الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 36، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول موضوع فتنة القبر وسؤال الملكين منكر ونكير، حيث يسأل الميت عن ربه ودينه ونبيه. الإجابة تعتمد على عمله في الدنيا، وقد ثبتت بأدلة من القرآن والسنة.
يؤمن أهل السنة والجماعة بعذاب القبر ونعيمه، واستدلوا على ذلك بنصوص الكتاب والسنة، مثل عرض آل فرعون على النار وحديث ابن عباس عن تعذيب قبرين.
يرد على من أنكروا عذاب القبر ونعيمه، ويبين أن هذه المسألة من الغيب الذي لا يقاس عليه، وأن الإيمان به هو ابتلاء وتمحيص من الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. قال مؤلف رحمه الله تعالى: «عذاب القبر ونعيمه حق»، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه وأمر به في كل صلاة، «وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق». هذا الفقر، إخواني في الله، وخاصة ما يتعلق بعذاب القبر وبنعيمه وفتنته، تطرق إليها المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة إثر حديثه عن الغيبيات التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يؤمنوا بها وأن لا يترددوا في ثبوتها وإثباتها، لأنها مما أخبر عنها الشرع. وما يتعلق بمقدمة لمسألة عذاب القبر ونعيمه وفتنته، إذ أن هذه المسائل المتعلقة بمسائل البرزخ وهي دار من الديار التي سينتقل لها الإنسان لا محالة، إذ أن الدور ثلاثة: الدار الأولى دار الدنيا، والثانية دار البرزخ، والثالثة دار الآخرة. فدار الدنيا هي دار العمل، والبرزخ دار الانتظار، وأما الآخرة فهي دار الجزاء. فهذه الدور الثلاثة ما منا من أحد إلا وسينتقل من دار إلى دار. فأنت في الدنيا، ثم يأتيك دار البرزخ، ثم تأتيك دار الآخرة، وتسمى بدار القرار، وفيها يتحصل الإنسان على جزائه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. والبرزخ أو دار البرزخ هي أعم من القبر، هي أعم من القبر. وحتى ما جاءت به الأحاديث، ومنذ كل العلماء من مسألة عذاب القبر وفتنة القبر، إنما هذا من باب الأغلبية، من باب الأغلب، لأنه غالب في الناس إذا ماتوا أنهم يدفنون في الأرض وفي التراب هذا الأصل. لكن بعض الناس لربما يصل به الحال إلى الدفن، كحال من غرق في البحار، وحال من ابتلعته السباع والهوام، أو هكذا من لربما احترق فأصبح رماداً، فهؤلاء هل يقال أن ليست لهم دار البرزخ؟ لا، لهم دار، أين هي؟ ويأتي البعض يتساءل، يقول: طيب، كيف لأمثال هؤلاء أن يأتيهم الفتنة ويأتيهم العذاب والنعيم وهم في قبور، إذ لا قبور لهم؟ فقال: يا عبد الله، مسألة القبر إنما خرجت مخرج الغالب، إذ أن الغالب في الناس يكون في حال القبور. لكن ما يتعلق بالحكم، فالحكم عام لكل ميت، من كان في قبره فله عذاب ونعيم، ومن كان في بطن السباع فله عذاب ونعيم، ومن كان رماداً تتطاير به الهواء والرياح يمنة ويسرى، فكذلك عذاب ونعيم. كيف ذلك؟ هذا بقدرة القدير جل في علاه، هذا بقدرة الله جل في علاه، هو الذي يستطيع أن يفعل كل شيء جل في علاه. فربنا يحاسب هؤلاء وهم في الدار الآخرة، إذ أن دار البرزخ هي فيصل بين الدنيا وبين الآخرة، فلابد لكل أحد أن يصل إلى هذا المصير. ومسألة القبر، إخواني، فلا تتخلص أو تتلخص في أمرين اثنين: ما يتعلق بفتنة القبر، وما يتعلق بعذابه ونعيمه. ومن هذه المسائل، فتنة القبر، والذي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق». ما يتعلق بفتنة القبر، الفتنة بمعنى الاختبار، والمراد بفتنة القبر ما يكون من سؤال الميت، ما يكون من سؤال الميت، إذ أنه يسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه عليه الصلاة والسلام. هذه الأسئلة ستطرح والميت إذاً سيجيب، لكن إجابته لا تعتمد على الحفظ كما يدعي بذلك أهل الغفلة، أن هذه أسئلة ستحفظ في الدنيا وسأجيب عليها في البرزخ. لا، ليست حفظ، إنما الإجابة على قدر عملك يا عبد الله، الإجابة على قدر إخلاصك وإتقانك للعمل تأتي الإجابة. فمن الإجابة من المسلمين من أهل الموت من سيجيب على هذه الإجابة بكل أريحية، بكل وثوق: ربي الله، دين الإسلام، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم، هذا سيجيب عليها من كانت له أعمال صالحة تدفعه لمثل هذه الإجابة الواثقة منها. لكن الكافر أو المنافق الذي ابتعد عن شرع الله جل وعلا، ما عنده أعمال تدفع الإجابة، فيتلكأ كما جاء في الحديث: يقول: ها ها، لا أدري. كلما طرح عليه السؤال: من ربك؟ ها ها، لا أدري. لماذا؟ لأن الأعمال خانته في هذا، فالأعمال يا عبد الله هي التي تدفعه. وفتنة القبر وما يكون من السؤال، هذا قد ثبت بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة. أم من الكتاب، في قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. وهنا الثبات بالقول الثابت هو ما يكون في حال البرزخ، ما يكون في حال فتنة القبر. فالثبات يأتيك من عند الله جل وعلا، فالثبات يثبت الله أهل الإيمان خاصة من المؤمن، هو الذي عمر الدنيا بالأعمال الصالحة وبالأقوال النافعة، فهذا دليل من القرآن استدل به العلماء على وجود فتنة القبر، من كتاب الله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. وكذلك في السنة، أحاديث كثيرة تدل على أن الميت يسأل، كما ثبت ذلك في الصحيحين: «أنكم تبتلون في قبوركم». وكذلك ثبت في الصحيحين: «فيسأل العبد في قبره». فهذا الأحاديث كثيرة جداً تدل على ثبوت السؤال. قال رحمه الله تعالى: «ففتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق». منكر ونكير، قبل أن ندخل في منكر ونكير، نأتي إلى مسألة عامة من هذه، أن السؤال الذي سيطرح عليك يا عبد الله يكون من قبل ملكين، من قبل ملكين يرسلهم ربنا جل وعلا إليك وأنت في قبرك، ومهمة هذين الملكين أنهم سيسألانك يا عبد الله عن هذه الأسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فقد ثبت ذلك في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «فيأتيه ملكان فيقعدانه». وجاء كذلك بهذا اللفظ، جاء في البخاري: «فيقعدانه». إذن سيأتيك ملكين يا عبد الله، وسيأتيك ملكان يا عبد الله، وسيسألانك عن هذه الأسئلة. لكن بقي مسألة وهي إلى هذا الحد، هذا أمر متفق عليه عند العلماء: أن الفتنة حاصلة، السؤال حاصل، السؤال حقيقته عن الدين والملة وعن الرب والرسول، وهذا متفق عليه. وأن الذي سيطرح عليك الأسئلة ملكان يرسلهم ربنا سبحانه وتعالى لكل مقبور ولكل ميت ولكل من كان في دار البرزخ. بقي ما بعد هذه المسائل، التحديد تحديد التسمية: منكر ونكير، هذا الأمر اختلف فيها العلماء. اختلف العلماء. انتبه، الخلاف الآن لا يتكلم في حقيقة المسألة، هذا القدر متفق عليه: السؤال موجود، وخروج الملكين موجود. لكن يسميان الآن، الكلام في التسمية: هل تصح هذه التسمية أو لا تصح؟ نعم، اختلفت أنظار العلماء في هذه المسألة. فمن أهل العلم من رأى أن الإثبات ثابت، أن الإثبات ثابت، وأن هؤلاء اسمهم بهذا المسمى، بهذه التسمية: أحدهما منكر والآخر نكير. قال أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى، الحافظ في كتابه «اعتقاد أئمة الحديث»، قال وهو يحكي عن معتقد أهل السنة والجماعة: «ويؤمنون بمسألة منكر ونكير». على ما ثبت به الخبر عن الرسول، على ما ثبت به الخبر عن الرسول. فهو ينقل عن أهل السنة والجماعة أنهم يعتقدون بهذه التسمية. وهذا قول للعلماء من أهل السنة يثبتون هذا الاسم، لأن الحديث الوارد في هذا صحيح، والحيث الوارد في هذا الباب وهو صحيح. وجاء ذلك في صحيح مسلم، وفي سنن الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قبر أحدكم، جاء أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال أحدهما المنكر والآخر النكير». هذا الحديث تفرد به الترمذي من كتب السنة في إخراجه. فهذا الحديث مرفوع عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أخبر بخروج هذين الملكين بهذه الصورة: أسودان أزرقان. واختلف العلماء كيفية هذه الألوان التي ستكون على الملكين، لكن الراجح: المقصود بالسواد ما يكون في الوجه، والزرقة تكون في العين. وهذا يقال: مكيناء عن الشدة وعن هول الموقف، وحينها لا يثبت إلا من ثبته الله على الإجابة. فإذا هذا قول الأول، لطائفة من العلماء أنهم أثبتوا التسمية. القول الثاني: منهم من لم يقل بهذه التسمية، وإنما حسبه أن يقول: نعم، نحن نؤمن بمجيء ملكين بالسؤال فقط، نكتفي إلى هذا الحد، أما أن نسمي منكر ونكير فلا. والذين قالوا بالنفي وتوقفوا عن التسمية، كان لأمرين اثنين: أمر يتعلق بالإسناد، وأمر يتعلق بالمتن. الأمر الذي يتعلق بالمتن، قالوا: كيف يمكن هذا؟ قالوا: ما وجه العجب؟ قالوا: كيف أن نسمي ملائكة وهم البررة الكرام، من خيرة مخلوقات الله جل وعلا، الأطهار الأبرار، أن نسميهم منكر، هذا ما يعجب. كلمة منكر، هذه ما تطلق على الفواحش: فلان فعل أمراً منكراً. أنت يا منكر، فقالوا: كلمة منكر هذه كلمة ما تقال في مثل هذه المخلوقات الطاهرة، فهم هذا استشنعوا المعنى، الاستشناع جاء هنا من جهة المعنى، فهم أنكروا التسمية لأن هذا ما يليق، هذا ما يليق. فكان يرون هذه علة واضحة تكفي في رد الحديث. لكن رد العلماء ونبهوا على هذه الشبهة وعلى هذه المسألة، قالوا: المقصود بالمنكر هنا ينبغي أن نفرق، ليس بالمنكر الشرعي، عندما أن هؤلاء سموا بأن أحدهم منكر والآخر نكير، ليس المقصود بالمنكر الشرعي، بمعنى المنكر بمعنى الإثم أو المعصية أو الشيء القبيح السيء، لا، ليس هذا المنكر. بل المقصود بالمنكر هو الذي لا يعرف، أي المنكر في اللغة: المنكر في اللغة تقول: هذا رجل أنكرته، ما معنى أنكرته؟ ما أعرفه. إذن فقالوا: المنكر هنا يدور على الدلالة اللغوية لا الدلالة الشرعية، كما قال في قصة إبراهيم مع الملائكة: قال: «قوم المنكرون». لماذا سماهم منكرون؟ لأنهم لا يعرفهم، نكرهم، استغربهم. فهنا المنكر، قال: علماء هنا اللفظ اللغوي، وهذا لا شيء فيه. ولهذا سمي أحدهم بالمنكر لأن الميت لا يعرفه، فقال: هذا الرجل أنا منكر عنده، ما معنى منكر؟ أنا لا أعرفه، لا معنى أنه أراد القباحة أو الدناءة أو السيئة، ما أراد هذا. وهكذا هذا المنكر الذي ينكر لعدم معرفته، وهكذا النكير كذلك تأتي على معنى المنكر. أي: إذن سمي هؤلاء بمنكر ونكير من جهة أن الميت لا يعرفهم. إذن قالوا: هذا ليس فيه داعي استشناع اللفظ، فاللفظ ليس فيه ما يستشنع. الأمر الثاني من حيث الإسناد، تكلم بعض من أن هذا الحديث جاء من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر الحديث: «أتاه ملكان أسودان أزرقان». قالوا: العل في عبد الرحمن بن إسحاق، قيل في ترجمته أنه الصدوق وقد اختلط. الشيخ الألباني رحمه الله تعالى انبرى لهذا وحسن الحديث. وقالوا: أما ما قيل في عبد الرحمن بن إسحاق من كلام، فإنه لا يضر. فلهذا الشيخ الألباني على تحسين هذا الحديث. إذن فعلى قول الراجح بإذن الله، فإذن هذه اللفظة لا إشكال فيها لا من حيث الإسناد ولا من حيث المعنى. إذن فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق». ثم تأتي بعد السؤال مسألة العذاب والنعيم، أن هذا كذلك حاصل في البرزخ. فمن وفق للإجابة والسداد إليها، فإن الله سبحانه وتعالى سينعمه وهو في قبره، في هذه الحفرة التي تراها ما هي إلا ذراع في ذراع، وأدون ذلك، فإن النعيم سيأتيه يأتي لهذا الميت. والعكس بالعكس، فإن ما أتقن الإجابة أو تلعثم في الإجابة، كحال أهل الشقاق والنفاق والعناد، فإن الله عز وجل حينها سيأتيهم بالعذاب وهم في قبورهم، نعم، وهم في قبورهم، يجعلها عليهم ناراً تلظى، والعياذ بالله، ناراً تلظى. وهذه عقيدة يؤمن بها أهل السنة والجماعة، وذلك لنصوص الكتاب والسنة دلت على أن العذاب والنعيم يقى على أهل القبور، يقى على أهل القبور. فمن ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشية﴾. تأمل في نص القرآن، احكي ربنا عن حال فرعون ومن كان من ملأه: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشية ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. إذن هناك عذاب يعرض عليهم غداً وعشية، وإذا قامت الساعة حين سيدخلون إلى أشد العذاب مما كانوا قد لقوا. إذن أين هذا العذاب الذي يعرضون عليه؟ لا شك أنه في البرزخ. وهذه مما يؤكد عقيدة أهل السنة والجماعة وهي عقيدة المسلم على أن هناك عذاب ونعيم ستقع لأهل القبور. وهكذا ما جاء في الصحيحين، حديث ابن عباس المشهور، عندما مر نبينا عليه الصلاة والسلام على قبرين، فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة». فاطلع نبينا وذلك بالطلاع الرب عليه أنه أعرف بأن أهل هذه القبور تعذب قبورها. «إنهما لا يعذبان»، متى وأين؟ في القبر، في القبر. فدل ذلك على أن الميت يعذب في قبره إن كان من أهل العذاب. وهكذا ما جاء في مسند الإمام أحمد، وقد ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، من حديث البراء بن عازب الطويل، والذي فيه حكاية الرسول عليه صلى الله عليه وسلم لحال الميت إن كان مؤمناً عند سكرات الموت إلى أن يتوفاه الله، وذكر فيه أنه ماذا ينعم في قبره. ثم ذكر بالمثل حال الكافر والمنافق عند ساعة احتضاره إلى أن يتوفاه الله إلى الدار الآخرة، وكيف أنه يتعرض لعذاب في قبره. فهو حديث طويل وهو كذلك صحيح، فيه إشارة إلى ما عليه أهل السنة والجماعة: أن الميت إما يعذب في قبره وإما أن ينعم. فحقيقة العذاب والنعيم حقيقة، وأيضاً ما جاء في الصحيحين كيف أن النبي أمر المصلي الأرشد، بل كان هذا من فعله، من فعله، أنه كان يتعوذ بالله من أربع، كما أشار المؤلف رحمه الله تعالى في المتن، قال: «وقد استعاذ النبي منه وأمر به في كل صلاة». ويعني به ما كان من أمر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أرشد المصلي أن يتعوذ في آخر صلاته من أربع، ومن ذلك ومن عذاب القبر. إذا الأدلة كثيرة متكاثرة تدل على أن عذاب القبر ماذا؟ ثابت بالكتاب والسنة. هذا الذي عليه المسلم المنصف الذي لا يتجرأ على أن يعترض على شرع الله عز وجل، وخاصة في الغيبيات. قام كالعادة، ونحن في مثل هذه المسائل نذكر ما عليه الطوائف ممن تنكب عن الاستسلام لشرع الله عز وجل. ذكرنا حال الناس مع عيسى، ذكرنا حال الناس مع الدجال، مع يأجوج ومأجوج، مع الدابة. كذلك حال الناس من قصة أو من حال فتنة القبر وعذاب القبر. قام جماعة ممن تنتمي للإسلام وأنكروا هذه المسائل، قالوا: لا نستطيع أن نؤمن بما يسمى بفتنة القبر، ولا نستطيع أن نذعن لما تسمونه بنعيم القبر بعذاب القبر. تقول: طيب، لي ما المانع من الاستسلام لمثل هذه الأحاديث والآيات؟ قالوا: أما يتعلق بالفتنة، أن هناك سؤال في القبر، كيف تقولون أن الملكين يأتيان فيقعدان الميت؟ وأين عسان يقعد؟ نحن نرى القبور ضيق في ضيق، ما تجد الميت إذا إلا إذا أضجع في قبره إلا وجاء اللبن من فوقه سد عليه المسد، ثم يهيل عليه بالتراب، طبق كامل من التراب. كيف يقعد؟ من أين المحل القعود حتى نؤمن أن هناك قعود أصلا؟ فإذا تجد أن الشبهة جاءت من جهة العقل. قالوا: أما تقولون عذاب القبر نعيم القبر؟ قالوا: نحن نذهب وإياكم الآن سويا ونفتح القبور قبراً قبراً وننظر أين النعيم الذي تدعونه وأين الجحيم الذي تذكرونه؟ لا نرى جحيم، لا نرى لا نعيم ولا جحيم، نرى جثث عظام بالية وجدت. فقالوا: لا نمكن أن نذعن لشيء العقل ما يثبته. فهؤلاء القوم هؤلاء ممن أدخل العقل، وهم ضلال. وهؤلاء جماعة من الفلاسفة قديماً، وقال بهذا القول الخوارج، وهكذا كذلك بعض المعتزلة كبشر المريسي، وهكذا بعض المعاصرين من العقلانيين. وهؤلاء كلهم خاضوا بعقولهم في هذه المسائل وردوا ما يسمى بفتنة القبر بعذاب القبر بنعيم القبر. الرد على هؤلاء من عدة مسائل، الأمر الأول: ما يتعلق أن هذا الباب قد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، بل ابن العز الحنفي في «شرح الطحاوية» ذكر أن الأحاديث المروية في فتنة القبر قد بلغت حد التواتر، قد بلغت حد التواتر. فهو ليس حديث أو حديث، بل عشرات بل مئات الأحاديث تدل على هذه العقيدة. ثم أنت تأتي بملء الفم وترد هذه الأحاديث الكثيرة التي أخبر نبينا عن هذه العقيدة، وهذا عدم رضا بشرع الله عز وجل. وكفاك يا عبد الله الضلالة إن كان عقلك يؤديك من مثل هذه المتاهة، أنك تتعترض على شرع الله عز وجل لا لشيء إلى العقل، فهذا الضلال. المسألة الثانية: الرد الثاني، أن نعلم أن ما يتعلق بالقبر وفتنة القبر وبناء عذابه ونعيمه وما يدار حول البرزخ، أن مسألة البرزخ أمر غيبي، أمر غيبي. وهذا ماذا يفيدك؟ يفيدك يا عبد الله أن تهتم بأمرين اثنين: الأمر الأول أن الأمر الغيبي لا يقاس عليه شيء، لا يقاس عليه شيء أبداً، لأنه غيبي سمع بغيب. إذن كيف أنت تريد أن تعرف شيء هو غيب؟ هذا غيب، ولهذا الغيب إنما عليك أنك تؤمن به على ما هو عليه. ولهذا كان من أعظم الناس منزل عند الله جل وعلا الذين يؤمنون بالغيب. وتجد أن الله سبحانه وتعالى عندما زكى أهل إيمان، أول خصلة زكاها في أهل الإيمان: أنهم أذعنوا بالإيمان للغيب، لصدق إيمانهم بالله جل وعلا، ما ردوا خبر الله ولا خبر الرسول. إذن نعلم أن عذاب البرزخ وما يتعلق بحياة البرزخية من أمر الغيب، هذا يعطيك إشارة أن هذا غير قابل للقياس. الأمر الثاني: أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى ما وضع هذه الأشياء من علم الغيب إلا من باب الابتلاء والتمحيص، من باب الابتلاء والتمحيص. إن الله عز وجل قادر على أن يجعل هذه القبور على أصحابها على ما يستحقون، تفتح حالة تجد نار ترضى، تفتح حالة تجد روض من رياض الجنة، الله قادر. لكن إذا فعل ذلك، هل سيكون هناك ابتلاء وتمحيص لعباد الله من الأحياء؟ ما سيكون. سيكون الناس كلهم على قدر واحد، لا. الله عز وجل من حكمته أن يبتلي العباد في الشريعة، ينظر في صدق إيمانهم، فيخفي مثل هذه الأشياء. تفتح القبور، هل ترى نعيم؟ ما أرى نعيم. هل ترى جحيم؟ لا أرى جحيم. ماذا تقول؟ أقول: أن في نعيم وفي جحيم، ولو لم أرى بعيني. هذا قوة الإيمان، هذا ابتلاء وتمحيص من الله سبحانه وتعالى. أما الكافر لا ما يؤمن، هذا دليل على ضعف إيمانه إذا انتبه لهذا يا عبد الله: أنك أولاً تذعن أن هذا من مسائل الغيب، ثم تأتي هذه المسائل بعد ذلك تتفرع من قولك بأن البرزخ من عذاب القبر، أن هذا أولاً لا يدخل القياس، وثانياً أن هذا إنما جعل للابتلاء والتمحيص. المسألة الثالثة: وهي المهمة في هذا الباب، قال علماء ما يتعلق بفتنة القبر، ما يتعلق بعذابه ونعيمه: إنما يدركه الميت فحسب، انتبه لهذا. الميت هو الذي يدركه، وأما الأحياء فلا يدركون شيئاً من ذلك. نعم، إذا فتحنا القبور لن نجد شيء، ما نجد النار الذي نسمع عنها، ولن نجد أن القبر قد وسع على أهلي إلى مد البصر، قد لا نجد هذه التوسعة وهذا النعيم وهذا الجحيم. لكن ما الذي يجد هذا الميت الذي في قبره؟ هو الذي يجد هذه الأشياء، يجد النعيم يتمتع به، أو ذاك الميت الذي يرى الجحيم الذي يصل به. إذن النعيم والجحيم والفتنة إنما تكمن في الميت، الميت هو الذي يستشعر به. وهل يعقل هذا؟ نعم يعقل. وأعطيكم مثال قريب، قريب جداً، لأن هؤلاء أصحاب عقول حقاً لكان ذلك مسألة ضربها لهم في الحياة الدنيا حتى لا يكابر في أمور الآخرة. ما يتعلق بالنائم، لو ربما تجد رجل نائم بين جماعة من أصحابه، بل بين أناس يسهرون بجانبه، تنام أنت في جانب الغرفة، وهذا عن يمينك، وهذا عن يسارك، ذاك الذي يقرأ، وذاك الذي يأكل، وأنت في هذا الحيز في هذا المكان تنام. فإذا بالكوابيس تأتيك، يأتيك كابوس عظيم بأن هناك وحش مثلاً يجري خلفك، وأنك في ظلمات، وأنك تصعد، وأنك تنزل، وأنك تصعد، وأنك تنزل، فإذا بك تتصبب العرق، والدقات القلب تخفق بشدة، وإذ ذاك تنقذ تقوم من شدة الفزع، وإذ ذاك تضيق الناس الذي بجانبك يقول: يا شيء عبد الله، إيش صار؟ تلهذ؟ هذه المعاناة ما الذي يحس بها؟ أنت الذي بجوارك هل حسوا بشيء من هذا؟ ما حسوا، ولا بذرة مما تعاني. والعكس بالعكس، قد تتنعم، تجد عندك أنك في فراش وثير، وعنده مرأة جميلة، وأنك تتمتع بأكل وطعام وشعراء وملبس، وتقوم أنت فرحاً وبكل بهجة، وبكل انشراح الصدر، فتقول: يا أخوان، إيش اليوم هذا؟ أحسن يوم عندي. إيش تقول؟ والله إيش في المنام رأيت هذا التمتع الذي أنت أحسست به؟ هل الذي بجوارك أحسوا بشيء من هذا؟ ما أحسوا بشيء. قد يكون ألصق الناس بك، قد تكون زوجتك ملتصقة بك، ولا تشعر بشيء مما أنت تمر به، لا من عذاب من الكوابيس، ولا من النعيم من التلذذ في المنامات. وهذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى حتى يستفيق أهل الغفلة ويعلمون أن ما وعد به ربنا سبحانه وتعالى حق. تجده ميت لكنه في عذاب، ما يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى، أو في نعيم ما يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى. فهذه يا إخوانا في المسائل السريعة، وهناك مسائل كثيرة جداً متعلقة بفتنة القبر وعذابه. لكن هذا الذي يذكر في هذا المقام. فأسلم يا مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.