الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 66، ألقاها
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الخلافات بين أصحاب رسول الله كانت نتيجة اجتهاد وتأويل، ويعتبرونهم مجتهدين متأولين. يُحبونهم ويجلونهم ويتولونهم جميعًا دون ذم أو عيب لأحد منهم.
أهل السنة يكفون ألسنتهم عن الخلافات بين الصحابة ويعظمون قدرهم، ويعتقدون أن أزواج النبي أطهر النساء. يتولونهن ويذكرونهن بالخير، ويقرون بأن خديجة وعائشة أفضل أزواج النبي.
يُبيّن فضل أمهات المؤمنين خاصة خديجة وعائشة، ويُؤكّد أن دخول الجنة يكون برحمة الله وفضله لا بالأعمال الصالحة فقط. يُعارض بذلك معتقد المعتزلة في وجوب دخول الطائع الجنة والعاصي النار.
المقطع يشير إلى خاتمة الحديث بإظهار تعظيم الله والإقرار بعلمه الأعلى، ويتضمن تسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابون رحمه الله تعالى: ويرون الكفة عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا ونقصًا فيهم. ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكفتهم أيضًا من مذهب أهل السنة والجماعة فيما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، سواء كان في يوم الجمل أو كان في صفين. أهل السنة والجماعة يرون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وقع منهم ما وقع إنما وقع ذلك منهم عن اجتهاد وعن تأويل، وهم بين الأجر والأجرين، منهم المصيب الذي ينال أجر المجتهد المصيب، ومنهم المخطئ الذي ينال أجر المجتهد المخطئ. وأهل السنة والجماعة لا يذمون أحدًا منهم، ولا يعيبون أحدًا منهم، ولا يتنقصون أحدًا منهم، بل يتولونهم جميعًا، ويحبونهم جميعًا، ويجلونهم جميعًا، ويعلمون لهم مقامهم الذي شرَّفهم الله جل وعلا به واختصهم به في صحبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وجهادهم معه. فأهل السنة والجماعة يكفون ألسنتهم فلا يذكرونهم إلا بالجميل، ولا يذكرونهم إلا بالخير، ويذمون أشد الذم ويحذرون أشد التحذير ممن تنقص واحدًا منهم، فضلاً عن جماعة منهم، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم المنزلة العالية. وقد نهانا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نسب أحدًا بقوله: «لا تسبوا أصحابي»، فهذا نهيٌ. ولا يسب أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ إلا وهو ضال، قد أبغض أولياء الله جل وعلا وعادى أولياء الله جل وعلا، فهو ضال من الضلال والعياذ بالله، وهم متفاوتون في هذا الضلال. فالحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب يعتقدون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حصل بينهم يوم الجمل ويوم صفين هم مجتهدون متأولون، وهم بين الأجر والأجرين. والناظر في سيرتهم وما حصل منهم يعلم علم يقين أن القوم ما فعلوا ذلك إلا عن اجتهاد. لذا، بعد أن حصل منهم ما حصل، كان كل رجل منهم يعرف لصاحبه قدره ومكانه. علي رضي الله عنه وأرضاه بعد يوم الجمل وبعد أن قتل طلحة والزبير رضي الله عنهما وأرضاهما، وهما من العشرة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالجنة، ماذا قال علي؟ هل قال: فرغنا منهم، انتهينا منهم؟ لا، قال: «والله إني لأرجو أن أكون أنا وهم كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾»، يعرف لهم مكانتهم وأنهم أولياء لله جل وعلا. وكذا معاوية رضي الله عنه وأرضاه حينما بلغه أو جاءه أحد أصحاب علي رضي الله عنه وأرضاه بعد موت علي رضي الله عنه وأرضاه، فقال له: صف لي عليًا، فوصف له علي رضي الله عنه وأرضاه من حيث الدين والورع والتقى إلى غير ذلك، فماذا كان من معاوية رضي الله عنه وأرضاه إلا أن بكى وقال: «كذلك هو»، رضي الله عنهم وأرضاهم. فأئمة أهل السنة والجماعة في هذا الباب يكفون ألسنتهم. جاء عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: حينما سئل أي طائفتين باغية؟ أي طائفتين معها الحق؟ أي طائفة علي أو طائفة معاوية؟ فماذا قال؟ قال: «أولئك قوم نزه الله جل وعلا سوفنا منهم، فننزه ألسنتنا منهم». وجاء كذلك عن ثابت عن عبد الله بن المبارك رحمه الله، وسئل عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه وعمر بن عبد العزيز: أيهما أفضل؟ فقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «لغبار في أنف معاوية في مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خير من عمل عمر بن عبد العزيز»، رضي الله عنهم جميعًا ورحمهم الله. وما ذاك إلا لمقام الصحابة ومكانة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وأثر عبد الله بن المبارك رحمه الله يسنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، أي: من جاء بعد الصحابة، لو أنفق مثل أحد ذهبًا، وأنفق الصحابي ملء كفه من الصدقة، لكان ما أنفقه الصحابي أعظم مما أنفقه ذلك الآخر. فهذا مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب: أنهم يوالون الجميع، ويحبون الجميع، ويجلون الجميع، ويعلمون أن منهم المصيب ومنهم المخطئ، وأن مصيبهم مجتهد مأجور أجر المجتهد، وأن مخطئهم مأجور أجر المجتهد المخطئ، رحم الله الجميع وغفر الله لهم جميعًا. قال رحمه الله تعالى: وَكَذَلِكَ يَرَوْنَ تَعَظِيمَ قَدْرِ أَزْوَاجِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَالدُّعَاءَ لَهُنَّ وَمَعْرِفَةَ فَضْلِهِنَّ وَالإِقْرَارَ بِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. كذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يعتقدون عقيدة لا لبس فيها: أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هن أطهر النساء وأجل النساء، رضي الله عنهن وأرضاهن، وأنهن أمهات المؤمنين كما نطق بذلك الكتاب العزيز، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم هن أمهات لنا جميعًا معشر أهل الإيمان. هذا الذي يعتقده أهل السنة والجماعة: أن أمهات المؤمنين، أي أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، هن أمهات المؤمنين، وأنهن في المكانة العليا وفي الذروة الرفيعة من الفضل والإجلال. فيتولونهن رضي الله عنهن، ويذكرونهن بالخير والجميل، خلافًا لأولئك الأنجاس من الرافضة قاتلهم الله، الذين يطعنون في عرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ويتهمون عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهم بما برأها الله جل وعلا منهم. وقد أجمع العلماء على أن من اتهم عائشة رضي الله عنها وأرضاها بما برأها الله جل وعلا منه فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. فأهل السنة والجماعة يعرفون لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانتهم، ويعتقدون كذلك ويقرون بأن أفضل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهن جميعًا. هذا محل اتفاق: أن أفضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وعائشة، لكن وقع خلاف يسير: أيهن أفضل؟ فمنهم من قدم خديجة، ومنهم من قدم عائشة. والقول الوسط هو الصواب، وهو أن يقال: بأن خديجة أفضل باعتبار السبق إلى الإسلام والمؤازرة والمناصرة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فلها في ذلك القدح المعلى رضي الله عنها وأرضاها، فلها قصب السبق في ذلك. فإن جماعة من العلماء نصوا على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقًا، أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقًا خديجة بنت خويلد قبل الصديق وقبل كل أحد، فلها الفضل في هذا رضي الله عنها وأرضاها. وعائشة الصديقة بنت الصديق لها الفضل باعتبار آخر، باعتبار العلم الذي تلقته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغته عنه صلى الله عليه وسلم، حتى قال بعض الأئمة رحمهم الله تعالى: بأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها حفظت للأمة ثلث أو ربع السنة. والشق مني، وهذا يدلنا على ماذا؟ على أن لها فضلاً عظيمًا على كل من جاء بعدها من الرجال والنساء، لأنها حفظت هذا القدر من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهي بإجماع الأمة أعلم النساء مطلقًا، رضي الله عنها وأرضاها، فهي بهذا الاعتبار أفضل نساء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضلها: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»، هذا يدلنا على فضلها رضي الله عنها وعلى فضل أمهات المؤمنين جميعًا. قال رحمه الله تعالى: ويعتقدون ويشهدون أن أحدًا لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسنًا وعبادتهم أخلص العبادات وطاعتهم أزكى الطاعات وطريقهم مرتضى، إلا أن يتفضل الله عليه فيجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره لم يتيسر له، ولو لم يهده لم يهتدي له أبدًا. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. وهذه المسألة قد تقدمت الإشارة إليها في مبحث القضاء والقدر، وهي أن أحدًا لن يدخل الجنة بعمله، وأن عمله يوجب له أن يدخل الجنة، هذا قول أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة. المعتزلة يقولون: يجب على الله جل وعلا أن يدخل الطائع الجنة، ويجب على الله عز وجل أن يدخل العاصي النار. هكذا أوجبوا على الله جل وعلا وأساءوا الأدب مع ربهم جل وعلا. وأما أهل السنة والجماعة فيقولون بما قال الله جل وعلا وبما قال رسوله صلى الله عليه وسلم، بما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «إنه لن يدخل أحد الجنة بعمله»، أي: أن يكون عمله موجبًا له الجنة، قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»، إذن رجع الأمر إلى ماذا؟ إلى فضل الله جل وعلا وإلى رحمة الله جل وعلا. لكن أهل السنة والجماعة يقولون: بأن الأعمال أسباب لدخول الجنة، الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والباء ها هنا سببية. فإذن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، وليست هي بذاتها تدخل العبد الجنة. كما أن الدواء إذا شربه الإنسان هو سبب للشفاء، لكن هل يحصل الشفاء بذات الدواء؟ أو أن الله جل وعلا يشفي من شاء ولا يشفي من شاء؟ الجواب: أن الله جل وعلا يشفي من شاء، فالشفاء بيد الله، والفضل بيد الله، والرحمة بيد الله، يؤتيها من يشاء. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.