الدرس في القواعد والأصول الجامعة 19، ألقاها
يشرح العلامة السعدي أهمية اتباع الشريعة في أحكام النكاح والطلاق، ويبين شروط وأركان هذه الأحكام. يوضح أن الشريعة مبنية على الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله.
يناقش المقطع أحكام الأيمان والنذور، ويحذر من الحلف بغير الله. يشترط أن يكون النذر لله بالطاعة ويبين أحكام الحنث في اليمين وكفارة النذر.
يؤكد على أن القضاء يجب أن يكون موافقا للشرع، والتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله هو أساس الإيمان. يبين أن جميع الأحكام مستمدة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
تم الانتهاء من قراءة القاعدة، وتمت الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يمثل هذا الختام نهاية الدرس والتأكيد على أهمية ما تمت مناقشته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتاب «القواعد والأصول الجامعة» في كلامي على القاعدة الخامسة: «الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: وكذلك النكاح، شروطه وأركانه، والذي يحل من النساء، والذي لا يحل، والطلاق، والرجعة، وجميع الأحكام المتعلقة به، لا بد أن تقع على الوجه المشروع، فإن لم تقع فهي مردودة. أيضا النكاح شروطه وأركانه لا بد أن تكون موافقة للشرع، فشروط النكاح من رضى الزوجين، وتعيين الزوجين، ووجود الولي، وإعلان النكاح، والإشهاد عليه، هذه لا بد من توفرها في النكاح حتى يكون صحيحا. وأركانه وهما الزوجان والإيجاب والقبول، لا بد من توفر هذه الأشياء في النكاح حتى يكون صحيحا. فإن اختل شيء من هذه الأركان أو الشروط لم يصح النكاح. والمراد بالشروط شروط النكاح، أي التي هي من جهة الشرع، لأن عندنا شروط في الشيء، وشروط الشيء، شروط الشيء تكون من جهة الشرع. وأما شروط في الشيء فهذه تكون من جهة المتعاقدين، مثلا اشتراط المرأة أنها لا تسافر من بلدها، هذا يسمى شرطا في النكاح، واشتراط الولي هذا شرط من شروط النكاح. ما الفرق بينهما؟ شروط النكاح تكون من جهة الشرع، فاشتراط الولي مثلا هذا من جهة الشرع، لكن اشتراط المرأة أنها لا تسافر من بلدها هذا من عندها، هذا الشرط من عندها يسمى شرطا في النكاح. وشروط النكاح لا يجوز إسقاطها، يعني لو قالت المرأة: أنا راضية أتزوج بلا ولي، نقول: ما يصح، لا بد من الولي، هذا الشرط ماذا وضعه الشرع؟ لا بد منه. لكن الشرط أنها لا تسافر، لو قالت بعد ذلك: لا بأس، أنا رضيت أن أسافر وأسقطت هذا الشرط، لها حق. كذلك الشرط، شروط النكاح لا يصح النكاح إلا بها، بخلاف شروط في النكاح، فإنه يصح ولو لم توجد. الشرط الثالث كما ذكرنا أن شروط النكاح من جهة الشرع، وشروط في النكاح من جهة المتعاقدين، وهذا قل في سائر الأشياء التي لها شروط. وهكذا الذي يحل من النساء، والذي لا يحل، لا بد أن يكون موافقا للشرع. لو قال شخص مثلا: أنا أتزوج أختي من الرضاع، وقالت الأخت من الرضاع أنها موافقة، هل هذا يصح ويحل النكاح؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه مخالف للشرع. وهكذا الطلاق إذا أراد أن يطلق، لا بد أن يكون الطلاق طلاقا سنيا موافقا للشرع، بأن يطلقها في طهر لم يجامع فيه، أو يطلقها وهي حامل. أما أن يطلقها وهي حائض، أو في طهر جامع فيه، فهذا يسمى عند أهل العلم طلاقا بدعيا، ولا يجوز. وهكذا أيضا الرجعة كذلك، لا بد أن تكون على ما يوافق الشرع، فيراجع امرأته المطلقة طلاقا رجعيا، يعني بعد أن طلقها طلقة الأولى أو طلقة الثانية. أما إذا طلقها ثلاثا، ثم قال: أراجعها، هنا ما يصح الرجعة لأنها قد بانت منه. قال: «وجميع الأحكام المتعلقة به لا بد أن تقع على الوجه المشروع، فإن لم تقع فهي مردودة». وكذلك الأيمان والنذور، لا يحلف العبد إلا بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته. نعم، الأيمان والنذور، قال: أو بنذر لله، فمن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعص الله فلا يعصه. يعني الأيمان كذلك ينبغي أن تكون موافقة للشرع. فإذا أراد أن يحلف فلا يحلف إلا بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه، والله، أو طالله، أو والعزيز، أو والحكيم، أو والرحيم، أو والقدير، والكريم، والجبار، أي اسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته، والذي نفسي بيده، والذي رفع السماء بلا عمد، وعزة الله، وقدرة الله، فهذا الحلف جائز. أما أن يحلف بغير الله، يحلف بالأمانة، أو بالشرف، أو بالكعبة، أو برأس أمه، إلى آخر ذلك من الحلف بغير الله، هذا لا يجوز، ويقع من فعل ذلك في الشرك، من حلف بغير الله، وقد كفر أو أشرك. كذلك أيضا النذر، إذا نذر فينبغي أن ينذر لله بالطاعة، وإن كان ابتداء عقد النذر مكروها، لكن إذا عزم على ذلك فليكن نذر طاعة، لا ينذر نذر معصية، ما يقول: الله إن حصل كذا سأترك الصلاة في المسجد، أو سأفعل كذا أو كذا من أمور المحرمة، ينبغي أن يكون النذر موافقا للشرع، يكون في أمر طاعة وبر. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، إذا نذر نذر طاعة وجب عليه الإيفاء، وجب عليه أن يفي بهذا النذر. وإن كان نذر معصية فلا يعصه، «ومن نذر أن يعص الله فلا يعصه»، لا يجوز له أن يعص الله ويقول: أنا نذرت، أنا نذرت أني ما أصلي هذا اليوم، قلت لله علي أني ما أصلي هذا اليوم، يقول: ما يصح هذا النذر عليك أن تتوب إلى الله. وهل عليه كفارة؟ على قولين، أهل العلم منهم من يقول: عليه كفارة لعموم حديث: «كفارة النذر كفارة يمين»، كفارة النذر كفارة يمين، عليه أن يكفر كفارة يمين. قال: وكذلك الحنث في الأيمان لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتي الذي هو خير وليكفر عن يمينه»، من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، يعني إذا حلف أنه لا يفعل هذا الشيء ورأى أن الخير له أن يفعله، يفعله ويكفر، يفعله ويكفر، أو يكفر ثم يفعله. لو قال: والله لا أدخل بيت فلان، ثم رأى أن الأفضل أنه يدخل، فدخل هنا حنث في اليمين، معنى حنث بمعنى وقع فيما قالها في يمينه، وحلف أنه ما يدخل ودخل، هنا حنث، فعليه الكفارة، يجوز له أن يدخل ثم يكفر، ويجوز أن يكفر ثم يدخل. فإذا حلف على شيء ورأى أن الخير في فعل هذا الشيء الذي حلف على تركه، أو حلف على فعله أنه لا يفعله، فيفعله ويكفر كفارة يمين. قال: وكذلك الفتوى والقضاء والبينات وتوابعها، جميعها مربوطة بالشرع، يعني من أفتى بفتوى لا بد أن تكون الفتوى موافقة للشرع، لا تكون الفتوى من هواه وعقله ورأيه وإن خالف الشرع، لا ما تكون فتوى صحيحة حتى تكون موافقة للشرع. وهكذا القضاء إذا قضى فلا بد أن يقضي بما يوافق الشرع، أن يقضي بما يوافق الشرع الشرع، ويقضي بالحق البين على المدعي، واليمين على من أنكر. وإذا قضى بغير الحق فهو موعود بالنار، وفي حديث بريدة قال عليه الصلاة والسلام: «القضاءة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى بجهل فهو في النار، ورجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة». لا بد أن يكون القضاء موافقا للشرع. والبينات كذلك، البينات لا بد أن تكون موافقة للشرع، إذا طالب الحاكم والقاضي المدعي بالبينة، هذه البينة لا بد أن تكون موافقة للشرع، وهي تختلف باختلاف القضايا والأحوال، قد تكون البينة شاهدان، وقد تكون أربع شهود، وقد تكون شاهد ويمين، وهكذا تختلف على حسب أحوال القضايا، لكن أيضا لا بد أن تكون البينات موافقة للشرع. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فهذه الآية دلت على أنه لا يحصل للعبد كمال الإيمان حتى يتحاكم إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيما شجر بينهم، ويحصل بينهم من اختلاف، فيكون التحاكم إليه عليه الصلاة والسلام في حياته، وإلى سنته بعد موته، ولا بد من الرضا بقضائه والتسليم له، ولا يكون في القلب شيء من الحرج في قضائه عليه الصلاة والسلام. وقال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، فأمر الله عز وجل عند التنازع برد ما تنازع فيه إلى الله ورسوله، أي الكتاب والسنة، إلى الكتاب والسنة، فلا بد من الرجوع إليهما والحكم بما حكم الله به ورسوله. قال: «بل الفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذا الأصل المحيط»، يعني الأصل الشامل العام، فجميع المسائل والأحكام لا بد فيها من الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: «فإن الأحكام كلها مأخوذة من الأصول الأربعة: الكتاب والسنة، وهما الأصل»، يعني الأصل الذي يرجع إليهما وتأخذ منهما الأدلة والأحكام. والإجماع مستند إليهما، الإجماع مستند إلى الكتاب والسنة، فإجماع أهل العلم على مسألة من المسائل، فإنهم يجمعون بما دل عليه الدليل، وقد يكون هذا دليل ظاهرا، وقد يكون خفيا، قد لا يطلع عليه كل الناس أو لا يعلمه أغلب الناس، وتفاصيل ذلك مقررة في كتب الأصول. قال: «والقياس مستنبط منهما»، أي من الكتاب والسنة، والقياس من آخر الأدلة التي يرجع إليها عند عدم وجود الدليل الصريح في المسألة من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فحينئذ يلجأ إلى القياس، فيلحق الفرع بأصله في العلة التي يوافقه فيها فيأخذ حكمه. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، ويلحق النظير بنظيره، والشبيه بشبيه، والمراد به القياس الجلي، القياس الجلي الذي علمت علته، كان منصوصا عليها أو مجمعا عليها، ونحو ذلك من الأقيسة الجلية. أما القياس الخفي فهو من أنواع القياس الضعيف. فمراده بذلك أن جميع الأدلة: الكتاب والسنة، أو الأحكام ترجع إلى هذه الأدلة: إلى الكتاب والسنة، ثم الإجماع المستند إليهما، ثم القياس المستنبط من الكتاب والسنة. بهذا نكون انتهينا من قراءة هذه القاعدة إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.