الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 8، الدرس الثامن:من ( والمجاز هو:اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ... تبين لمن اطلع عليها أن هذا القول هو الصواب ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ويشترط لصحة استعماله وجود قرينة. يُقسم المجاز إلى استعارة ومجاز مرسل أو عقلي بناءً على نوع العلاقة بين المعنيين.
المجاز المرسل هو التجوز في الكلمات بدون مشابهة، بينما المجاز العقلي هو التجوز في الإسناد. يُقدم أمثلة على كل نوع لتوضيح الفرق بينهما.
يناقش المقطع وجود المجاز في القرآن ويرد على الأمثلة التي يستدل بها من قال بوجوده، ويستند إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في نفي وجود المجاز في القرآن.
يُناقش المقطع فكرة وجود المجاز في القرآن ويرد عليها بأن نفي ما دل عليه القرآن باطل بالإجماع، ويُشير إلى أن وجود المجاز قد يؤدي إلى التشكيك في دلالاته.
بسم الله قال المؤلف رحمه الله: قال والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، مثل أسد للرجل الشجاع. فخرج بقولنا المستعمل المهمل، فلا يسمى حقيقة ولا مجازا كما قلنا، مثل ديز لفظ مهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجاز. وخرج بقولنا في غير ما وضع له الحقيقة، لأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له، عكس المجاز. قال: ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه، يعني مثلا قولهم أسد للرجل الشجاع، يقولون أسد إطلاق لفظ الأسد هو حقيقة في الحيوان المفترس، فإذا أطلقناه على رجل شجاع صار هذا مجازا؛ لأننا استعملنا اللفظ في غير ما وضع له. وهذا على القول بالمجاز، وإلا على الصحيح أنه لا مجاز في ذلك، بل هو على الحقيقة في كلا الموضعين. ويعرف ذلك بسياق الكلام وسباقه. قال: ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة، وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة. ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود الارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي، ليصح التعبير عنه، وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة؛ لأن علم المجاز يذكرونه في علم البيان، وهو قسم من أقسام علم البلاغة. علم البلاغة ثلاثة أقسام: البيان، والبديع، والمعاني. فيقولون: هذا المبحث هو علم الحقيقة والمجاز، مما يتعلق بعلم البيان. قال: فالقائلين بالمجاز قالوا بأنه لا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة. لابد من دليل يمنع إرادة الحقيقة، وهو ما يسمى بالقرينة. لابد من قرينة تمنع حمل اللفظ على حقيقته. وأمر آخر وهو وجود علاقة وارتباط يناسب بين المعنى الحقيقي والمجازي. فإذا انتفى أحد هذين الأمرين، فلا يصح المجاز. وبهذا يرد على أهل البدع والأهواء الجهمية وغيرهم، الذين أبطلوا صفات الله سبحانه وتعالى، وادعوا أنها مجاز. بما استدل به من قال بالمجاز، فمثلا الاستواء قالوا: الاستواء المراد به الاستيلاء. الرحمن على العرش استواء، أي استولاء. يقال لهم: ما هي القرينة المانعة من حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته؟ أنه الاستواء أو العلو أو الارتفاع، ما هي القرينة المانعة من ذلك؟ لا يوجد دليل يمنع من حمل اللفظ على حقيقته، وهذا يبطل قولهم بالمجاز. ثم كذلك ما هي العلاقة بين حقيقة اللفظ وبين المجاز في الاستيلاء والاستواء؟ وهكذا في بقية الصفات. يقال فيها ما يقال في صفة الاستواء. وبهذا يبطل استدلالهم بالمجاز. المهم أنه الذين يقولون بالمجاز قالوا: لا بد من قرينة وعلاقة. قرينة تمنع من حمل اللفظ على حقيقته، وعلاقة تربط بين المعنى أو اللفظ الحقيقي وبين المعنى المجازي. قال: والعلاقة إما أن تكون المشابهة أو غيرها. فإن كانت المشابهة سمي التجوز استعارة، كالتجوز بلفظ أسد عن الرجل الشجاع. وإن كانت غير المشابهة سمي التجوز مجازا مرسلا، إن كانت تجوز في الكلمات، ومجازا عقليا إن كانت تجوز في الإسناد. هنا قال: العلاقة إما أن تكون المشابهة، وهو ما يسمى بالاستعارة. سمي بالتجوز الاستعارة إذا كان هناك مشابه بين اللفظ الحقيقي والمجازي، كالتجوز بلفظ أسد عن الرجل الشجاع. وهنا قالوا: لفظ الأسد إطلاقه عن رجل شجاع فيه علاقة ومشابهة، وهو الشجاعة؛ كون الأسد شجاع، وهذا رجل شجاع، فأطلقنا عليه لفظ أسد مجازا لوجود المشابهة. قال: وإن كانت غير المشابهة سمي التجوز مجازا مرسلا، يعني لم يكن هناك مشابهة، لكن كان التجوز فيه في الكلمات، فيسمى مجازا مرسلا. وإن كانت تجوز في الإسناد سمي مجازا عقليا. قال: مثال ذلك في المجاز المرسل أن تقول: رعت الإبل المطر. هكذا صوابه: راعة الإبل المطر. قال: فكلمة المطر مجاز عن العشب؛ فالتجوز بالكلمة، يعني راعة الإبل المطر، والإبل طبعا تأكل العشب. فقيل: المطر بدل العشب، هذا من باب التجوز في استعمال الكلمة؛ لأن المطر هو السبب في إنبات العشب. وهذا على قول من قال بالمجاز. وكما نبهنا قبل أن المؤلف رحمه الله ذكر هذا المبحث قبل أن يطلع على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. فيكون هنا على الصحيح: ليس هناك مجاز، واللفظ على حقيقته. وليس حقيقته هو أن الإبل رعت المطر، وإنما الإبل رعت العشب. لكن هذا أسلوب من أساليب اللغة، أنهم يتجوزون في الكلمات، فيذكرون مثلا السبب ويجعلونه في منزلة الشيء الذي هو حقيقته، فهذا جائز في اللغة، وليس هو من باب المجاز في شيء. قال: مثال ذلك في المجاز العقلي أن تقول: أنبت المطر العشب. فالكلمات كلها يراد بها حقيقة معناها. لكن إسناد الإنبات إلى المطر مجاز؛ لأن المنبت حقيقة هو الله تعالى. فالتجوز في الإسناد، يعني أسندنا الإنبات إلى المطر، والمنبت حقيقة هو الله سبحانه وتعالى. وهذا كذلك أيضا يقال فيه ما قيل فيما قبله: أن هذا ليس من المجاز، بل هو أسلوب من أساليب اللغة العربية. إسناد الأمر إلى الأمر حقيقة، وإن كان الذي باشره غيره. فمثلا الآن: أنبت المطر العشب، ما الذي أنبت العشب؟ الله سبحانه وتعالى. وأسندنا الإنبات إلى المطر لأنه السبب. مثله قولهم: بنى الأمير قصرا. ما الذي باشر البناء؟ عماله. لكن ما الذي أمر؟ الأمير. وأسند الأمر إليه، تقول مثلا: أرسل الأمير عيونه. لا يعني جواسيسه، لكن لما كان هو الآمر نسب إليه. وكذا هذا شيء معروف في اللغة، ليس هذا من المجاز في شيء. قالوا: من المجاز المرسل التجوز بالزيادة والتجوز بالحذف. قالوا: من المجاز، ومثال المجاز بالزيادة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فقالوا: إن الكاف زائدة لتأكيد نفي المثل عن الله تعالى. ومثال المجاز بالحذف قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، أي واسأل أهل القرية، فحذفت أهل مجازا. هذا أيضا مما ذكروه كذلك من أنواع المجاز: التجوز بالزيادة، وتجوز بالحذف. ومثلوا بالمجاز بالزيادة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، قالوا: الكاف زائدة، والأصل ليس مثله شيء، فذكر الكاف من المجاز لتأكيد نفي المثل. وهذا كذلك ليس بصحيح، وليس بالقرآن شيء زائد. والمراد بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، قال بعض العلماء: أن مثل هنا بمعنى الصفة، فيكون المعنى: ليس كصفته شيء، مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، صفتها. وقيل: المثل هنا بمعنى الذات، ليس كمثله شيء، أي ليس كذاته. وقيل: الكاف صلة وتوكيد لنفي المثل، وهذا هو أقربها، والله أعلم. لا نقول زائدة، نقول صلة وتوكيد لتأكيد نفي المثل عن الله سبحانه وتعالى. قالوا: مثال المجاز بالحذف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، هذا كذلك مما سولت به أنفسهم بأن المجاز موجود في القرآن. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، قالوا: أثبت الله سبحانه وتعالى هنا السؤال إلى القرية، وهي جماد لا تسأل، والمراد به أهل القرية. فأطلقت القرية على الأهل، وهذا مجاز، وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له. وهكذا أيضا يقال لهم: ليس هذا بصحيح، وليس في هذه الآية مجاز، بل هي على حقيقتها. وذلك أن لفظ القرية يطلق ويراد به الأهل، كما في هذه الآية: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، ويراد به الأهل والأصحاب. ومن ذلك كثير في القرآن: إطلاق لفظ القرية والمراد به أهلها، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾، وهكذا كثير من الآيات في إطلاق لفظ القرية والمراد به الأهل. وهذا هو غالب إطلاق لفظ القرية في القرآن: إطلاق لفظ القرية في القرآن غالبا يراد به الأهل. وأطلق وأريد به السكان في آية وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾، هنا أريد بالقرية السكان، وإلا في الغالب في القرآن إطلاق لفظ القرية على الأهل. فدل ذلك على أن هذا على حقيقته، ويسقط بذلك مجاز. أو يقال كذلك كما قيل: أن هذا أسلوب من أساليب العربية، وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ لأن الأصل: واسألوا أهل القرية، وحذف المضاف وهو أهل، وقيم المضاف إليه مقامه. وهذا شيء معروف في اللغة، شيء معروف في اللغة، مثلا: قضي الأمر، أي قضى الله الأمر، ونحو ذلك كثير. إذن لا مجاز في القرآن ولا في اللغة. ورد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على هذه الأمثلة التي استدل بها من قال بالمجاز، في شيء من التفصيل في كتابه الصواعق المرسلة. قال: وللمجاز أنواع كثيرة مذكورة في علم البيان. وإنما ذكر طرفا من الحقيقة والمجاز في أصول الفقه؛ لأن دلالة الألفاظ إما حقيقة وإما مجاز، فاحتيج إلى معرفة كل منهما وحكمه. والله أعلم. قال رحمه الله: تنبيه، تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز مشهور عند أئمة المتأخرين في القرآن وغيره. وقال بعض أهل العلم: لا مجاز في القرآن. وقال آخرون: لا مجاز في القرآن ولا في غيره. وبه قال أبو إسحاق الإسفرايني. ومن المتأخرين محمد الأمين الشنقيطي. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: أنه اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة. ونصره بأدلة قوية كثيرة، تبين لمن اطلع عليها صواب هذا القول. وهو كما قال رحمه الله: أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة. ومن أدل ما يدعى على بطلان ذلك: أن القائلين بالمجاز يقولون: يجوز نفيه. وإذا قيل: إن في القرآن مجاز، إذن فيجوز نفي ما دل عليه القرآن. وهذا باطل، وهذا باطل بالإجماع. والله تعالى أعلم.