الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش إعراب آية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" ويقدم ثلاثة أوجه للإعراب مع التركيز على تفسير "الكاف" و"مثل". يبين آراء النحاة في ذلك ويوضح أهمية الآية في الرد على الفرق الضالة.
الآية الكريمة تشتمل على عدة فوائد عقدية، منها الرد على الممثلة والمجسمة والمشبهة والمعطلة، وإثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى. وتوضح الحكمة من اختيار هاتين الصفتين تحديدًا.
يشرح أسلوب القرآن في نفي وإثبات الصفات الإلهية، حيث يوصف الله بالصفات الثبوتية والمنفية. النفي عن الله يراد به إثبات كمال الضد، ويوضح ذلك من خلال آية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
التربية الصحيحة تبدأ بتنقية العقائد والأخلاق ثم تعليم العقيدة الصحيحة والأخلاق الإسلامية. بعض المبتدعة يحرفون الآيات لتجنب إثبات بعض الصفات الإلهية، والآية "يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله" تشير إلى منهج التربية الصحيح.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في مقدمة هذه الرسالة "لمعة الاعتقاد"، فذكر فيها المؤلف رحمه الله تعالى بعدما ذكرنا ما مضى، قال: "لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". نقف إخواني في الله وقفة مع هذه الآية العظيمة "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". فهذه الآية دائمًا تتكرر معنا، ونحن بأمس الحاجة إلى معرفة هذه الآية، والتي أصبحت قاعدة من أعظم القواعد التي يستدل بها أهل السنة والجماعة في باب المعتقد. وقبل الوقوف إخواني في الله على الفوائد المستفادة من هذه الآية، نقف ولو وقفة خفيفة عما يتعلق بالإعراب الذي ذكره النحاة وذكره المعربون لهذه الآية. فإن النحاة قد خاضوا خوضًا شديدًا في هذه الآية، وخاصة في كلمة "كمثله". وسبب هذا الخوض منهم لأنهم أرادوا أن يزيحوا اللبس الذي قد يقع في الأذهان في حق من يفهم هذه الآية على غير فهمها. يعني بعض الناس ربما يقرأ هذه الآية ويقول: "ليس كمثله شيء" ليس كمثله أي كمثل من؟ أي ليس كمثل الله شيء، يعني كأن بعضنا قد يقرأ هذه الآية ويتوهم أن الله سبحانه وتعالى له مثل، وهذا المثل ليس شيء مثله. ليس كمثله شيء أي ليس مثل الله شيء. فحينها أراد النحاة أن يزيحوا هذا الظن الذي قد ينقض في أذهان بعض الناس، فأتوا بالإعرابات التي تزيل هذا اللبس. والإعرابات كثيرة، لكن نذكر أهمها والتي عليها العلماء في ترجيحاتهم. والقول الأول وهو الذي عليه الأكثر، وهو الأريح، قول من يقول بأن الكاف في "كمثله" زائدة. إذن معنى "ليس كمثله شيء" ليس مثله شيء. هذا التقدير ليس مثله شيء. تأتي مسألة أخرى، إذا يقول: ما هو التوكيد الذي جاءت به الكاف؟ ما عندها حذفنا وما تغير المعنى. لا، انتبه هنا، يقول علماء -وهذا عند البلاغيين- أن حروف الجر التي من قسم الزيادة أو توكيد وصلة هي في الأصل جاءت لاختصار الجمل. جاءت لاختصار الجمل كما صرح بذلك ابن جني رحمه الله تعالى في "الخصائص". على أن عندك جملة أنت تؤكدها بمرتين تكررها ثلاث، فحتى لا يخرج منك هذا التكرار، بإمكانك أن تستعوض بهذا التكرار بحرف الكاف. فقال علماء: إذن قول ربنا سبحانه وتعالى "ليس كمثله شيء" هو في الأصل تقدير "ليس مثله شيء"، "ليس مثله شيء"، "ليس مثله شيء"، هكذا أصل تقدير الآية. فلكن من أسلوب العربي أنهم يختصرون هذا التكرار بإدخال حرف الكاف. وهكذا تعمل حروف الجر الزائدة، تأتي للتوكيد، تأتي التوكيد بمعنى أنها تأتي كأن الجملة قد كررت، كأنها قد كررت، لكن اختصرت بهذا الحرف الذي جاء به لهذا المعنى. فيكون الإعراب على هذا الحال، على هذا الوجه الأول: "ليس كمثله شيء"، "ليس" فعل ناسخ يعمل عمل "كان"، "ليس"، الكاف هنا كاف حرف زائد، قول تو" توكيد وصلة، "مثله" اسم مجرور، لكن طبعًا حروف الجر الزائدة تعمل في اللفظ ولا تعمل في المحل، وإن كان هنا اللفظ مجرور لكن المحل يبقى ماذا؟ يبقى على حقيقته. فكأن "ليس" دخلت على الإسم بغير وجود حرف الجر، فيكون إعراب "مثله" إذا تقدير الآية "ليس مثله شيء" فيكون "مثله" خبر "ليس" مقدم، خبر "ليس" مقدم، "ليس مثله شيء"، "شيء" اسم "ليس" مؤخر، اسم "ليس" مؤخر. هذه تقدير الآية، وهذا الوجه إخواني في الله يعتبر من أكثر الأوجه الذي يسير عليها العلماء، لأنها واضحة والعمل عليها بكثرة. ف"حروف الجر الزائدة" تذكر كثيرًا في كتاب الله سبحانه وتعالى لهذا المعنى البلاغي. وقد مر معنا في تفسير كثير قريبًا الآيات المشابهة لهذا، مثل: "هل من خالق غير الله"، "فبما رحمة من الله"، "لا أقسم بيوم القيامة"، "لا أقسم بيوم القيامة"، إيش معناها؟ "لا أقسم" قسم، ولا ما في قسم عندي قسم. قال هنا "لا" زائدة، "لا" زائدة بمعنى "أقسم"، لكن جئ هنا لمعنى بلاغي، جئ هنا بمعنى بلاغي. "ما جاءنا من نذير" كذلك، "ما تحمل من أنثى" كل هذه أحرف زيادة، إنما جئ بها لمعنى بلاغي. إذن "ليس كمثله شيء" القول الأول في الإعراب، قول من يقول بأن الكاف هنا توكيد وصلة، اجعلها في ذهنك أنها حرف جر زائد، بمعنى الآية "ليس كمثله شيء" بمعنى "ليس مثله شيء" سبحانه وتعالى. الوجه الثاني من أوجه الإعراب، قول من يقول بأن الزيادة هنا ليست في الكاف، وإنما "مثل" "مثل" هذه زائدة، هذه زائدة، "مثل" زائدة، فيكون تقدير الآية على قول من يقول بالزيادة معناها "ليس كهو شيء"، "ليس كهو شيء"، أين "مثل"؟ قال: هي "مثل" أصل زائدة، فهي أصل وضع الآية بغير "مثل" "ليس كهو شيء"، فجئت "مثل" إذن "مثل" كلمة زائدة، أدرجت بين الجار والمجرور، بين الجار والمجرور، الجار هو الكاف هنا، كاف للتشبيه، لا تكون زائدة، تكون حرف جار أصلي لمعنى التشبيه. لكن أين "مثل"؟ هي ليست موجودة، لكن هنا زيدت لمعنى بلاغي. وقال: وهذا يوجد في القرآن، واستدلوا بقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾، قال: هنا "مثل" زائدة، وإلا تقدير الآية "فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ"، هكذا الآية أردت أن تقرأها من غير القرآن شرحًا، "فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ"، لكن في الآية "فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ"، فهنا "مثل" زائدة. قال: وهكذا في الآية "ليس كمثله" "مثل" هنا زائدة، وإلى تقدير الآية "ليس كهو شيء" سبحانه وتعالى. وهو السميع البصير. إلى أن هذا القول من قال بزيادة "مثل" هو للضعف أقرب. فإن جئنا من باب الاستعمال، أكثر استعمال اللغة والشواهد العربية الكثار يكون بحرف الجر الزيادة، يكون بحرف الجر، ما تكون زيادة في الأسماء. صحيح قد توجد زيادة في الأسماء، لكن على قلة، على ندرة. وأنت إذا خيرت بين أن تجعل الزيادة في الإسم أو اجعلها في الحرف، لا، اجعلها في الحرف. لو أنت مخير في جملة بين أن زيادة إما تكون في الإسمية أو تكون في الحرفية، اجعلها في الحرفية، لأن الأصل في الأسماء الثبات، لأنها أصل في الجملة. وكذلك الاستخدامات أكثر ما يستخدم في زيادة في الجمل زيادة الأحرف للأسماء، فهذا القول وإن كان منقول، لكنه هو مرجوح. القول الثالث من أوجه الإعراب في هذه الجملة، قول من ذهب إلى أنه لا زيادة عندي، لا زيادة في الآية، وهذا قول من أراد أن يهرب من كلمة "زيادة". قال: كوني أقول "حرف زائد" أو أقول "اسم زائد" هذا يوقعني في اللبس، يوقع كذلك غيري في الغموض، ما أريد هذا. إذا ما الذي تختار؟ أختار أقول: الآية على ظاهرها، ما عندي زيادة أصلا. وهذا الذي قال بهذا القول، ما مخرجه؟ قال: مخرجي عندي أن "مثل" تطلق في لسان العرب بمعنى أنت المخاطب، هذا استخدام عربي، أن "المثل" عندما تطلق ليس من شرط "مثل" أن يكون لي شبيه، أن يكون "مثل" بمعنى شبيه أو مثيل، ليس هذا مقتضى، بل أحيانا في لغة العرب "المثل" بمعنى أنت المخاطب. مثاله قالوا: قال لك فلان "ما مثلك يفعل ذلك"، "ما مثلك يفعل ذلك"، "ما مثلك يفعل ذلك"؟ هل الخطاب هذا لك أم لمثيلك؟ "ما مثلك يفعل ذلك" أنت المخاطب أصلا، أنت المخاطب، وإنما جئ بكلمة "مثل" لأمر بلاغي، كما قال العلماء: مبالغة في المعنى، جئ بكلمة "مثل" مبالغة في المعنى، وإلا فهنا قولهم في قولهم "ليس كمثله شيء" ما عندي زيادة. سيكون تقدير الآية "ليس كذاته شيء"، "ليس كذاته شيء"، لأن "مثل" تأتي بمعنى أنت المخاطب، وهذا لا يعني من المخاطب؟ هو الله سبحانه وتعالى، فهو "ليس كمثله شيء" جل في علاه. وهذا قول -كما قلنا- من أراد أن يهرب من ذكر الزيادة في كتاب الله سبحانه وتعالى. الوجه الرابع من أوجه إعراب هذه الآية، وهو كذلك قول الحسن، قول من قال: أن "مثل" ليس بمعنى المثيل. لأن -كما قلنا- النحاة أرادوا أن يهربوا من ظاهر النص، ظاهر الآية، بعضنا سيتوهم -لأن هذا قول البعض كذلك- الحلولية، الحلولية ووحدة الوجود، خرجوا بهذه الآية مخرج عجيب، يعني أثبتوا قال: أن الله أثبت المثلية، وأرادوا إدخال الحلولية في هذا الباب، وأراد أن الله يحل في بعض مخلوقاته. فأراد النحاة أن يخرجوا هذا الظنون السيء الفاسد الكاسد عن هذا الكلام، فقالوا: لبعض الناس قد يقرأ "ليس كمثله" أي أن الله له مثل، وهذا المثل ليس مثله أحد. فقال العلماء: إذن أتوا بهذه التأويلات، التأويل الأخير الذي سنقف عليه، قالوا: العلماء أن "مثل" تأتي في القرآن بمعنى الصفة، بمعنى الصفة، بمعنى الوصف. إذن معنى قوله تعالى: "ليس كمثله شيء" بمعنى "ليس كصفته شيء". ومن أين جاءوا بهذا التأويل؟ قالوا: كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، ما معنى "مثل الجنة"؟ معنى "صفة الجنة" التي وعد المتقون، ف"مثل" هنا بمعنى الصفة. فإذا قالوا: نفسر الآية بهذه الآية "ليس كمثله شيء" بمعنى "ليس كصفته شيء" سبحانه وتعالى. فهذه إخواني في الله الأوجه الأربعة المشهورة، والتي فيها أكثر من ذلك، أكثر من ذلك، لكن هذه المشهورة: قول من يقول بأن الكاف زائدة، القول الثاني من قال أن "مثل" زائدة، القول الثالث لا زيادة عندي، وإنما هذا أسلوب عربي، و"مثل" هنا بمعنى أنت المخاطب، والأمر الرابع من قال أن "مثل" بمعنى الصفة، ف"ليس كمثله شيء" بمعنى "ليس كصفته شيء" سبحانه وتعالى. والطالب العلم يختار، وإن كان بعض العلم يرى أن هذه الأقوال نحن في غنى عنها، لكن لولا وجود من يضطرنا إلى ذكر هذه المخارج حتى يبرأ كلام الله سبحانه وتعالى من أي ظنون فاسدة تتسلط عليه. طيب نأتي الآن إلى أهم الفوائد، الفوائد الكثيرة يا إخواني في الله من هذه الآية، ونركز على هذه الآية لأنها دائمًا تتكرر معنا، وهذه الآية كما يقول العلماء: هي قاعدة، ومع ذلك مع أنها قاعدة، فإنها تتفرع منها عدة قواعد. ونذكر يا إخواني في الله أهم الفوائد المستفادة من هذه الآية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". أول فائدة نستفيد إخواني في الله: الرد على الممثلة، الرد على المجسمة، الرد على المشبهة، هذه فرق من الناس موجودة في بلاد الإسلام، وهي أفكار موجودة في أذهان بعض الناس. إذا سمعوا بأي آية من آيات الصفات، سرعان ما نزلوها على الموجودات، نزلوها على الموجودات، إذا سمعوا قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، سرعان ما ذهب إلى تمثيل هذه الأيدي بتمثيل حقيقي أو بتمثيل خيالي. فهذه الآية تنسف هذه الظنون، وفيها رد على جميع الطوائف الذي تذهب إلى التمثيل والتشبيه والتجسيم. فقوله سبحانه: "ليس كمثله شيء" فلا أحد شبيه ولا مثيل بالله سبحانه وتعالى، فهذه قاعدة رصينة ما ينبغي أن يتزحزح عنها أحد من أهل إسلام. فمهما سمعت عبد الله من آيات الصفات، فإياك إياك أن تجعل هذه الصفات التي تسمع عن الباري أنها شبيهة أو قريبة مما يوجد في الخيال أو مما يوجد في الحياة. فلا أحد يشبه الباري سبحانه وتعالى، لقوله "ليس كمثله شيء". القاعدة الثانية: أن في هذه الآية رد على المعطلة، ونعني بالمعطلة هنا اسم جنس يشمل كل من تجاسر على أن يعطل صفة من صفات الله. وهناك فرق يتفاوتون فيما بينهم في التعطيل، فيدخل في جنس المعطلة الماتريدية والأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن كان على نحو هؤلاء ممن استطاع أن يتجرأ بإلغاء، بتعطيل، بمنع إثبات الصفات عن الله سبحانه وتعالى. فهذه الآية "وهو السميع البصير" رد عليهم، وأن الله سبحانه وتعالى له من الصفات التي ينبغي أن تثبت له سبحانه وتعالى. كذلكم الفائدة الثالثة في هذه الآية: إثبات صفتي السمع والبصر في هذه الآية، إثبات صفتي السمع والبصر، وأن هاتين الصفتين تثبتان لله سبحانه وتعالى على الوجه اللائق به. وهي تقيد بالقيد الأول "ليس كمثله شيء"، فسمع الله سبحانه وتعالى ليس شبيه بسمع أي أحد، وبصر الله سبحانه وتعالى ليس شبيه ببصر أي أحد. وهل أنت ملزم فقط بهاتين الصفتين؟ لا، وأنت ملزم يا عبد الله بإثبات كل الصفات التي جاءت في كتاب ربنا وفي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، فهما مقياس لجميع هذا الباب، باب الأسماء والصفات. وأنه يثبت لله سبحانه وتعالى من غير تشبيه، ومن غير تمثيل. كذلك فائدة رابعة: استفاد العلماء حول العلة في اختيار هاتين الصفتين السمع والبصر، كما نبه على ذلك الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى في بعض رسائله، ذكر الحكمة لما تم اختيار هاتين الصفتين من الصفات الكثيرة التي هي لله سبحانه وتعالى. فذكر العلماء: أن هاتين الصفتين تكاد توجد في جميع المخلوقات، في جميع المخلوقات ما تنفك عنهما هاتين الصفتين السمع والبصر. فقالوا: فكأن الله سبحانه وتعالى أشار بذلك إلى أن الحوادث -وهي المخلوقات- وإن اتصفت بهاتين الصفتين، فليس معنى ذلك أن لا تثبتها لله. واضح الفائدة، لأن بعض المبتدعة الذي ألغى كثير من أسمائه وصفاته، كانت حجته يقول: أخي هذا موجود في الخلق، إذن إيش تريد؟ قال: إذا وجد هذا في الخلق، فما ينبغي أن يوجد في الخالق. يقول من قال بهذا، جاءت الحكمة في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى ذكر وعين هاتين الصفتين من دون الصفات، لأن هاتين الصفتين موجودة في الخلائق، من البراري، من الحيوانات، من الحشرات، من الأوادم. ما من مخلوق إلا وفيه هاتين الصفتين السمع والبصر، فكأن الله أشار إلى أن هاتين الصفتين مع وجودهما في المخلوقات، في الحوادث، فإن ذلك لا يمنع أن تثبت لله سبحانه وتعالى. فقال: "وهو السميع البصير" سبحانه وتعالى، ولكن كل ماذا؟ على قدر حاله، فللمخلوقات سمع وبصر يليق بهما، وأما للباري سبحانه وتعالى فله سمع وبصر يليق بجلاله سبحانه وتعالى. كذلكم من هذه الآية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" الفائدة الخامسة: فيها أن الله سبحانه وتعالى يوصف بالصفات الثبوتية، ويوصف كذلك بالصفات المنفية، وما يعبر عنهم بعض بصفات السلب. فربنا يوصف بصفات الثبات، بصفات الكمال، بأن الله فيه وفيه وفيه، هذا إثبات، وصف الله يكون بإثبات. وأيضا وصف الله سبحانه وتعالى يكون بالنفي، ليس فيه كذا، وليس فيه كذا، وليس فيه كذا، مثل هذه الآية، فهنا "ليس كمثله شيء" هذا وصف لله سبحانه وتعالى، لكنه نفي، "وهو السميع البصير" هو ذلك وصف لله سبحانه وتعالى، لكنه إثبات. فيقول أهل السنة والجماعة: أن صفات الله سبحانه وتعالى منها ما يكون ثبتي، ومنها ما يكون سلبي، بمعنى منفي. لكن مع التنبيه: أن الصفات المنفية عن الله سبحانه وتعالى إنما يراد منها كمال الضد، يعني ربنا سبحانه وتعالى إذا نفى عن نفسه شيء، فهذا النفي ليس فيه كم؟ يقول علماء أهل السنة: ليس المراد في النفي عن الله هو النفي المجرد. إنما يراد من النفي هو كمال الضد، فربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية قال: "ليس كمثله شيء"، ما المراد؟ المراد أنك تنفي المثيل فقط لا، بل زد على ذلك أن تثبت كمال الضد، وهو أن الله له الكمال المطلق سبحانه وتعالى. وهكذا تمر على أي صفة منفيه عن الله سبحانه وتعالى، عليك أنك تستشعر أن المنفي في هذه الآية الصفة المنفية عن الله يراد منها أنك تثبت كمال الضد. نفى ربنا سبحانه وتعالى نفس النوم، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، هل مراد فقط نفي مجرد النوم عن الله؟ لا، بل يراد النفي ثم إثبات كمال القيمومية لله سبحانه وتعالى. وزد على ذلك وقرر عبد الله في سائر الصفات المنفية عن الله: أن هذا المراد إثبات كمال الضد. كذلك مما يستفاد من هذه الآية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" ما يتعلق بإسلوب القرآن، إسلوب القرآن في باب النفي والإثبات. هي في هذه الآية أن النفي يأتي مجمل، النفي يأتي مجمل، وأما الإثبات يأتي مفصل. وهذه الآية نبراس، هذه الآية نبراس. قال سبحانه: "ليس كمثله شيء" نفي مطلق، ومع ذلك ما فصل سبحانه وتعالى، فالنفي يأتي مجمل، وعند الإثبات فإن من أسلوب القرآن والذي عليه السلف، فإن الإثبات يكون مفصل "وهو السميع البصير". وهكذا لاحظ في كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، نفي يأتي مجمل، "ما مسنا من لغوب" نفي مجمل، لكن عند الإثبات يأتي التفصيل "هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر". يأتي أسلوب القرآن يأتي بالتفصيل، "هو الأول والآخر والظاهر والباطل وهو بكل شيء عليم"، تأتي أن أسلوب القرآن في باب إثبات الصفات يأتي بالإثبات ماذا؟ التفصيلي، لكن في باب النفي يأتي مجمل أحيانا، أحيانا قد يأتي النفي مفصل، وهذا قليل، كما في قول سبحانه وتعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، هنا في تفصيل. قال علماء: والتفصيل هذا أحيانا يأتي للرد على بعض الفرق، بعض الفرق التي يكون عندها أذهان منتكسة، فبعض الناس يعتقد أن وجود الزوجة لله كمال، كما كان اليهود يعتقدون ذلك، أن وجود الزوجة لله كمال. وبعضهم يعتقد أن وجود الولد لله كمال، قياس ببني آدم، يقول: إنسان لو كان عقيم لا ولد عنده ولا عقب له، هذا تقصير في حقه، ونقصان في ماذا؟ في شأنه، وفقاس الباري بهذا. فقال: إذن حتى يصل ربنا للكمال، لابد له ولد، فهنا لما وجدت هذه شبه، هنا ربنا فصل في النفي "ما اتخذ صاحبة ولا ولد"، وإلا الأصل في أسلوب القرآن أن يأتي النفي يأتي مجمل، وأما الإثبات يأتي مفصل. وها طبعًا رد على ما يتعلق بعقيدة أهل الأهواء، أهل الأهواء خالفوا أسلوب القرآن. فأهل الأهواء إذا أرادوا أن ينفوا عن الله، فصلوا، فصلوا، إذهب إلى كتب العقلانيين من الفلاسفة والمفاوضين الشاعرة وغيرهم، تجدهم إذا أرادوا أن ينفوا عن الله، فصلوا: بأن الله سبحانه وتعالى ليس بجسم، ولا بجثة، ولا بروح، ولا بملامس، ولا بداخل العالم، ولا بخارج، ولا عن يمين، ولا ... ولا ... من هذا؟ هذا النفي. ما يكون النفي بهذا الصور التفصيلي، النفي يكون "ليس كمثله شيء" اجمل، فأهل البدع خالفوا خالفوا أسلوب القرآن، وخاصة هذه الآية التي بين أيدينا. كذلك من الفوائد المستفادة من هذه الآية: أن النكرة عنده هنا "ليس كمثله شيء"، "الشيء" هنا ماذا؟ نكرة، ونكرة هنا في هذه الآية جاءت على سياق ماذا؟ على سياق النفي "ليس كمثله شيء"، وهذا ماذا يفيد؟ وقد مر ذلك معنا تكرارا ومرارا. أن النكرة في سياق النفي يفيد العموم، فلا هناك أحد كائنا من كان يماثل الله سبحانه وتعالى، ولو كان ذا نسب، ولو كان ذا جسم، ولو كان أي شيء، مهما كان هذا الشيء بلغ من الصولة، وبلغ من الجولة، فلا أحد يماثل الله سبحانه وتعالى للعموم "ليس كمثله شيء". وأيضا هذا النفي، المثلية تكون في كل شيء. فليس هناك مثيل لله سبحانه وتعالى في ذاته، وليس لله مثيل في صفاته، وليس لله مثيل في أفعاله، وليس هناك مثيل لله في أسمائه، ف"ليس كمثله شيء" ف"شيء" هنا ماذا؟ على عمومها. وأيضا إخواني في الله من فوائد هذه الآية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" في قاعدة عظيمة. وهو أن الله سبحانه وتعالى بدأ بالنفي ثم أتى بالإثبات، أتى بالنفي "ليس كمثله شيء" هذا نفي، ثم قال "وهو السميع البصير" هذا إثبات، هذا إثبات. وهذه قاعدة يقول العلماء: أن كمال الشيء، أن كمال الشيء لا يتم إلا أولا بإزالة العيوب، بإزالة العيوب، أو ما يسمى بإزالة الموانع، ثم الإتيان بالثوابت. كمال الشيء كمال الشيء لا يكون إلا أولا بإزالة الموانع، ثم بإثبات ماذا؟ الثوابت، أو بإرساء الثوابت. وهذا مستفاد من هذه الآية، أول ما بدأ ربنا أن نفي نفى "ليس كمثله شيء"، وبعد ذلك أتى بالإثبات "وهو السميع البصير". وهذه قاعدة سماها العلماء "بالتخلية قبل التحلية"، بالتخلية قبل التحلية. أولا خلي، فرغ، وبعد ذلك أثبت الذي تريد. وهذا أيضا مستفاد من أعظم كلمة في الوجود، وهي "لا إله إلا الله"، أول ما بدأ ربنا سبحانه وتعالى بدأ بالنفي، ثم بعد ذلك ذكر ربنا سبحانه وتعالى ماذا؟ إثبات الوحدانية له جل وعلى. ومنوال هذه القاعدة جاءت لكم القاعدة التربوية السلفية "التصفية قبل التربية"، التصفية قبل التربية. قبل أن تربي، صفي يا عبد الله، إن كنت داعيًا أردت أن تربي الناس على العقيدة صحيحة، فصف أولا عنهم العقيدة الفاسدة، صفها عنهم، وبعد ذلك ربهم على العقيدة الصحيحة. إن كنت تربيهم على الأخلاق والآداب، فصف عنهم الأخلاق الفاسدة والآداب الكاسدة، ثم أتيهم بالأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية. وهكذا فليكن هذا من والك، فمن "يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله" نفي ثم إثبات، وهكذا يكمل يكمل الشيء على أحسن كماله، وعلى أحسن تمامه. فهذا إخواني في الله السريع المتعلقة بهذه الآية، ففيها الشطر الأول "ليس كمثله شيء"، وفيها الشطر الثاني "وهو السميع البصير". وعلمنا أن السمع البصر هو ما إثبات لجميع الصفات، جميع الصفات يدخل فيها ضمنا. وكان بعض المبتدعة يضيق ذرعًا بهذه الآية، حتى نقل عن بعضهم أنه تجرأ أن يكتب على أستار الكعبة "ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم"، ما استطاع أن يقرأ هذه الآية أو أن يبثها على الناس بهذه الصورة، وهذه الكلمات. فأول حرف وتجرد بيده الدنيا أن يكتب هكذا الآية "ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم"، وذلك هروبا من إثبات صفتي السمع والبصر. وهذا حال أهل بدع، ويضيقون ذرعًا بكتاب الله سبحانه وتعالى. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.