الدرس في القواعد والأصول الجامعة 3، ألقاها
يبدأ الدرس بتعريف القياس وأهميته في الأحكام الشرعية، ويشرح مفهوم المصالح والمفاسد. يتم توضيح كيفية استخدام القياس في بناء الأحكام.
يناقش الدرس قاعدة تحقيق المصالح ودرء المفاسد في الشريعة الإسلامية، ويشرح تطبيقاتها في مختلف الحالات مثل الضرورة والمسابقات التي تعين على الجهاد.
يتم شرح كيفية تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد في مواقف مختلفة، مثل تفضيل المصلحة الأعلى وارتكاب المفسدة الأخف لدفع المفسدة الأعظم.
يختتم الدرس بشرح القاعدة الكلية العامة للشريعة الإسلامية، وهي أن الشريعة لا تأمر إلا بمصلحة خالصة أو راجحة، ولا تنهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في الكلام على القاعدة الأولى: الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة. قالوا: أحد الأصول الأربعة القياس، أحد الأصول الأربعة يعني الأدلة الشرعية الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فالقياس أحد الأدلة التي دلت الأدلة من الكتاب والسنة على حجيته واعتباره. قال: القياس وهو الميزان الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية، الذي قال الله فيه: ﴿الله الذي نزل الكتاب بالحق والميزان﴾. نزل الكتاب أي النقل المصدق، وهو يشمل كل كتاب أنزله الله، والميزان العدل. وهو الجمع بين المسائل المتماثلة في مصالحها أو في مضارها بحكم واحد، والتفريق بين المتباينات المختلفات بأحكام مختلفة مناسبة لكل واحد منها. والقياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، والشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق، لا يفرق بين المتماثلات كما أنه لا يجمع بين المختلفات. فما كان متماثلا كان له حكم واحد، وما كان مختلفا كان لكل حكمه الخاص. فالجمع بين المشاكل المتماثلة في مصالحها هذا من الميزان الذي أنزله الله، والعدل أن يلحق المثيل بمماثله فيما دل عليه من مصلحة. وهكذا أيضا أن يلحق الضار بما هو مثله مما فيه ضرر، وجاءت الشريعة بالنهي وتحريمه. ويفرق بين المتباينات والمختلفات. قال: مثال ما مصلحته خالصة من المأمورات، ومضرته خالصة من المنهيات، جمهور الأحكام الشرعية. فالإيمان والتوحيد والإخلاص والصدق والعدل والإحسان والبر والصلة وأشباهها مصالحها في القلب والروح والدين والدنيا والآخرة لا تعد ولا تحصى. فهذه مصالحها خالصة، ولهذا جاءت الشريعة بالأمر بها وبالترغيب فيها والحث عليها، بما فيها من صلاح للقلوب والأبدان والأرواح والدين والدنيا والآخرة، كالإيمان بالله جل وعلا، وتوحيد الله وإفراده بالعبادة، وإخلاص العبادة لله، والصدق في القول والفعل، والعدل في سائر الأمور، وهكذا الإحسان والبر إلى آخره. قال: والشرك والكذب والظلم مضارها لا يمكن تعدادها عاجلا أو آجلا، والخمر والميسر والربا مفاسدها أكثر من منافعها. الشرك والكذب والظلم مفسدته خالصة، فلهذا جاءت الشريعة بالنهي عنه، جاءت بالنهي عنه وبتحريمه وذمه الشرك والظلم، وهكذا الكذب. وإن كان ورد في الشريعة إباحة شيء من الكذب في شيء مقصود، وعلى اختلاف بين أهل العلم هل مراد به الكذب صراحة أو المراد به ما يسمى بالتورية، وذلك في حديث الرجل امرأته، وفي الإصلاح وفي الحرب. الإصلاح بين الناس، وفي الحرب ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص فيه في الكذب فيها لما يترتب على ذلك من مصالح أعظم من مفسدة الكذب. وهكذا الخمر والميسر والربا مفاسدها أكثر من منافعها. قال الله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. فأثبت الله جل وعلا فيهما نفعا، وهذا النفع نفع دنيوي، ليس نفعا شرعيا. النفع في الخمر والميسر نفع دنيوي، هو بما يتحصل به الإنسان من مكاسب ومن مال، هذا نفع دنيوي، لكن في مقابل ما يترتب عليه من مفاسد هي أكثر. ولذلك جاءت الشريعة بتحريمه. وهكذا أيضا الربا قد تكون فيه منفعة، لكن مفاسده أعظم، ولذلك جاءت الشريعة بتحريمه. قال: وتعلم السحر مضرته خالصة. قال تعالى: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾. فالسحر مضرته خالصة، ليس فيه شيء من المصالح، فكان مقصودا لذاته، فحرم تحريما لذاته، فليس فيه شيء من المصالح، فكانت مفسدته مفسدة خالصة لما يحصل به من ضرر على الأبدان والعقول والأرواح والفساد في الأسر إلى آخره. قال: وحرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوها لما فيها من المفاسد والمضار. فإذا قاوم هذه المفاسد مصلحة عظيمة ودفع مفسدة كبيرة وهي الضرورة لإحياء النفس حلت. قال تعالى: ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾. الميتة ما مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية، ما مات من غير تذكية يسمى ميتة، والدم المسفوح الذي يخرج من الدابة، ولحم الخنزير، هذه أشياء محرمة لما فيها من ضرر وفساد. لكن أجيز استعمالها عند الضرورة لدفع مفسدة أعظم، لدفع مفسدة أعظم وهي هلاك النفس. هلاك النفس أعظم من أكل الميتة ومن شرب الدم وأكل لحم الخنزير. فلأجل ذلك جاز للإنسان إذا خشي على نفسه الهلاك أن يأكل هذه المحرمات. فمن اضطر في مخمصة غير متجانف الإثم، مخمصة يعني مجاعة، أصابته مجاعة وخشي على نفسه أن يهلك، غير متجانف الإثم يعني غير مائل للإثم، وهو ليس في ضرورة، أو أن يأكل أكثر من قدر الحاجة. فإذا كان هذا الأمران منتفيان جاز له أن يأكل من هذه المحرمات. فإن الله غفور رحيم. وهذا من هذه القاعدة من باب تحقيق المصالح ودرء المفاسد. ولما كانت مصلحة الجهاد من أعظم المصالح، جاز العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام، وخرجت عن الميسر المحرم. لما كانت مصلحة الجهاد من أعظم المصالح، لما فيها من إعلاء الدين وإظهاره وقوته، وكذلك أيضا عزه ورفعته، جاز العوض مع أن الميسر محرم، لكن جاز فيما يعين على الجهاد في مسابقة الخيل والإبل والسهام. كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر». سيأتي الكلام عليه في موضعه، وأن هناك شروطا لأخذ العوض على مسابقة الخيل والإبل والسهام. قالوا: يستدلون بهذا الأصل العظيم والقاعدة الشرعية على أن علوم الكون التي تسمى العلوم العصرية وأعمالها وأنواع المخترعات النافعة للناس في أمور دينهم ودنياهم أنها داخلة فيما أمر الله به ورسوله، ومما يحبه الله ورسوله، ومن نعم الله على العباد لما فيها من المنافع الضرورية والكمالية. فالبرقيات بأنواعها والصناعات كلها وأجناس المخترعات الحديثة تنطبق هذه القاعدة عليها أتم انطباق. البرقيات يعني إيصال الرسائل إلى أي مكان كان، وذلك عبر البرقية ترسل الرسالة. والشيخ رحمه الله لم يدرك ما تطور به العلم في هذا العصر إلى استعمال وسائل التواصل كالنت ونحوه، فيدخل في هذا الباب مما ينتفع به. وأصل البرقيات أو إيصال البريد هذا كان موجودا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، كان البريد في ذاك الزمن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الخيل، رجل يركب الخيل ثم يأخذ الرسالة فينطلق بها إلى بلد معين ومكان معين، فيلقاه آخر على خيله فيعطيه الرسالة وينطلق الثاني إلى مكان معين فيعطيها الثالث، وأخيرا حتى تصل إلى المقصود إيصال الرسالة إليه. وهذه من المصالح التي يحتاج لها الناس، فإذا وجد ما يغني عن ذلك بهذه الوسائل الحديثة والمخترعات العصرية فإنه ينتفع بها لأن فيها مصالح للناس مع الحذر مما قد يكون فيه مخالفة شرعية. قال: والصناعات كلها وأجناس المخترعات الحديثة تنطبق هذه القاعدة عليها تمام الانطباق، كالكمبيوتر وغيرها من الصناعات مما ينتفع به الناس. قال: فبعضها يدخل في الواجبات، وبعض في المستحبات، وشيء منها في المباحات بحسب نفعها وما تثمره وينتج عنها من الأعمال والمصالح. كما أنها أيضا تدخل في هذا الأصل الشرعي، فبعضها يدخل في الواجبات. ومن هذه الصناعات والمخترعات الحديثة ما هو واجب، ما يحتاج له الناس ولا يستغنون عنه، كصناعة الأسلحة مثلا التي بها تقوى البلاد الإسلامية في الدفاع عن بلادها وعقيدتها ودينها، هذا يكون من الواجبات. وهكذا أيضا بعضها يكون في المستحبات، وشيء منها في المباحات. ومن ما قد يكون من المحرمات إذا كانت مفاسدها أعظم من مصالحها فإنها تأخذ حكم التحريم. فالمفسدة إذا غلبت على المصلحة فإنها يغلب جانب التحريم، كما أن المصلحة إذا كان فيها شيء من المفسدة لكن المصلحة أعظم وأكثر، فإن حينئذ يغلب جانب الإباحة. هناك بعض القواعد التي تندرج تحت هذه القاعدة قاعدة المصالح والمفاسد، منها: إذا اجتمعت مصلحتان فإنه يرتكب أعلى المصلحتين. إذا كان عندنا مصلحتان فإننا نرتكب أعلى المصلحتين. واستدل العلماء لهذه القاعدة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، مثل به في صحيح مسلم. إذا أراد إنسان أن يصلي النافلة والنافلة فيها مصلحة، وأقيمت الصلاة الفريضة، فهل يصلي النافلة أو يترك النافلة ويدخل في صلاة الفريضة؟ الجواب: يدخل في صلاة الفريضة لأن صلاة الفريضة أوجب وأوكد. وكذلك أيضا من القواعد التي تندرج تحت هذه القاعدة: إذا اجتمعت مفسدتان فإنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. إذا عندنا مفسدتان فنرتكب الأخف لدفع الأعلى. واستدل لها العلماء بقول الله جل وعلا: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾. أمر الله عز وجل بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة، مع أن قتالهم فيه مفسدة تعرض النفس للموت والهلاك، وهذه مفسدة. وكذلك ييتم الأطفال وتأرمل النساء، هذه مفاسد في قتال الكفار، لكن فيه مقابل ما عليه كفار من الكفر وهو الفتنة المراد في هذه الآية، فالكفر أعظم ومفسدة أكبر. فلأجل هذا ارتكب أخف المفسدتين، وهو تعريض هذه النفس للهلاك مع ما يترتب على ذلك من تيتيم وترمل، في مقابل دفع المفسدة الأعلى وهي ظهور الكفر وبقاء الكفر. ومثل أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا حضرت الطعام وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالطعام». حديث عائشة وغيرها رضي الله تعالى عنها في الصحيح. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء إذا حضر وأقيمت الصلاة، لماذا؟ لأن ابتداءه بالعشاء مفسدة أخف من أن يدخل في الصلاة وقلبه معلق بالطعام فلا يخشع في صلاته ولا يتدبر، فيذهب لب الصلاة وروحها، فارتكب الأخف. القاعدة الثالثة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. درء المفاسد أولى من جلب المصالح. واستدل لها العلماء بقول الله جل وعلا: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾. نهى الله عز وجل عن سب آلهة المشركين مع أن هذا فيه مصلحة إظهار لعز الدين والإسلام وظهوره وعلوه وإذلال لآلهة المشركين، لكن إذا ترتب على ذلك أن يسب المشركون الله، وهذه مفسدة أعظم، فدرء هذه المفسدة أولى من جلب هذه المصلحة. وهكذا أيضا استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح، قوله لعائشة: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولبنيت على قواعد إسماعيل». لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية أو بكفر لهدمت الكعبة، يعني لولا أن يحدث من ذلك مفسدة، ربما يعني لما يرون هذا الفعل يصيبهم غضب على انتهاك حرمة البيت، ربما يرتدون أو شيء من ذلك، لهدمت وبنيت على قواعد إسماعيل. وهذه مصلحة، لكن في مقابل ما يترتب عليها من مفسدة ترك النبي عليه الصلاة والسلام ذلك من باب درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فهذه القواعد الثلاث مما تندرج في هذه القاعدة الكلية العامة: أن الشريعة لا تأمر إلا بمصلحة خالصة أو راجحة، ولا تنهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.