الدرس في شرح كتاب الطهارة 12، ألقاها
يتناول هذا الفصل ما يكره فعله أثناء قضاء الحاجة مثل استقبال مهب الريح والكلام، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. كما يشير إلى كراهة البول في الجحور ودخول الخلاء بذكر الله.
يناقش هذا الفصل حكم دخول المصحف والمال الذي عليه ذكر الله إلى الخلاء، ويشدد على عدم جواز دخول المصحف إلا عند الضرورة، ويجيز دخول المال عند الخوف من السرقة أو النسيان.
يتناول هذا الفصل حكم إدخال بعض الأشياء إلى المسجد خشية الإتلاف أو الإهانة، ويشير إلى تأجيل الحديث عن السواك إلى الدرس القادم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله-: المسألة الخامسة: ما يكره فعله للمتخلي. قال: يكره حال قضاء الحاجة استقبال مهب الريح بلا حائل؛ لألا يرتد البول إليه، لألا يرتد -يعني يرجع- إذا أراد أن يقضي حاجته وهو في مكان ليس فيه حاجز ومانع يمنع من الريح، فلا يستقبل الريح؛ لأنه إذا استقبلها سيأتي الريح ويرد البول عليه، فيتنجس بدنه أو يتنجس ثيابه. فلذلك لا يستقبل مهب الريح بلا حائل ولا حاجز، أما إن كان هناك حائل -جدار أو نحو ذلك- فلا بأس. قال: ويكره الكلام. قد مر رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه، والحديث في مسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه؛ لأنه إذا رد عليه سيذكر الله، أو في هذه الحالة ليس الموضع موضع ذكر لله، فلهذا لم يرد عليه عليه الصلاة والسلام حتى قضى بول، أو كما في بعض الروايات: أنه بعد أن انتهى وتيمم رد عليه السلام. رد عليه السلام أما في حال قضاء الحاجة فلا، فأنت -مثلًا- إذا سلم عليك أحد وأنت في مثل هذه الحال ما ترد عليه السلام، كنت تبول -مثلًا- فجاء فسلم عليك، ما ترد عليه حتى تنتهي، تنتهي من البول ثم ترد عليه السلام. وإن فعلت مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، تخفف الحدث بالتيمم، فتفعل ذلك ثم ترد عليه؛ لأن الماء إذا كان موجودًا في استعمال التيمم ما يرفع الحدث، لكن هذا من باب التخفيف، هذا من باب التخفيف. والنبي عليه الصلاة والسلام في كثير من المواضع كان يتوضأ مع وجود الجنابة، يتوضأ مع وجود الجنابة -كما عند النوم أو عند إرادة الطعام- وهو على جنابة يتوضأ، وهكذا ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يتوضأون وهم جنب، فيجلسون في المسجد، هذا كله من باب تخفيف، تخفيف الجنابة. قال: ويكره أن يبول في شق ونحوه، يكره البول في شق -يعني حفرة أو جحر- تأتي فتبول فيه، هذا يكره. لماذا؟ قد يكون في هذا الشق شيء من الهوام والحيوانات الموذية فتؤذيك، أو ربما يكون فيها شيء من الجن. قال: لحديث قتادة عن عبد الله بن سرجس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر. قيل لقتادة: فما بال الجحر -يعني ماذا نهى عن ذلك؟- قال: يقال: إنها مساكن الجن. وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي، وهذا الحديث ضعفه الألباني وصححه الوادعي -رحمهم الله-. وسبب هذا الخلاف في تصحيحه هو في سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، فمن أثبت سماعه منه صح الحديث، ومن لم يثبت سماعه منه لم يصح. وقد أثبت أبو زرعة -رحمه الله- سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، فالأثر صحيح. وقد صححه شيخ الألباني -رحمه الله- في صحيح الجامع، فلعله ثبت عنده سماعه منه فصححه -رحمه الله-. إذن هذا الحديث دليل على النهي عن البول في الجحور، وأن البول فيه ربما يكون سببًا لأن يؤذى هذا البائل بما قد يكون في هذه الجحور من الجن، أو كذلك أيضًا شيء من الهوام والحيوانات. قال: ولأنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان فيؤذيه، أو يكون مسكنًا للجن فيؤذيهم. قال: ويكره أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي. قال أبو داود -رحمه الله- بعد إخراجه هذا الحديث: منكر. وقد ضعفه الألباني -رحمه الله-. إذن هذا الحديث لا يصح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه؛ لأن خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كان منقوشًا عليه "محمد رسول الله". لكن مع ضعف هذا الحديث، فهل يختلف الحكم؟ الجواب: لا، إذا كان مع الإنسان شيء ظاهر فيه ذكر الله، فإنه لا يدخله معه الخلاء والحمام، بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ إلا لحاجة أو ضرورة. قال: أما عند الحاجة والضرورة فلا بأس، كالحاجة إلى الدخول بالأوراق النقدية التي فيها اسم الله، فإنه إن تركها خارجًا كانت عرضة للسرقة أو النسيان. لو عندك أموال فيها ذكر الله، هل تتركها في الخارج وتقول: هذا فيها ذكر لله فلا أدخلها معي الخلاء والحمام، وتضعها في الخارج فتسرق أو ربما تنساها؟ فبمثل هذه الحالة تدخلها معك. قال: أما المصحف فإنه يحرم الدخول به، سواء كان ظاهرًا أو خفيًا، ظاهرًا -يعني لم يوضع في داخل شيء بل هو ظاهر- أو خفيًا -كان يكون داخل شنطة أو كيس أو نحو ذلك-. قال: لأنه كلام الله، وهو أشرف الكلام، ودخول الخلاء به فيه نوع من الإهانة، وهذا ظاهر. فالقرآن كلام الله، فلابد من تعظيمه، ومن إكرامه، وليس من تعظيمه أن يدخل إلى موضع الخلاء، فلهذا يجعل في الخارج، يجعل في الخارج. لكن إذا دعت الضرورة إلى ذلك، إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فقد أفتى شيخنا الوادعي -رحمه الله- بأنه لا بأس أن يدخل؛ لأنه ربما يخرج فتحصل له شيء من الإهانة، وخاصة في الأماكن المزدحمة التي يزدحم فيها الناس، قد يحصل مثل ذلك. يضع المصحف في الخارج، وما تدري إلا ويأتي شخص فيضع كتابه ويضع شيء، فيدق المصحف ويخرج ويسقط في الحمام. قد حصل هذا في زمن شيخنا -رحمه الله-، كان قد وقع مثل ذلك. يأتي الشخص يدخل الحمام ويضع المصحف خارج الحمام، فيأتي شخص آخر يضع كتبه ويضع شيء، فيدق المصحف ويخرج ويسقط المصحف داخل الحمام، فيحصل له شيء من الإهانة وعدم التعظيم. فلأجل ذلك كونه يخفيه معه في جيبه ويدخل به هذا أفضل من أن يعرضه لشيء من الإهانة، ويكون هذا لضرورة. وإلا لو استطاع أن يجعله في مكان آمن قبل دخوله الحمام فهذا أولى، فهذا أولى. لكن إن خشي عليه إتلاف أو شيء من معاني الإهانة، فهنا يدخله معه للضرورة. ثم ذكر بعد ذلك الباب المتعلق بالسواك، هذا نجعله -إن شاء الله- في الدرس القادم بإذن الله. طيب، إلى هنا صلى الله وسلم على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.