والمنكرات. قال: "وكل ما أباحه فهو طيب"، كل ما أباحه -يعني الشرع- فهو طيب، لأن الشريعة لا تأمر ولا تحل إلا ما كان طيبا، قال الله جل وعلا: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾، إذا كل ما كان طيبا فهو حلال، كل ما كان طيبا فهو حلال، حتى ولو لم يأت في الشريعة نص على تحليله، إذا كان طيبا ليس فيه شيء من الخبث، فإنه يؤخذ من عموم هذه الآية حله. كأن هذه علة ما هو العلة في تحليل هذا الأمر، كونه طيبا، إذا كل ما كان طيبا فهو حلال. ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، إذا كل ما كان خبيثا فهو حرام، كل ما كان خبيثا فهو حرام. ويعرض طيب الأشياء وخبثها -يعني- بتحقيق أو بقول أهل العقول السليمة، فما حكم عليه بأنه طيب فهو طيب، وما حكم عليه بأنه خبيث فهو خبيث. قالوا: من العلة الجامعة تحليله: كل معاملة فيها غرر، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر، إذا كل معاملة فيها غرر فهي منهي عنها، الغرر -يعني- وجود شيء من الجهالة في البيع والشراء، فيكون الإنسان بين الغنم والغرم، فهذا كل ما كان في هذا الوصف فهو منهي عنه، فالعلة في تحريم بيع الغرر لوجود الغرر، فإذا انتفى وجود الغرر مع توفر الشروط الأخرى في صحة البيع، البيع صحيح، وإذا وجد الغرر فهو منهي عنه. قال: وتحريم الخمر، وهو كل ما خامر العقل، كل ما خامر العقل -يعني- ما غيّر العقل وأزاله، فهو خمر، سواء سمي خمرا أو سمي عصير عنب أو سمي مشروبا روحيا أو غير ذلك من المسميات، فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». ما هو العلة؟ العلة الإسكار، العلة الإسكار، إذا زال الإسكار فهو حلال، إذا كان هذا الشراب ليس يمسكر فهو حلال، وإذا وجد الإسكار فهو حرام. قال: وتحريمه للغش في المعاملات وغيرها، أيضا كذلك تحريم الغش في المعاملات، فالمعاملة فيها غش هي محرمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا». إذا كل معاملة فيها غش فهي حرام، وإذا سلمت منها الغش فهي حلال. وقس على ذلك. هذا معنى هذه القاعدة: "الحكم يدور مع علته وجودا وعدما"، فإذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على