الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة، حيث يُعرّف بأنه قول وعمل يزيد وينقص، ويشمل نطق اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح، مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة.
يشرح هذا الفصل أن الإيمان يتكون من عدة شعب، بعضها قولية وبعضها فعلية، وأعلاها قول "لا إله إلا الله" وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء، مشيرًا إلى شمول الإيمان للأقوال والأفعال القلبية والجسدية.
يتناول هذا الفصل تفاصيل الشفاعة التي أعطاها الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى صور متعددة من الشفاعة مثل الشفاعة العظمى وشفاعة لأهل الكبائر من أمته، ويشرح أهمية الإيمان بالشفاعة وأدلتها من الأحاديث النبوية.
يشرح هذا الفصل شخصية المسيح الدجال كفتنة عظمى، ويصف صفاته الخارقة وعلاماته، مثل كونه مكتوب بين عينيه كافر، وأنه رجل أحمر جعد الشعر، ويبين أن الكثير سيتبعونه خاصة اليهود.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا في الفقرة الأخيرة من هذه الرسالة من أصول السنة للإمام أحمد رحمه الله تعالى الإشارة إلى ما يتعلق بأمر الشفاعة، حيث قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. ومر معنا ما يتعلق بتعريف الشفاعة، والشفاعة الأحاديث المروية في هذا الباب قد بلغت إلى حد التواتر. والشفاعة التي أعطاها نبينا صلوات ربي والسلام عليها صور عديدة، فمن تلكم الشفاعات التي تكون لنبينا عليه الصلاة والسلام الشفاعة العظمى، وذلك لأهل الموقف عندما يمر الناس والخلق إلى الأنبياء نبي بعد نبي ورسول بعد رسول، حتى يستأذن الرب سبحانه وتعالى في فصل القضاء، فكل يقول: نفسي نفسي، اذهب إلى غيري، حتى يصل إلى نبينا صلوات ربي والسلام عليه فيشفع، ربه في فصل القضاء، فهذا من شفاعة عليه الصلاة والسلام. وأيضا من شفاعته صلوات ربي والسلام عليه أنه يأذن لأهل الجنة في دخول الجنة، وهكذا من شفاعة صلوات ربي والسلام عليه ما ثبت عنه أنه قال: «شفاعة لأهل الكبائر من أمتي»، شفاعة لأهل الكبائر من أمتي، وهذا كذلك من الشفاعات التي أعطاها نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر العلماء أن من هذا الحديث هذه الشفاعة تشتمل على صورتين من صور الشفاعة، قوله: «شفاعة لأهل الكبائر من أمتي»، فيشمل ذلك في حق قوم من الناس رجحت سيئاتهم على حسناتهم، فأمروا بهم بالذهاب إلى النار، فإذا بنبينا يشفع في هؤلاء أن لا يدخلوا النار، فلا يدخلوها. هذه الصورة تدخل في هذا الحديث «شفاعة لأهل الكبائر من أمتي»، تدخل في هذه الصورة في حق قوم رجحت سيئاتهم على حسناتهم، فأمروا بهم بالذهاب إلى النار، فإذا بنبينا عليه الصلاة والسلام يشفع في هؤلاء أن لا يدخلوا النار ابتداءً، فلا يدخلوها بشفاعة عليه الصلاة والسلام. ويدخل أيضاً في هذا في قوم دخلوا النار، دخلوا النار واصطلوا بها، فيشفع نبينا عليه الصلاة والسلام في هؤلاء الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها، فيشفع نبينا، فتقبل شفاعته، فيخرجون من النار، فيخرجون من النار بهذا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحما. وقلنا أن كتب المعتقد إن ركزت في أمر الشفاعة أو ذكرت نوع من أنواع الشفاعة، فإنه ينبهون على هذا النوع. وقد ذكرنا العلل في ذلك، لأن هذا النوع من أنواع الشفاعة خاض فيه ومار فيه أهل البدع، إذ أنهم يعتقدون أن من دخل النار فلا تنفع شفاعة الشافعين، كالخوارج والمعتزلة، وهذا ليس بصحيح، بل جاءت الأحاديث الكثيرة على أن النبي عليه الصلاة والسلام يشفع في أناس دخلوا النار، ثم بشفاعة يخرجون منها. ومن ذلك ما جاء في البخاري من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال: «أن نبينا عليه الصلاة والسلام يخر تحت عرش الرحمن، يخر تحت عرش الرحمن عليه الصلاة والسلام، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، ارفع رأسك وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعطى»، يقال هذا في حق نبينا صلوات ربي والسلام عليه: ارفع رأسك وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعطى. فأقول: يا رب أمتي أمتي، همه صلوات ربي وسلامه عليه أن ينفع أمته في الدنيا والآخرة، فيقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق، انطلق وأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان. قال عليه الصلاة والسلام: فأنطلق، فأفعل، أن يذهب إلى النار ويخرج أناس من أهل الإسلام، هم في نار جهنم، لكن يشفع في حق هؤلاء، وإن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فيخرجهم. وهل هذا فحسب؟ لا، في تمام الحديث أنه يرجع إلى ربه، فيخر ساجدا، ويسأل ربه سبحانه وتعالى الشفاعة، فيأمره ربنا أن ينطلق ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فيفعل. وهكذا ذهابا وإيابا يشفع نبينا في أمته في أقوام دخلوا النار، إذن هذه حقيقة فشفاعته عليه الصلاة والسلام تصل إلى هؤلاء ممن هم في جهنم، فيخرجهم بشفاعته عليه الصلاة والسلام. وأمر الشفاعة، طبعًا المسألة الطويلة العريضة، حتى أُلِّفت فيها مؤلفات، ويذكر من أحسن ما أُلِّف في ذلك كتاب شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، والموسوم بكتاب الشفاعة، وحيث سرد فيه شيخنا الأحاديث والمسائل الكثيرة المتعلقة بهذا الباب، فليرجع إلى هذا الكتاب. ولمضانه، وأمر الشفاعة إخوانًا في الله، ليست خاصة بنبينا، بل إن الله سبحانه وتعالى كمال رحمته وفضله على الناس أن يفتح باب الشفاعة، فيجعل الأنبياء يشفعون، ويجعل كذلك الملائكة تشفع، ويجعل كذلك شفاعة لأهل الصلاة، كالشهيد يشفع في سبعين من أهله، وهكذا يفتح ربنا أبواب الشفاعة لكثير من الخلق. وذلك حتى تشمل الرحمة العديد من البشر، وطبعًا ليست الشفاعة مفتوحة لكل من هب ودب، وإنما لها شروط ولها قيود، فمن أعظم شروط الشفاعة الإذن والرضا، الإذن والرضا. قال رحمه الله تعالى: والإيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد. في هذه الفقرة علم من علامات الساعة، وشرط من أشراطها يتعلق بأمر نزول الدجال، وبعد ذلك نزول عيسى عليه السلام، فقال: والإيمان أن المسيح الدجال خارج. ولفظ المسيح ذكر العلماء أن هذا اللفظ يطلق على عدة مسميات، وعلى عدة أشياء، حتى أن القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه التذكرة ذكر أن لفظ المسيح يطلق على ثلاثين شيئًا، يطلق على ثلاثين أمر، ومنهم من أوصله إلى أكثر من ذلك إلى خمسين قول في الذي يطلق عليه المسيح. فمن معاني المسيح أن تطلق على الصديق، وتطلق كذلك على الضليل، المسيح تطلق على الصديق وتطلق كذلك على الضليل، ولهذا قال علماء: أن الله سبحانه وتعالى خلق مسيحين، خلق مسيحين، مسيح هدى ومسيح ضلالة، مسيح هدى ومسيح ضلالة. فمسيح الهدى هو عيسى عليه السلام، ومسيح الضلالة هو الدجال، لكن ما معنى المسيح في قولنا المسيح الدجال؟ هناك عدة أقوال لما سمي هذا الرجل الأفاك بالمسيح. القول المشهور بأنه سمي بذلك لأن أحد عينيه ممسوحة، لأن أحد عينيه ممسوحة، وهي اليمنى، وقيل أنه سمي بالمسيح لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا، ولكن لعل القول الأول هو الأظهر، سمي بذلك أي بالمسيح لأن أحد عينيه ممسوحة. وأما عيسى عليه السلام فسمي مسيحًا كذلك لعدة أقوال أطلقها العلماء، لكن المشهور في أن عيسى عليه السلام سمي بالمسيح لأنه يمسح على صاحب العاهة فيبرأ، لأنه يمسح على صاحب العاهة على الأكمة وعلى الأعمى، فماذا فيشفيه ربنا سبحانه وتعالى. إذن فالمسيح الدجال فهو مسيح فعيل بمعنى مفعول، أي ممسوح العين، وأما عيسى عليه السلام على القول الراجع فهو مسيح فعيل بمعنى فاعل، أي بمعنى ماسح، أي أنه يمسح على غيره عليه الصلاة والسلام. هذا ما يتعلق بأمر المسيح، المسيح بمعنى كلمة المسيح في هذا الظليل، وأما الدجال فسمي هذا الرجل بأنه الدجال مأخوذ من الدجل، والدجال صيغتان من صيغ المبالغة لكثرة دجله، والدجل كما قال العلماء هو التمويه والكذب، هو التمويه والكذب. وأصل الدجال كما يقول في لغة العرب بمعنى الخلط، بمعنى الخلط، فلان دجل إذا خلط ولبس، إذا خلط ولبس، فهذا الدجال سمي بالدجال لأنه مموه، ولأنه كذب، ولأنه يغطي الحق بالباطل. قال رحمه الله تعالى: والإيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عينيه كافر، وهذه من بعض العلامات التي تكون لهذا الرجل، فلهذا الرجل علامات كثيرة، ونبينا صلوات ربي وسلامه حريص كل مالحرص في ذكر أهم العلامات المتعلقة بهذا الرجل، بل جاءت الأحاديث المبينة لكثير من صفاته الخلقية. من ذلكم في تحديد لونه بأنه أحمر، وبتحديد جنسه بأنه رجل، وبذكر عمره بأنه شاب، وبذكر بيان شعر رأسه بأنه جعد قطط، وجاء كذلك في ذكر ممشاه إلى غير ذلك، وجاء كذلك من صفته أنه عقيم، لا عقب له، ولا يولد له. والدجال إخواني في الله فتنة عظمى، فتنة عظمى، فتنة لا يمكن لأحد أن يصمد أمامها، ولهذا أمر نبينا صلوات ربي وسلامه بالفرار منه، من سمع بالدجال فلينأ عنه، فلينأ عنه، يبتعد، لأن فتنته عظيمة. ما ظنك برجل يأذن للسماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، ويذهب إلى المزابل وإلى مكان القمامات والنفايات، فيأمرها أن تخرج كنوزها من تحتها، فتتبعه كيعاسي بالنحل. من له قدرة على هذا؟ نحن في هذا الأزمان لو أن رجلًا من المشعوذين والدجالين لو فعل شيء ككرامة، لو طار فقط فوق العمارة، ارتفع قليلًا فوق العمارة، ورآه الناس، لا إذ بالناس يعتقدون فيه الألوهية والربوبية. أين هذا؟ أين الذي يأتي به الدجال؟ أمور عظيمة لا يكاد العقل البشري أن يصدق أن يكون هذا بشر يفعل ذلك، لهذا ويستغل مثل هذه الأشياء أن يدعي بها الربوبية، أن يدعي بها الربوبية، ويتبعه من الناس، وخاصة من اليهود، وخاصة من اليهود. فعندهم أن الدجال هو المهدي المنتظر، الدجال عند اليهود هو المهدي المنتظر، لهذا فإن أكثر من يتبعهم من اليهود. قال رحمه الله تعالى: مكتوب بين عينيه كافر، وهذا كذلك من علاماته أن يكتوب بين عينيه كافر، إما كافر بدون تقطيع، وفي رواية: تكتب الكلمة مقطعة بالكاف والفاء والراء، كاف والفاء والراء مقطعة، تكتب بين عينيه. كل يقرأها أي مسلم يقرأ هذه الأحرف، سواء كان متعلم أو كان أمي، وهذه من الله سبحانه وتعالى أن يجعل لأهل الإيمان البصيرة بقراءة الأحرف، فيتميز المسلم فيعرف هذا الدجال فينأى عنه. قال: والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، إذن المسلم يصدق بأمر هذه الفتنة، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة القاضية بالتعوذ منه، كما جاء من أدعية المصلي في التشهد أن يستعيذ بالله من المسيح الدجال، أن يستعيذ بالله من المسيح الدجال. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قال: هذا مذهب أهل السنة، أي في عقيدة أهل السنة في الدجال بأنها حقيقة، قال: هذا مذهب أهل السنة، وجميع المحدثين والفقهاء والنظار، خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة. إذن هناك من ينكر الدجال، من ينكر أمر الدجال، ويقول: هذا من المستحيل أن يفعل ذلك، وقال: هذا ليس من الحكمة أن الله يضل الناس بمثل هذا الشخص، هذا ليس من حكمة الله، فنفوا الحكمة والتعليل في أفعال الرب سبحانه وتعالى. وهذا قول جماعة من أهل البدع ممن أنكر وجود الدجال أصلًا، وهناك جماعة مذهب آخر، وهو من العقلانيين ممن يقول: أن الدجال هو موجود، لكن ما الذي يعني بوجوده؟ يقولون: أن الدجال هو المقصود به هو رمز، رمز الشر، رمز الشر. فيقول مثلًا: إذا سمعتم أن الدجال يسير، هذا معنى أن الفساد ينتشر، وأن الدجال يفعل كذا وكذا، بمعنى أن قوى الشر تفعل كذا وكذا، فهم يريدون هذا. وعن أهل التأويل، أهل التأويل هم على هذا المبدأ، من أمثال محمد عبده العقلاني، وجماعة من أولئك أبناء هذه المدرسة ممن يريدون أن يثبت الدجال، لكن على ما يعتقدونه هم، فإن الدجال لا يقول هو شخص، شخص يعني جثمان إنسان، لا، ليس عندنا هذا. الدجال موجود، لكن كناية عن الشر، كناية عن البهتان، كناية عن انتشار الإفك في آخر الزمان، هذا الذي عناه نبينا هم قالوا هكذا، وهذا كذلك مذهب آخر من بعض العقلانيين ممن يقول: بأن الدجال هو موجود، بشر حقيقي، إلا أنه ينكر هذه الخوارق، إلا أنه ينكر هذه الخوارق. وهذا كذلك جماعة، كما ينسى أو يذكّر ذلك عن الأستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله، أنه كان يقول بهذا القول: أن الدجال موجود، لا ينكره، ولا يؤوله، لكن يقول: الخوارق التي ذكر فيه ما نستطيع أن نسلم بها، لا نستطيع أن نسلم بها. كونه يأمر السماء أن تمطر، والأرض أن تنبت، ويأتي بجنة ويأتي بنار، هذه ما نستطيع أن نقول بها، وهذا ليس بصحيح، بل الأدلة ثابتة، بل حتى من العلماء من جعل أن الأحاديث كثيرة تصل إلى حد الاستفاضة والتواتر، فلا يسع لمسلم إلا أن يصدق بجملة الأحاديث المروية في الدجال، وأنه شخص حقيقي، يعطيه ربنا هذه الخوارق العادات، وهي أعظم فتنة تبتل بها المعمورة. قال رحمه الله تعالى: وأن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد، بعد نزول الدجال ينزل عيسى عليه السلام، ونزول عيسى عليه السلام حقيقة دل عليه الكتاب والسنة، دل عليه الكتاب والسنة، وهكذا إجماع السلف. فإن النبي أخبر أن عيسى سينزل في آخر الزمان، وينزل عند المنارة البيضاء بشرق دمشق، ينزل وقد وضع كفيه على جناحي ملك، أو على جناحي ملكين، ينزل عليه السلام، ويكون من أهم الأعمال، وهي أعمال كثيرة يقوم بها عيسى عليه السلام. ولكن من أهم الأعمال أنه بنفسه يتولى قتل الدجال، أن يتولى بنفسه قتل الدجال، إذ أن الدجال يتوجه إلى بيت المقدس، فيدركه عيسى عليه السلام في ذاك المكان، فإذا وجد الدجال أن عيسى أمامه عليه السلام، إذ به يذوب، وذوبان حقيقي يذوب، كما يذوب الملح. فيدركه عيسى ويقول: «إن لي فيك ضربة لن تفوتني»، إن لي فيك ضربة لن تفوت، فيرميه برمح فيصيبه فيقتله، فيقتله، بهذا تكون ماذا؟ ذهاب هذه الأسطورة الخرافية الذي كان يدعي أنه رب من دون الله، فإذا به ماذا؟ كذاب أشر. هذا في قول مؤلف رحمه الله تعالى: وأن عيسى عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد. قال رحمه الله تعالى: والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، كما جاء في الخبر: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقا»، وهذه فقرة كذلك من معتقد أهل السنة والجماعة، ما يعتقدونه في أمر الإيمان، وفي مسألة الإيمان. والإيمان إخواني في الله في اللغة هو بمعنى التصديق، هو بمعنى التصديق، كما صرح بذلك أهل اللغة، ومنهم من ذكر الاتفاق، الاتفاق أهل اللغة على هذا المعنى، وإن كان بعض المحققين من العلماء يرى أن الأدق في تعريف الإيمان في اللغة أن يكون بمعنى الإقرار، بمعنى الإقرار، وأن ذلك أفضل أن يفسر بالتصديق. ويراجع بذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عدة من كتبه، وأما يهمنا في هذا الباب تعريف الإيمان في الاصطلاح، فهنا المؤلف رحمه الله تعالى قد بيّن ما معنى الإيمان اصطلاحًا شرعًا، قال: والإيمان قول وعمل. وهناك تعريف هذا طبعًا إجمال في التعريف، وهناك من يعرف الإيمان بشكل أوسع بقوله: هو نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، فحقيقة الإيمان مركبة من هذه الأمور الثلاث، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، أي بالقلب، وعمل بالجوارح والأركان. وهنا قد يقول: وهذا الذي عليه فتاوى العلماء، وأقوال أهل السنة والجماعة، كما صرح بذلك الشافعي، وهكذا جماعة من أهل العلم على هذا التعريف، لكن قد يقول: كما قال البغوي رحمه الله تعالى: قال: اتفقت الصحابة والتابعون، فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان. وقالوا: أن الإيمان قول وعقيدة وعمل، قول وعقيدة وعمل، مركبة من هذه الحقيقة الثلاثية، لكن قد يقول: قال المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا: قال: والإيمان قول وعمل، نعم هذا بالجملة، لكن يقول العلماء: أن من قال بأن الإيمان قول وعمل، فمن الذي أراد؟ أراد أن المقصود بالقول هو قول القلب وقول اللسان، وأن المقصود بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح. هكذا ينبغي أن تفك العبارة، فبعض العلماء من يفصل، وبعضهم من يدمج، وهي تقول إلى هذه الأمور الثلاثة، إلى قول وعقيدة وعمل، فعلى تعريف المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان قول وعمل، فعليك أن تفكك العبارة بأن المقصود بالقول هو قول القلب وقول اللسان، وأن العمل هنا هو عمل القلب وعمل الجوارح. وبهذا تأتي عندك المسألة الثلاثة: قول وعمل وعقيدة، وأما ما يتعلق بالدليل على أن الإيمان يطلق على هذه الأشياء الثلاثة، على دلائل كثيرة، أما يتعلق بأمر أن الإيمان يطلق على اعتقاد القلب، ما جاء في قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ كُتِبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانُ﴾. وأما يتعلق بأن الجوارح كذلك تدخل في مسمى الإيمان، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، اتفقت كلمة المفسرين على أن المقصود بالإيمان هنا هي الصلاة، وما كان الله ليضيع إيمانكم، أي صلاتكم. ومن هنا قال العلماء: فربنا سمى الصلاة إيمان، دلالة على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأما أن القول يدخل في مسمى الإيمان، ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة»، وفي رواية: «بضع وسبعون شعبة»، أعلاها قول: «لا إله إلا الله»، وأدناها: «إماطة الأذى عن الطريق»، والحياء شعبة من الإيمان. وهذا الحديث من أعظم الأحاديث التي اجتمعت على مراتب الإيمان، وعلى أركان الإيمان، فقوله عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون أو سبعون شعبة»، أعلاها قول، فالإيمان قول: «لا إله إلا الله»، وأدناها عمل، إماطة الأذى عن الطريق، والحياء وهو عمل قلبي، شعبة من شعب الإيمان. قال ابن منده رحمه الله تعالى: قال: فجعل الإيمان شعبًا، بعضها باللسان، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح، وهذا الحديث من أشمل أحاديث المذكورة في هذا الباب. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.