البيان في أسباب حفظ الأوطان

البيان في أسباب حفظ الأوطان

المحاضرة بعنوان البيان في أسباب حفظ الأوطان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 20 رجب 1447هـ الموافق 9 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أسباب حفظ الأوطان: الاستمساك بالشرع وحفظ الحقوق الثلاث وإقامة الحدود الرادعة

يشرح الشيخ أن التمسك بشرع الله وحفظ الدماء والأموال والأعراض، مع تطبيق الحدود الشرعية كحد الحرابة، هما السببان الرئيسيان لحفظ الأمن والاستقرار في الأوطان. ويستشهد بالأحاديث النبوية وآية المحاربين لتأكيد أن العقوبات الرادعة تزجر المعتدين وتحقق الطمأنينة.

عوامل حفظ الأوطان: استغلال الفرص والأخوة الإسلامية والانتماء للوطن

يدعو المتحدث إلى اغتنام المهلة التي منحتها الدولة لاستعادة الممتلكات المنهوبة، مستنداً إلى حديث قسمة الغنائم، ويؤكد أن الأخوة الإسلامية تشكل الأساس المتين لحفظ الوطن. ويختتم بضرورة شعور المسلم بالانتماء الحقيقي لوطنه.

علاقة الإنسان بأرضه وواجب عمارتها في الإسلام

يبين المقطع أن الإنسان مخلوق من تراب الأرض، مما يجعل حب الوطن فطرياً وشرعياً، ويوجب عمارة الأرض بطريقتين: تعبدية بالطاعة، وحسية بالبناء والزراعة. ويحذر من التخريب الذي يجلب سخط الله ويؤدي إلى زوال الفاسدين.

الدعاء بحفظ الأوطان وتحقيق الأمن

يختتم الشيخ بدعاء إلى الله أن يمن على المسلمين بالأمن والاستقرار في أوطانهم، وأن يحفظ البلاد من شر الأشرار وكيد الفجار. ويسأل الله أن يجعلهم آمنين مطمئنين في ديارهم.

التفريغ النصي الكامل

جزا الله خيراً الرائد محمد عبد الحافظ الحوثري على هذه الكلمة الطيبة في حفظ الأمن وتعاون المجتمع مع رجال الأمن، فشكر الله له وكتب الله أجره. والآن نبقى مع المحور الرابع بهذه الندوة، وهو البيان في أسباب حفظ الأوطان مع الشيخ الفاضل أبي هاشم جمال بن سرور حفظه الله، فليتفضل مشكوراً مأجوراً. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، معاشر الحضور، نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا هذا اللقاء في هذا المسجد المبارك، وفي هذه الندوة الطيبة التي جاءت في وقت الناس بحاجة فيها إلى أن يسمعوا من الإرشادات والتوجيهات تأتيهم من أهل الشأن والاختصاص، هذه التوجيهات التي بها يتعلم الجاهل، ويتذكر الساهي، ويتنبه الغافل، في وقت اختلط به الحابل بالنابل. إخواني في الله، سمعتم أن محوري في هذا المقام وفي هذه الندوة المباركة حول البيان في أسباب حفظ الأوطان، وحسبي أني سأشير إلى أهم العوامل والأسباب التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة، وخاصة في مثل هذه الأوقات والأزمنة، وإن كانت بعض هذه الأسباب قد جاء ذكرها في أخبار وأقوال المتكلمين قبلي، فجزاهم الله خير الجزاء. من أوائل أسباب حفظ الأوطان، إخواني في الله، الاستمساك بشرع الله جل في علا، فإن الشريعة الإسلامية قد حوت على كل خير، وخلت ونفت كل سوء وشر وضير. الشريعة جاءت بما فيه إصلاح أحوال العباد في الحال والمآل، وما يكون سبباً في سعادة المجتمعات والأفراد. وإن من أعظم... وقد سمعتم في كلمة أخينا أبي يوسف حفظه الله تعالى الإشارة إلى بعض دلالات السنة والقرآن في حفظ الأمن والأمان. أيضاً مما يذكر في هذا المقام من الأمور الشرعية التي تعود إلى أوطاننا بالحفظ، ما ينبغي من الحماية للحقوق الثلاث التي جاءت بها الشريعة الإسلامية بضرورة حفظها وعدم تعديها، ألا وهي: الدماء والأموال والأعراض، فهي الأس والأساس في حفظ الأوطان. قال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». وقال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». فهذه الأمور الثلاث لا ينبغي أن يكون فيها مساس، ولو قلت. تأمل يا عبد الله في رعاية الشريعة لهذه الأمور. تأمل في موضوع المال: قال عليه الصلاة والسلام في حق من اختطع مال أخيه المسلم بغير حق: «أوجب الله عليه النار وحرم عليه الجنة». فقال رجل: يا رسول الله، ولو كان شيئاً يسيراً؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ولو كان قضيباً من أراك». مسواك هو كفيل يا عبد الله أن الله عز وجل بسببه يحرمك من الجنة ويدخلك النار، فما ظنك يا عبد الله بما هو أعظم من ذلك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من ظلم قيد شبر... قيد شبر، شبر من الأراضي، من ظلم قيد شبر طوقه الله من سبع أراضين». إشارة إلى أن المسلم ينبغي أن يعتني بهذه الحقوق. حتى الدماء: قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم فليفعل». إذا استطعت أنك لا تتلوث بمقدار كف من دم... «من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم فليفعل». فيا عبد الله، من أعظم أسباب حفظ الأوطان ما يكون من حفظ هذه الحقوق الثلاث: الدماء والأموال والأعراض. العامل الثاني من عوامل أسباب حفظ الأوطان: ما يكون من سني القرارات الصارمة والعقوبات الحاسمة التي تكون رادعة لكل من سولت له نفسه أن يعبث بالأوطان، أن يعبث بالأوطان. وكما قيل في الآثار: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». ومن هنا فرض الله عز وجل الحدود الشرعية، ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب. حيا لماذا؟ حيا لبلادنا، حيا لمجتمعاتنا، بماذا؟ بإقامة الحدود، بفرض العقوبات التي بها يرتدع المرتدع. تأمل يا عبد الله، ولنا عبرة بعقوبة قطع الطريق وإخافة السبيل وإفشاء الذعر بين المسلمين. قال جل في علا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. لماذا هذه العقوبات؟ لأنها تعود على أهل الإسلام بالخوف والقطيع والأراجيف. ولهذا جاءت هذه العقوبات الصارمة. وقد سمعتم في كلمة القاضي عارف حفظه الله تعالى ما فيه الإشارة لهذه القرارات من السجن والغرامات، بل تصل إلى حد الإعدام، وكل ذلك مستوحى من هذه القوانين والحدود الشرعية التي جاء بها الإسلام في ضرورة كف المعتدي، كف المعتدي. ونضم أصواتنا مع السلطة المحلية ومع لجنة الطوارئ ومع كل من نادى بضرورة استغلال هذه الأوقات التي أعطتها الدولة لكل من لعباء أو عبثاء بممتلكات الوطن أن يعيد... هي فرصة، وبعد ذلك يا عبد الله أن تكون عرضة للعقوبة. روى الإمام أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم أصاب غنيمة، ثم أمر بلالاً أن ينادي: «من أخذ شيئاً من الغنيمة فليأتِ به» لكي تقسم على الكل. فإذا برجل جاء متأخراً فأتى بزمام من شعر، فقال: هذا لكم يا رسول الله. فقاله نبينا: «أما سمعت بلالاً نادى ثلاثاً؟ أما سمعت أن بلالاً نادى ثلاثاً؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «فما لي... أي ليش تأخرت؟» فاعتذر الرجل. فماذا قاله نبينا؟ «لن أقبله منك، أنت تأتي به يوم القيامة». عقوبة... عقوبة الذي ما يستغل الفترة الزمنية الذي تعطى له يكون مستحقاً للعقوبة، عقوبة الدنيا والآخرة. فالله الله يا عبد الله في اغتنام هذه الأوقات والفرص. ثالثاً مما أذكره من عوامل حفظ الأوطان: ما يكون من ضرورة توطيد العلاقة بين المسلمين، بين أهل الإسلام. ليس كافياً أن نكون أمة مسلمة، بل ينبغي أن هذه الأمة المسلمة يكون بينها من التكاتف والتآلف والتراحم والتحاب. نبينا عليه الصلاة والسلام عندما دخل المدينة وأراد أن يقيم دولة الإسلام، وكانوا على الإسلام، لكن ما اكتفى بهذا، أتى بما يسمى برابطة المؤاخاة بين المسلمين، فآخى بين المهاجرين والأنصار بمؤاخاة لم يسمع عنها التاريخ. لماذا؟ لماذا هذه المؤاخاة في هذا الوقت بالذات؟ لعلمه عليه الصلاة والسلام أن إقامة المدينة، الوطن لأهل الإسلام، يحتاج إلى لبنة، وأعظم لبنة تقام عليها البلدان ما يكون من الأخوة والمحبة. ولهذا جاءت الآيات التي يقول فيها ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ويقول عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تحاسدوا، لا تناجشوا، لا تباغضوا، لا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً». هذه الحقيقة التي ينبغي أن نعترف بها، شئنا أم أبينا: نحن في هذا المجتمع إخوة، بغض النظر على اختلاف أنسابنا، أجناسنا، أبشارنا، نحن أخوة في الدين، شئنا أم أبينا. بل إن الإسلام ذهب إلى ما هو أبعد من هذا، أبعد من هذا التعبير القرآني، أخذ يمثل أن تعامل المسلم مع أخيه هو في الحقيقة تعامل المسلم مع نفسه. تأمل تعامل المسلم مع نفسه في باب قتل النفس، حينما حرم الله أن نقتل... تقتل مسلماً، قال ربنا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾. عندما تقتل أخاك في الحقيقة كأنما تقتل نفسك. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، لأن أخاك وأنت... وعندما نهى ربنا جل وعلا عن أخذ أموال المسلمين قال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. نسب الأموال، أموال الغير، إلينا: مال أخي هو مالي. وعندما تكلم ربنا عز وجل في الأعراض قال: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾. تلمزوا بمعنى العيب والطعن. ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾، معنى الخطاب لغيرنا لإخواننا، لكن أنت وأخوك نفس واحدة، نفس واحدة. تأمل يا عبد الله هذا الخطاب القرآني: نحن في هذا المجتمع نعد أنفسنا كالنفس الواحدة. ما الذي أفعله في أخيه هو في الحقيقة أفعله في نفسه. قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه». هذه حقوق المسلمين فيما بيننا. حق المسلم على المسلم أنك يا عبد الله تكف عليه ضيعته، تبعد عنه الأذى، وأيضاً تحوطه، تحميه، تحميه في ماله، تحميه في أهله، تحميه في مصالحه، تحوطه من ورائه، بمعنى في غيبته، في غيبته إذا غاب أنت تقوم محله في حفظ ماذا؟ في حفظ ماله ومصالحه. هذا، وقد سمعتم في كلمة الرائد محمد حفظه الله تعالى: أنت لا تحتاج إلى أن عسكري يحوطك يا عبد الله من ورائك، لا يقول: كفاك يا عسكري، أنا عندي أخي، عندي جاري، هذا سيكفيني، عندي الأمة المسلمة، عندي هذه البلاد كلها في غيبتي ستحميني. لكن للآن... وين، وين عبد الله؟ سرعان ما هي لساعة زمن، غفلة، غفلة فقط، إذ بالناس انقلبوا، بعض الناس انقلبوا كالوحوش الكاسرة، ينهش بعضنا على بعض. لما هذا؟ ليس من حق المؤمن. حقك يا عبد الله أرفع وأجل: المسلم أخو المسلم، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه. ما هو موجود؟ أنا موجود، أنا أكفيك، سواء وجد رجال الأمن أو لا. هنا محل للكل، فكلنا عباد الله نكون أفراداً في حماية الممتلكات، في حماية الأوطان. هذا الأمر الثالث. الأمر الرابع، به أختم المقام، حفظكم الله: مما ينبغي أن يفعل ونحن في مقام حفظ الأوطان، أن يعلم الإنسان مدى علاقته بوطنه. وهذه مسألة طويلة وطويلة جداً، لكن سأختصرها في دقائق: أن يتعرف الإنسان على مدى انتمائه لوطنه. لا تظن يا عبد الله أن الله عز وجل إذا حباك بأرض تعيش عليها أن العلاقة التي بينك وبين هذه الأرض علاقة مصالح ومنافع: أرض أنت موجود فيها، تأكل من خيراتها، وتشرب من مائها، ومكان من جوفها، وأنك تستظل بظلها، وأنك تسكن فيها. هل هذا الأمر هو هو؟ لا، الأمر يا عبد الله أعظم بهذا بكثير. الأرض هو جزء لا يتجزأ منك، منك. قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾. فما أنت يا عبد الله إلا روح، روح امتزجت بتراب الأرض، فأصبح هذا التراب مخالطاً لدمك، ولعصبك، ولعظمك، ولحمك. وهذه الخلطة ظهرت في ماذا؟ ظهرت في شكلك، في صفتك، في طباعك، في تعاملاتك. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله خلق آدم من قبضة، قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وجاء منهم السهل والحزن، وجاء منهم الطيب والخبيث». هذه التنوعات في الألوان والطباع من أين جاءت؟ من التربة. فما أنت يا عبد الله، ما أنت إلا انعكاس للأرض، ما أنت إلا انعكاس للأرض. فإذا كان الأمر كذلك فالعلاقة وطيدة بالأرض التي نحن نعيش عليها. ومن هنا كان ولا زال الإنسان دائماً وأبداً يحب أرضه، يحب وطنه، ما يفارقه أبداً. حتى أن الله عز وجل قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾. قرن الله عز وجل بين قتل النفس وبين الإخراج من البلد، لأن من أصعب الأشياء على النفوس أنها تستقصى من أرضها وتخرج من بلادها. ولهذا قال إمام الآلوسي رحمه الله تعالى: قال: الخروج من الأوطان أخّ القتل، أخّ القتل. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾. النفس البشرية صعب، صعب أنها تخرج من شيء قد ألفت. فالتراب والأوطان هي جزء لا يتجزأ من أبداننا، من أبعاضنا. فإذا كان الأمر كذلك يا عبد الله، لا بد من الوفاء. كيف تفي حق الأرض الذي أعطاك الله إياها؟ كلمة واحدة، كلمة واحدة بها تشمل شتات المجموع في الذي ينبغي أن يكون لأرضك ووطنك: الإعمار. عمر يا عبد الله في هذه الأرض، عمر. كما قال سبحانه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. كما قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: أي مكنكم في الأرض لكي تزرعون وتبنون وتحرثون. العمارة: نعمر في أوطاننا لأن بها يكون الحفظ. وأن العمارة على قسمين، باختصار شديد: عمارة تعبدية، وعمارة حسية. العمارة التعبدية: أن نعمر أوطاننا بالطاعة والعبادة والصلاة والصيام والزكاة. هذا من أعظم ما تعمر به الأوطان. قال إمام مجاهد رحمه الله: قال: ما من مؤمن يموت إلا وتبكي عليه الأرض... أرضك تبكي عليه الأرض والسماء. فقيل له: يرحمك الله، أتبكي الأرض والسماء؟ قال: ما للأرض لا تبكي على رجل كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على رجل كان لتسبيحه وتكبيره دوي كدوي النحل؟ وقد جاء ذلك عن ابن عباس. فالأرض يا عبد الله متعلقة بك، فتعلق أنت بها، متعلقة بصلاتك، بصيامك. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الدعاء والصدقة والأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء. أردنا أن نحفظ أوطاننا من شر الأعداء، من كيد الفجار، من الأعاصير، من الفيضانات. قال رحمه الله: قال: الدعاء والصدقة والأعمال الصالحة من أعظم أسباب دفع البلاء النازل من السماء. هذه العمارة التعبدية. العمارة الأخرى: العمارة الحسية. كن معمراً يا عبد الله في وطنك، عمر، عمر بما تستطيع، بما تستطيع. تأمل لهذا الحديث: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة»... فسيلة، فسرت بالنبتة الصغيرة، نبتة فسيلة، ويعرف الزراع... «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن يغرزها فليغرزها». سبحان الله، سبحان الله. فسيلة، فسيلة، ماذا عسى لفسيلة أن تعمر في بلاد مترامية الأطراف؟ ماذا عسى، وما عسى أن يستفاد من الفسيلة، وقد قامت الساعة، من يستفيد، الناس في هول؟ لكن التربية: يربي نبينا عليه الصلاة والسلام أهل الإسلام على أنه ينبغي، ولو أنت في الرمق الأخير، أن تقول: لك بصمة في وطنك، في مجتمعك. عمر، عمر يا عبد الله. هذا كله في واد، لكن تعال لمن هو عكس ذلك تماماً، لمن هو يقوم بتخريب وطنه، بتخريب بلده، بالتكسير، بالتخريب، بالتدمير، بالتفجير، بالنهب، بالمخدرات، بالشبو، بالفساد. ماذا تفعل يا عبد الله؟ اعلم، اعلم الله قبل أنك تأتي بسخط الله. اعلم أن بلدك، ولازالت البلاد تشعر، تشعر وتحس بما يجري فوقها، كما أنها تفرح بالذي يعمر على ظهرها، فإنها تتصخط من كل مواطن أفسد فيها. قال عليه الصلاة والسلام: «وإن العبد الفاجر ليستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب». كل هؤلاء، ومنهم البلاد. بلدك تستريح منك يا عبد الله، متى ما وصلت إلى هذا الحال. الشاهد، إخواني في الله، هذا الذي أذكره على عجالة في بيان أهم الأسباب التي تأتي بحفظ الأوطان. فأسأل مولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم آمنين مطمئنين في بلادنا، وأن يحفظ علينا البلاد، وأنه يقي العباد من شر الأشرار ومن كيد الفجار، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.