الدرس في كتاب الطهارة 29، ألقاها
يناقش الدرس حكم نوم الجنب بعد الوضوء وجواز الجماع مرة أخرى قبل الاغتسال، ويستند إلى حديث عمر بن الخطاب. يوضح آراء العلماء في هذا الشأن.
يتناول المقطع مسائل فقهية متعلقة بالجنب، مثل نوم الجنب وتوضئته، وجلوس الجنب في المسجد، ويحلل آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسائل.
يناقش حكم بقاء الجنب في المسجد مستدلاً بالقرآن وأفعال الصحابة، ويخلص إلى جواز ذلك. كما يتناول حكم غسل الجنابة ونية الوضوء والغسل.
يتناول حكم ترتيب الأذكار، مشيراً إلى أن الترتيب مستحب وليس واجب، ويستحب الدعاء بالأذكار الشرعية مثل سبحانك اللهم بحمدك.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، طيب، تقدم معنا في الدرس الماضي الكلام على حديث عائشة في قولها: «كانت تقول: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، نختلف منه جميعًا». وقبل هذا في حديث ميمونة في قولها: «قالت: فأتيت بخِرقة، فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده». قال العلماء رحمهم الله تعالى: في هذا الحديث دلالة على عدم استحباب التنشف بالخِرقة ونحوها في الغسل، أي أن التنشف ليس مستحبًا، لكنه جائز. من حيث الجائز جائز، ليس بمستحب ولا مكروه. طيب، عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «يا رسول الله، يرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب». طيب، في الحديث مسائل. أما مفردات الحديث معلومة، في الحديث مسائل. أولى هذه المسائل: جواز النوم للجنب إذا لم يغتسل، أو إن لم يغتسل. وذكر العلماء في معناه أيضًا جواز الأكل والشرب والجماع. قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا مجمع عليه، أي جواز النوم والأكل والشرب والجماع للجنب قبل أن يغتسل. النوم دليله هذا الحديث، حديث عمر. والأكل والشرب جاء في صحيح مسلم في بعض طرق حديث عائشة، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة»، أي ليس في أنه اغتسل، ولكن اكتفى بماذا؟ بالوضوء. على أن هذه اللفظة «أو يأكل» تكلم عليها العلماء، وإن كانت في صحيح مسلم. كان شُعبة يرويها كذلك، ثم رجع عنها. لكن يدل عليه عموم حديث أبي هريرة: «المؤمن لا ينجس». وقد تقدم الإشارة إلى هذه المسألة، وكما سمعتم الأمر مجمع عليه، ليس في خلاف. المسألة الثانية: حكم الوضوء للجنب إذا أراد النوم أو الجماع قبل الاغتسال. طيب، النوم واضح في حديث عمر، أيضًا. والجماع جاء كذلك في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا». وجاء في صحيح مسلم لفظه: «فإنه أنشط للعود». وهذه اللفظة بعضهم غمز فيها. واضح الشيء من الحديث: إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود، أي يأتي أهله مرة أخرى قبل أن يغتسل، ماذا يصنع؟ قال: «فليتوضأ بينهما وضوءًا». طيب، فما حكم الوضوء للجنب إذا أراد النوم أو الجماع قبل الاغتسال؟ هل هي مسألة واضحة أو غير واضحة؟ في خلاف بين العلماء. فذهب الجمهور إلى استحبابه، وحملوا الأحاديث على أنها من باب الآداب المستحبة. وذهب مالك في رواية، وابن حبيب -أي اختار ابن حبيب من أصحابه- وهو قول داود الظاهر، إلى وجوب ذلك، مستدلين بظاهر الأمر. والظاهر أن القول الأول هو الأقرب؛ لأنه كما سمعتم جاء الإرشاد -الأمر للإرشاد- فهو من باب الآداب المستحبة. وأيضًا لو ثبتت اللفظة التي في صحيح مسلم: «فإنه أنشط للعود»، كانت كذلك دليلًا على هذا المعنى، أي على معنى الاستحباب. وأمر ثالث: أنه قد ثبت عن بعض السلف أنهم حملوا الوضوء هاهنا على وضوء مخصوص، وهو غسل بعض الأعضاء، دون بعض، أي غسل اليدين والوجه. المسألة الثالثة: هل المرأة في ذلك كالرجل؟ فيه خلاف. فذهب بعض العلماء إلى أنهما سواء، أي الخلاف المذكور سابقًا في المرأة والرجل. وهو قول، وحكي رواية عن أحمد. القول الثاني: أن الكراهة تختص بالرجل إذا نام دون المرأة، وهو المنصوص عن أحمد. وكأنه استنبطه من حديث عائشة المذكور؛ إذ أن فيها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبًا فأراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة»، كما في الحديث المذكور؛ لأننا في أول الدرس وهو في الصحيحين. ولم تقُل: «وكان يأمرني بالوضوء»، فكأن إمام أحمد رحمه الله تعالى استفاد من هذا أن هذا أمر خاص بالرجل دون المرأة. وهذا القول كما ترون له وجه، لكن أقوى منه أن الأصل عموم التشريع في الرجال والنساء؛ فيكون الأمر الأصل فيه أنه عام للرجال والنساء، ولا يخص بالرجال دون النساء والعكس إلا بدليل، ولا دليل هاهنا. المسألة الرابعة: هل الجنب إذا توضأ أن يجلس في المسجد؟ فيه خلاف. فذهب أحمد وإسحاق إلى جواز ذلك. وقد روي في ذلك عن عطاء بن يسار أنه قال: «رأيت رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة». ونحوه عن زيد بن أسلم. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا يجوز للجنب أن يكون في المسجد، لا بوضوء ولا بغيره حتى يغتسل، إلا أن يضطر إلى ذلك. وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، وحكي رواية عن أحمد. وما يضطر إلى ذلك -الخوف على نفسه أو ماله- فهل يلزمه التيمم لذلك أم لا؟ إذا دخل المسجد بهذه الضرورة، فهل يلزمه أن يتيمم داخل المسجد أم لا؟ بعضهم قال: أو ذهب إلى أنه يتيمم. وبعضهم ذهب إلى أنه لا يتيمم. وهنا قول ثالث: وهو أن للجنب أن يجلس في المسجد بكل حال بدون وضوء، وهو قول داود والمزني وابن المنذر. وهذا يوافق قول أحمد وإسحاق وزيادة. وهذا القول هو الراجح: أن للجنب أن يجلس في المسجد ولو بغير وضوء؛ لعموم حديث أبي هريرة: «إن المؤمن لا ينجس». فقد جاء في بعض طرقه أنه سار مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى قعد معه، ثم انسل وذهب فاغتسل. ففي هذه الرواية إشارة إلى أنه قعد معه في المسجد؛ لأنه كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما إذا أطلق. وهذا يدل على أنه قعد في المسجد؛ لأنه لو كان في بيته لقال: «فانطلقنا إلى بيته». وإذا كان في السوق لقال: «انطلقنا إلى السوق». لكن لما قال: «فأخذ بيدي حتى قعد»، يدل على أنه سار به إلى المسجد ثم قعد. وفيه إشارة إلى هذا المعنى. وأيضًا ليس عند المانعين دليل صريح صحيح على المنع. وأما الآية وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، المراد به الغسل للصلاة. قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ أي للصلاة، وهذا ما استدل به العلماء على وجوب الغسل للجنب لا على دخول المسجد. أضف إلى هذا أن الصحابة رضي الله عنهم -شباب الصحابة- كانوا ينامون في المسجد، ولابد أن يحصل منهم جنابة. وأصرح من هذا وأوضح: أن أصحاب الصفة كانوا ينامون في المسجد، ولابد أن يحصل منهم جنابة. وليس عندنا دليل أن أحدهم إذا أصابته جنابة سارع في الغسل. بل عندنا الدليل على أن بعضهم إذا أصابته جنابة أخر. فما هو الدليل؟ عند من هذا الدليل؟ عند أبي هريرة؛ كان من أهل الصفة. واضح أم لا؟ ففيه دلالة على أنهم كانوا إذا أصابتهم جنابة ربما جلسوا وتأخروا في المسجد، وما يسارعون مباشرة في الغسل. كما سمعتم إشارة إلى جواز بقاء الجنب في المسجد من غير وضوء ولا غسل. والله أعلم. فإذا ذكرها بعض أهل العلم، نقول بها. ذكر بعض أهل العلم أن الأحاديث المذكورة في هذا الباب -أي الدالة على الوضوء لمن أراد النوم أو لمن أراد إتيان أهله أو ما شابه ذلك- قالوا: إن هذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب تدل على أن وضوء الجنب يخفف جنابته. طيب، كنا في الأمس في مسألة وهي مناسبة لأن تذكر هنا أيضًا: من توضأ فهل له أن يفصل سائر جسده دون أعضاء الوضوء أم لا؟ قلنا أمس: إن الأقرب أن عليه التعميم. والظاهر والله أعلم أنه يجزئه إذا نوى بتلك الأعضاء الغسل؛ إذا نوى بغسل تلك الأعضاء الوضوء والغسل يجزئه. وهذا قول أكثر أهل العلم. وعليه بواب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، فذكر باب من توضأ ثم غسل سائر جسده. فكما سمعتم: أن من غسل أعضاء وضوءه بنية الوضوء والغسل، فلو أنه يفصل بقية الأعضاء، ويكون الغسل الأول للوضوء مجزئ عن بقية الأعضاء. وكما سمعتم هذا قول أكثر أهل العلم. وخالف في ذلك مالك؛ فيشترط التعميم. والظاهر الأول أنه ما دام نوى فهو مجزئ. هذا أمر، وأمر ثاني: بأنه الغسل لا يشترط فيه الموالاة. الغسل لا يشترط فيه الترتيب ولا الموالاة؛ بمعنى أن الإنسان لو غفز في بحر على رجليه ونوى الغسل حصل له ذلك الغسل. وإذا غفز على جنبه أو على بطنه أو على ظهره صح ذلك الغسل. فلا يشترط في الغسل أن يبدأ بماذا؟ برأسه، ثم أن يكون بماذا؟ بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر. هذا من باب المستحب، هذا الترتيب من باب الاستحباب لا من باب الوجوب. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.