الدرس في القواعد والأصول الجامعة 51، ألقاها
تنص القاعدة الخامسة والعشرون على استخدام القرعة عند التزاحم أو الإبهام، وقد ثبت ذلك في الكتاب والسنة. القرعة تستخدم لتحديد صاحب الحق عند عدم وجود تمييز أو معرفة صاحب الحق الحقيقي.
تستخدم القرعة في حالات التزاحم على حق أو منفعة دون تمييز، مثل الإمامة أو الأذان أو الحصول على شيء مباح. كما تستخدم في حالات الإبهام مثل النزاع على ملكية شيء معين دون وجود بينة أو دليل.
تناقش هذه الفقرة تفاصيل استخدام القرعة في حل النزاعات، مثل النزاع على ملكية شيء معين أو تحمل الديون. كما تتناول طرق حل النزاع على الممتلكات المشتركة، مثل استخدام القرائن أو القرعة عند عدم وجود بينة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه "القواعد" الوصول للجامعة، القاعدة الخامسة والعشرون: تستعمل القرعة عند التزاحم ولا مميز لأحدهما، أو إذا علمنا أن الشيء لأحدهما وجهلناه. هذه القاعدة ذكرها المؤلف رحمه الله، وهي قاعدة صغرى، قاعدة صغرى جزئية، وهي أشبه بالضابط، فقال: تستعمل القرعة عند التزاحم ولا مميز لأحدهما، يعني إذا تزاحم اثنان فأكثر في أمر من الأمور أو حق من الحقوق، وقد تساويا في المنزلة والدرجة، ولا مميز لأحدهما على الآخر حتى يقدم أحدهما، فنقرع بينهما. قال: أو إذا علمنا أن الشيء لأحدهما وجهلناه، وهذا سيأتي الكلام عليه. وهكذا أيضا عند الإبهام يستعمل القرعة، عند الإبهام يعني إذا أبهم أمر له الحق، فيقرع بينهما، وسيأتي إن شاء الله توضيح ذلك في المثال. قال: وقد ثبتت القرعة عند الاشتباه في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، وهذه في قصة يونس عليه السلام، لما صعد في السفينة وخشوا من الغرق اقترعوا على واتفقوا أن من أصابته القرعة ألقي في البحر، فساهم أي قارع، اقترع، والسهام أو المساهم إلقاء السهام على جهة القرعة، فساهم فكان من المدحضين أي من الملقين في البحر. وقال: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾، يعني يلقون أقلامهم أي سهامهم، اقترعوا من تقع عليه القرعة فيكفل مريم. فإن قيل قال قائل: هذا في شرع من قبلنا، نقول: نعم هذا في شرع من قبلنا، لكن جاء في شرعنا ما يؤيده ويؤكده، ولم يأت في شرعنا ما ينسفه ويبطله، وإذا كان كذلك فإن في هذه الحال يكون ما كان شرعا لمن قبلنا شرع لنا ما دام أنه قد جاء في شرعنا ما يجيزه. قال: وقد أقرع النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات، نعم أقرع عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصف الأول، وإذا أراد أن يسافر أقرع بين نسائه، فمن خرجت عليها القرعة أخذها معه. وقال عليه الصلاة والسلام في حديث بهريرة: «الأول حيث عائشة، وفي حيث بهريرة»، قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، يعني لو لم يجدوا إلا أن يقترعوا حتى يقف أحدهما في الصف الأول لقترع. فثبت القرعة من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وثبتت من فعله. قال: فإذا جهل المستحق أو تزاحم عدد على حق من الحقوق، على من يقدم لولا يمكن اجتماعهم فيه، ولا مميز لأحدهم، قوله: لا مميز لأحدهم معناه إذا وجد ما يميز فنعمل بالتمييز، يعني مثلا اجتمع اثنان على الإمامة أحدهما أحفظ من الآخر، يقدم الأحفظ، هنا فيه مميز يقدم الأحفظ، فإن كان سواء في الحفظ وفي الفقه وفي السنة وسواء مثلا في الصنعة، ليس هناك مميز لأحدهم مع الآخر، هنا نستعمل القرعة. قال: ولا مميز لأحدهم أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة استحق، يعني استحق هذا الحق. فمتى تشاح اثنان في إمامة أو أذان أو سبق إلى مباح أو إلى جلوس بمسجد أو سوق أو رباط أو نحوها، ولم يكن لأحدهما مرجح أقرع، فمن خرجت له القرعة قدم. تزاح اثنان في الأذان كلاهما يريد أن يؤذن، نظرنا فيهما، فإذا أحدهما صوته ضعيف والآخر صوته جهوري، يقدم صاحب الصوت الجهوري لأن هذا مما يطلب في الأذان أن يكون المؤذن ذا صوت قوي حتى يبلغ الأذان إلى مسافة أبعد. أو هكذا من سبق إلى مباح تسابق اثنان إلى مثلا حشيش أو إلى حطب وليس بينهما يعني مميز، كلاهما يقول هذا حقي وجاء في وقت واحد، هنا نقرع بينهما. أو إلى جلوس بمسجد، هذا إذا كان المسجد ضيق مثلا أو حصل مثلا أن جاء في وقت واحد وكلاهما أراد الجلوس في موضع معين، هنا نقرع بينهما. لكن إذا كان هناك مميز أحدهما سبق جلس ثم قام مثلا ليتوضأ فجاء الآخر فجلس محله ثم تنازع، نقول هنا الأحق بهذا المكان الأول لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به». قال: أو سوق، يعني كذلك إذا جلس في موضع في السوق إذا سبق إليه فهو أحق به. فإذا جاء في وقت واحد ولا مميز أقرع بينهما. أو رباط يعني في سبيل الله، أو نحوها يعني من الأمور التي تحصل فيها المشاحة ويحصل فيها الازدحام ولا مميز، فنستعمل القرعة. ولم يكن لأحدهما مرجح أقرع، فمن خرجت له القرعة قدم. قال: وكذلك لو بذل لأولاهم به ثوب، لو بذل لأولاهم به ثوب أو ماء أو غيره ولم يتميز الأول، رجحت القرعة. لو بذل أو بذل لأولاهم به ثوب يعني إذا قال شخص هذا الثوب أولى الناس به، أحواجهم إليه أولى الناس به، فجاء اثنان كلاهما يقول أنا محتاج، نظرنا فيهما وإذا حالتهما سواء في الحاجة وفي المظهر، هنا نقرع بينهما. أو كذلك ماء لو قال هذا الماء لمن هو أعطش، فجاء اثنان كلاهما قال أنا عطشان، هذا يقول أنا في غاية من العطش والثاني يقول أنا في غاية من العطش، هنا نقرع بينهما. أو غيره يعني من الأمور التي تبذل لمن هو أولى، مثل أيضا الأوقاف، بعض الأوقاف قد يوقف الواقف بيتا فيقول هذا البيت للمساكين أو لطلبة العلم، هذا البيت يسكنه من أراد أن يطلب علما، جاء اثنان في وقت واحد فهنا نقرع بينهما لأن كلاهما يستحق أن يسكنه، أو جاء اثنان من المساكين فيقرع بينهما. قال: ومنها إذا طلق إحدى زوجاته، إذا طلق إحدى زوجاته أو أعتق أحد عبيده وجهل من وقع عليها الطلاق أو العتق أقرع. رجل عنده أربع زوجات فقال: من خرجت من البيت فهي طالق، فخرجت إحدى الزوجات ثم رجعت وجهل من التي خرجت، ما يدري أي الأربع التي خرجت، قالوا هنا تستعمل القرعة، نعمل القرعة ومن وقعت عليها القرعة طلقت. أو أعتق أحد عبيده وجهل يعني من الذي أعتقه، قالوا حينئذ نعمل القرعة ومن وقعت عليه القرعة عتق، هذه رواية عن إمام أحمد، وهي رواية مرجوحة، والرواية الراجحة كما رجح الإمام ابن قدامة رحمه الله أنه لا تستعمل القرعة في هذه الحال، لا تستعمل القرعة في هذه الحال، وذلك لأنه لا دليل على استعمال القرعة في مثل هذا الموضع، ولأنه قد يقع الطلاق على غير من طلقت، ويقع العتق على غير من أعتق، لكن يجتهد في معرفة من وقع عليها الطلاق أو من وقع عليه العتق. قالوا: أما إذا علم اشتراكهم في الأعيان أو الديون وأرادوا القرعة لمن يكون له الشيء، فإن هذا من الميسر. يقول: إذا علم اشتراكهم في الأعيان أو الديون، يعني إذا كان هناك اثنان مشتركان في عين مثلا سيارة اشترك فيها اثنان ثم تنازع، فقالوا: نعم القرعة ومن وقعت له القرعة أخذ السيارة، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا من الميسر، سيكون هو بين الغنم والغرم، إما أن يربح وإما أن يخسر، فمثل هذا لا يجوز لأن السيارة حق لهما كلاهما، فمثل هذا من الميسر. أو كذلك الديون إذا كان مشتركا في الديون، أخذ دين من شخص مثلا مئة ألف، هذا أخذ خمسين وهذا أخذ خمسين، ثم قالوا: نقترع ومن وقعت عليه القرعة تحمل الدين كله، فهذا لا يجوز، هذا من الميسر. إذا حصل تداعي وليس لأحدهما بينة، وليس في يد أحدهما أو في يد أحدهما، أقرعا بينهما. المقصود إذا حصل تداعي في عين معينة كل يدعي أنها له، كل يدعي أنه له وليس لأحدهما بينة، ليس لأحدهما بينة تدل على أن هذه له، كمثلا أن يكون عنده وثيقة كأرض مثلا عنده فيها وثيقة أو سيارة مثلا عنده فيها ملكية تدل أنها له، أو كذلك شهود يشهدون أن هذا الحق له أو هذه العين له. وليست في يد أحدهما، يعني لا هذا قابض عليها ولا الثاني. أما إذا كانت في يد أحدهما فهي للتي في يده، فهي للتي في يده. وأيضا من البينات أو القرائن إذا تداعيا مثلا آلة نجارة وأحدهما نجار، فهذه قرينة أنها للنجار، أو تداعيا آلة حدادة وأحدهما حداد، فهذه بينة على أنها للحداد. فإذا لم يكن شيء من ذلك لا هناك بينة ولا هي في يد أحدهما، هنا تستعمل القرعة، نقرع بينهما ومن وقعت عليه القرعة أخذها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه أجمعين.