الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اسم الله الشهيد هو أحد أسماء الله الحسنى، ويدل على أن الله شاهد على كل شيء ويعلم كل ما يحدث في الكون. ورد هذا الاسم في القرآن الكريم والحديث النبوي.
الإيمان باسم الله الشهيد يدفع العبد إلى إحسان العمل ومراقبة الله في جميع العبادات والأعمال والأقوال. كما يحث على عدم الغفلة عن ذكر الله واستحضار مراقبته دائماً.
مراقبة الله جل وعلا في الأعمال والعقود والشهادات تحث على الوفاء بالعهود والامتناع عن المعاصي والشهادة الكاذبة. كما أن اليقين باطلاع الله على الأعمال يدفع إلى إحسان العبادات وترك الذنوب.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد: فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد صالح بن عثيمين رحمه الله في كتابه «القواعد المثلى» اسم الله جل وعلا الشهيد. فالشهيد اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في مواضع في كتاب الله جل وعلا، منها قوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وما قومنا منهم إلا أن يؤمن بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد﴾، وقال جل وعلا: ﴿وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبد الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾، وقال جل وعلا: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا﴾، وقال جل وعلا: ﴿إن الله على كل شيء شهيد﴾. فاسم الله جل وعلا الشهيد ذكر في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل استلف من رجل آخر ألف دينار، فقال له ذلك الرجل: «اعتني بالشهداء، أشهدهم»، فقال له: «كفى بالله شهيدا»، قال: «اعتني بكفيل»، قال: «كفى بالله كفيلا»، قال: «صدقت»، فأعطاه ألف دينار. الحديث الطويل الذي فيه تلك القصة العظيمة وذلك المثل الرائع في الوفاء بالعهد، حيث وضع ذلك الرجل الألف دينار في خشبة نقرها لأنه لم يجد سفينة تذهب إلى ذلك الذي استلف منه، فنقر خشبة ووضع فيها الألف دينار ورسالة وتركها، فوصلت إلى ذلك، وأدى الله جل وعلا عنه. ومعنى اسم الله جل وعلا الشهيد، يقول السعدي رحمه الله تعالى في شرح لهذا الاسم: «الشهيد أي المطلع على كل شيء، المطلع على كل شيء الذي سمع جميع الأصوات، الذي سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، الذي أحاط علمه بكل شيء، الذي شهد على العباد وعلى ما عملوه». وذكر رحمه الله تعالى في كتابه «الواضح في الحق» قال رحمه الله تعالى: «واسم الله جل وعلا الشهيد والرقيب مترادفان، ومعناهما الذي أحاط بكل شيء، أحاط سمعه بكل المسموعات، وأحاط بصره بكل المبصرات، وأحاط علمه بكل المعلومات الخفية والجلية، الذي علم ما دارت به الخواطر وما تحركت به النفوس». فاسم الله جل وعلا الشهيد معناه المطلع على كل شيء، المحيط سمعه بكل مسموع، المحيط بصره بكل مبصر، المحيط علمه بكل معلوم، فقد أحاط بكل شيء جل وعلا الشهيد الرقيب. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الشهيد أن يحسن العبد العبادات والأعمال والأقوال؛ لأنه إذا أيقن أن الله جل وعلا الشهيد الرقيب مطلع عليه، فإن ذلك يدفعه إلى إحسان العمل وإحسان العبادة، سواء العمل الدنيوي أو العمل الديني. فإذا كان بناء أحسن في البناء، لماذا؟ لأنه يشاهد ويستحضر مراقبة الشهيد له جل وعلا. وهذا إذا كان نجارا أو إذا كان موظفا أو كان عاملا في أي عمل كان، فإيمانه بالله جل وعلا الشهيد وأنه مطلع عليه ويشهد عمله، يدفعه ذلك إلى إحسان العمل. ومعنى هذا أن العبد عليه أن يراقب الشهيد جل وعلا والرقيب عليه سبحانه وتعالى فيحسن العمل. إذا دخل في صلاته أحسنها، وهكذا إذا قام إلى أي عبادة من العبادات يؤديها عليه أن يحسن في هذه العبادة القولية أو العملية. وهكذا من مقتضى التعبد لله جل وعلا باسم الشهيد أن لا يغفل العبد عن ذكر الله جل وعلا، فيكون دائما على ذكر لله سبحانه وتعالى وعلى استحضار للشهيد جل وعلا وأنه يشاهده؛ لأن الذنوب والمعاصي إنما تأتي من جهة الغفلة، في الوقت الذي يغفل العبد عن ربه جل وعلا وعن استحضار مشاهدة الشهيد جل وعلا له، فإنه يؤتى من هذا الباب، تتخطفه الشياطين، فتستغل تلك الغفلة التي يقع فيها. وإلا إذا كان العبد على استحضار دائما لرب العالمين جل وعلا الشهيد الرقيب، فإنه كلما همت وأمرته نفسه الأمارة بالسوء تذكر واستحضر مشاهدة الشهيد جل وعلا له، فامتنع عن ذلك. ويوسف عليه الصلاة والسلام حين كان مستحضرا لشهود الشهيد جل وعلا له، قال عليه السلام لما قالت له: «هيت لك»، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾. لما كان على استحضار لمراقبة الشهيد جل وعلا له، كان ذلك من أعظم أسباب نجاته من هذه الفتنة ومن هذه المحنة. وهكذا من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه الشهيد أن يفي العبد بالعقود والعهود التي يتعهد بها للناس؛ لأنك يا عبد الله حين تجعل عهدا لأحد وتجعل عقدا لأحد، معنى ذلك أنك جعلت الله جل وعلا شهيدا على هذا العهد وشهيدا على هذا العقد، فكيف بعد ذلك يحصل منك الإخلال بعدم الوفاء بهذا العهد وعدم الوفاء بهذا العقد وأنت قد جعلت الله جل وعلا شهيدا؟ وكذلك ما يتساهل به الناس في الشهادات، فهناك من يشهد في المحاكم ويقول في آخر كلامه: «والله على ما أقول شهيد»، يشهد شهادة ثم يقول: «والله على ما أقول شهيد»، وبعد ذلك ينسى، يخل بذلك، بل ربما يقول: «والله على ما أقول شهيد» وهو يعلم أنه كاذب في هذه الشهادة، وأن هذه الشهادة كذب، وأن هذه الشهادة زور، فهذا لا يحصل إلا عند من ضعف تعظيمه للشهيد جل وعلا. وربنا سبحانه وتعالى قد أثنى وجعل الأجور العظيمة لأولئك الذين عظموا الله جل وعلا في أعمالهم، فراقبوه جل وعلا وأيقنوا حقا أنه الشهيد عليهم سبحانه وتعالى. فالسبعة الذين يظلهم الله جل وعلا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ما كان لهم هذا الجزاء العظيم من رب العالمين جل وعلا الخاص إلا لأنهم راقبوا الله جل وعلا في أعمالهم، وراقبوا الشهيد جل وعلا في أعمالهم. فاعلم أنك إذا أحسنت العمل وكانت أعمالك فيها المراقبة لله جل وعلا واليقين بأنه جل وعلا الشهيد وهو مطلع عليك ويشاهدك، فذلك يدفعك إلى إحسان العمل وإلى إحسان العبادات وإلى ترك الذنوب والمعاصي وإلى عدم الوقوع في الغفلة؛ لأنك على دوام استحضار للشهيد جل وعلا لإيقانك بأنه جل وعلا الشهيد المطلع عليك. فنسل الله جل وعلا أن يعيننا على إحسان عباداتنا وأعمالنا وأقوالنا، وأن يوفقنا لمراقبته جل وعلا، وأن يجعلنا ممن يراقب شهادته له. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.