أسئلة تهم طالب العلم 3

أسئلة تهم طالب العلم 3

الدرس في أسئلة تهم طالب العلم 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التواضع لطالب العلم وترك الكبر

يؤكد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي على ضرورة تواضع طالب العلم لله وللخلق، محذراً من التكبر الذي يحجب عن آيات الله ويمنع نيل العلم. ويستشهد بقول السلف: «لا ينال العلم مستحٍ ولا متكبر»، مبيناً وجوب الأخذ عمن فوقه ومثله ودونه دون تعاظم.

شكر العلماء والتحذير من جحود فضلهم

ينصح المقطع طالب العلم بشكر العلماء الذين علموه والترحم عليهم والدعاء لهم، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». ويحذر بشدة من جحود فضلهم ومجالسة أهل البدع وعلماء السوء وقراءة كتبهم لما في ذلك من إضلال عن سبيل الله.

تمسك بأهل السنة واجتناب مجالس البدعة

ينقل المقطع أقوال السلف كابن سيرين وأبي الجوزاء في التنفير من مخالطة أهل البدع وسماع كلامهم أو قراءة كتبهم، مبيناً أن السلامة تكمن في اتباع منهج أهل السنة والجماعة. ويؤكد أن الطالب المبتدئ لا يتحمل شبههم بخلاف العالم الناقد، داعياً للالتزام بمجالس أهل السنة وكتبهم ومحاضراتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فقد قرأنا في دروس ماضية بعض نصائح شيخنا أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى لطلاب العلم، فقرأنا أربع نصائح: الإخلاص لله، والصبر على تحصيل العلم ومذاكرته ورعايته وصيانته وتبليغه، وتقوى الله عز وجل، والاستمرار والمداومة على طلب العلم. وفي خلال هذه النصائح نصائح أخرى أيضًا نبه عليها الشيخ رحمه الله تعالى. ثم قال رحمه الله في النصيحة الخامسة: «أنصحك بالتواضع لله وترك التكبر». قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. والشاهد من هذه الآية: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. فأنت يا طالب العلم إذا رزقك الله عز وجل حفظًا، ورزقك الله سبحانه وتعالى فهمًا واهتمامًا بتحصيل العلم، فلا تتكبر على إخوانك، ولا تتعاظم في نفسك، بل إن العالم حقًا من إذا زاد علمه زاد تواضعه. هذا هو العالم: كلما ازداد علمًا كلما ازداد تواضعًا لله سبحانه وتعالى ولخلق الله، فهذا الذي ينبغي. ولذلك تجد كثيرًا ممن صُرف عن طلب العلم بسبب هذا الأمر: كان يترفع على إخوانه، وكان يحتقر إخوانه، وكان كذلك يزدري إخوانه بسبب أنه قد فاقهم، وقد صار أفقه منهم أو أعلم منهم أو أذكى منهم أو أحفظ منهم، فيتكبر فيصرفه الله سبحانه وتعالى عن طلب العلم، فتتعجب كيف أعطاه الله عز وجل فهمًا وعلمًا ثم بعد ذلك نسي هذا العلم وترك هذا العلم؟ فإذا بحثت عن ذلك وجدت أن السبب في ذلك هو ماذا؟ هو الكبر والعياذ بالله، وعدم التواضع لإخوانه طلاب العلم. وقال: وعن جاهد بن جبر رحمه الله تعالى أنه قال: «لا ينال العلم مستحٍ ولا متكبر». لا ينال العلم، يعني: لا يتحصل على العلم ولا يوفق إلى العلم من عنده هاتان الخصلتان: الاستحياء والكبر. يستحي أن يجلس في مجالس العلم بحجة أنه كبير، أو أنه ليس معتاد الجلوس، أو أنه كذا وكذا من الأعذار الواهية، فيترك مجالس العلم لسبب هذا الأمر. والأمر الثاني: الكبر. ولا متكبر: يتكبر أن يجلس مع إخوانه في دراسة علم هو بحاجة إليه، هو بحاجة إليه، بحجة أن هذا المدرس مثلاً جاء بعده في الطلب، أو أن هذا المدرس أصغر منه سنًا، أو أن هذا المدرس أوضع منه نسبًا، أو غير ذلك من الأمور التي فيها معنى الكبر والعياذ بالله. ولذلك جاء عن السلف أنهم قالوا: «لا يكمل الرجل، لا يكمل الرجل حتى يأخذ العلم عمن فوقه، وعمن مثله، وعمن دونه». وفي لفظ: «لا ينبل الرجل، لا يكون نبيلًا ولا يكون كذلك رفيعًا في العلم إذا لم يأخذ العلم ممن هو فوقه في العلم، وممن هو مثله، وممن هو دونه». هذا الذي ينبغي لطالب العلم: أن يكون العلم ضالته، متى ما وجد هذا العلم من أي سنٍ وفي أي مكان فليأخذه، ولو كان هذا العلم أتاك ممن هو أصغر منك أو أقل منك علمًا. فالناس يتفاوتون في العلم، رب رجل قديم في الطلب وعنده من العلم الشيء الكثير يجهل مسألة عند طالب صغير مبتدئ في الطلب، لا يمنع ذلك من أن تأخذ هذه الفائدة وهذا العلم ممن هو أصغر منك وأقل منك علمًا. فهذا من التواضع، من التواضع أن تأخذ العلم عمن تسمع من إخوانك أهل السنة، من العلماء، من طلاب العلم، فهذا أيضًا من التواضع. فالذي يتكبر لا ينال العلم، يقول: «أنا أدرس هذا الفن عند هذا، هذا أصغر مني»، فيفوت هذا العلم، ويكبر هذا الطالب المتكبر ولا يأخذ علمًا في هذا الفن، فيحرم نفسه خيرًا عظيمًا بسبب ماذا؟ بسبب تكبره، بسبب تكبره. فهذه نصيحة غالية ينبغي أن نهتم بها وأن نأخذها بعين الاعتبار. قال: النصيحة السادسة: شكر العلماء الذين استفدت منهم، والدعاء لهم، والترحم عليهم. فقد روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». يعني: الذي لا يشكر الناس، من باب أولى أنه لا يشكر الله، أنه لا يشكر الله. فأعظم الناس فضلًا عليك أيها الطالب هم العلماء وطلبة العلم الذين علموك وربوك وأخرجوك من ظلمات الجهل إلى نور العلم. فالذي ينبغي عليك أن تشكرهم، وأن تحترمهم، وأن تدعو لهم، وأن تستغفر لهم، هذا الذي ينبغي. أما أن تتكلم عليهم، وأن تلمزهم، وأن تطعن فيهم، فهذا حال الجاحد، الجاحد لنعمة الله. نعم، وتعجب من كثير من الحزبيين، من أهل البدع والأهواء، ممن تربوا عند علماء أهل السنة ثم تنكروا ونسوا ذلك الجميل، فإذا بهم يطعنون فيمن ربوهم من الصغر، وممن لم يعرف السنة إلا عن طريقهم. هذه مصيدة، مصيدة أن يجحد الإنسان من قدم له أعظم معروف، وهم العلماء، يجحد هذه النعمة فيطعن فيمن رباه، وفيمن علمه، وفيمن بين له الحق. فهذه نصيحة ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم: أن يشكر من علمه، ومن رباه، ومن درسه، وأن يدعو له، وأن يترحم عليه دائمًا، وأن يستغفر له. ولذلك لما تذكر العلماء الذين استفدت من كتبهم، الذين استفدت من كتبهم ومن علمهم، تترحم عليهم: قال الإمام البخاري رحمه الله، قال الإمام مسلم رحمه الله، قال شيخنا مقبل رحمه الله. فهؤلاء تنهلون من علمهم ليل نهار، فمن الأدب معهم أن تترحم عليهم وأن تدعو لهم، فهذا دليل على حسن السريرة، وعلى حب العبد لهؤلاء العلماء الأجلاء. قال: النصيحة السابعة: البعد عن أهل البدع وكتبهم، وعلماء السوء وكتبهم. لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، أي: اتبع طريق من أناب إلى الله، وهم أهل السنة، السلف الصالح، ومن كان على طريقهم إلى يوم الدين، إلى أن يورث الله الأرض ومن عليها. وقال: والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان». يعني: فصيح، عنده من الفصاحة، وعنده من البلاغة، وعنده من البيان، لكنه يستخدم هذه الأمور في الإضلال، إضلال الناس، وصرف الناس عن الكتاب وعن السنة. فهذا أمر يخوفه، فالواجب على أهل الحق أن يحذروا من أن يسمع الناس لأمثال هؤلاء. قال: بل الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وذكر الله عز وجل هذا من باب التحذير، من باب التحذير: أي احذروا هؤلاء، فإنهم وإن تظاهروا وهم من علماء وعباد اليهود والنصارى، وإن تظاهروا بالعلم أو تظاهروا بالعبادة، فإن عندهم هذه الأعمال الشنيعة المشينة: يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. فمن هذه صفته، هل يأخذ عنه العلم؟ وهل يجلس بين يديه ليأخذ العلم؟ لا والله، لا يمكن هذا أبدًا. فهذه نصيحة غالية: أن تبعد عن أهل البدع. وإذا قرأت في أقوال السلف الكثيرة التي تظافرت وتكاترت في تحذيرهم من أهل البدع، ومن مجالسة أهل البدع، ومن مجالسة علماء السوء، لرأيت العجب العجاب، ولرأيت العبارات التي تنفر من أهل البدع أيما تنفر. فقد جاءت عنهم عبارات كثيرة في النهي عن مجالسة أهل البدع: «لا تجالسوا أهل البدع، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا لهم». جاء عن ابن طاوس، وذكر هذا عبد الرزاق في مصنفه: أن ابن طاوس كان جالسًا في مجلس، فدخل معتزلي، فجعل يتحدث، يحدث الناس هذا المعتزل، فوضع ابن طاوس أصبعيه على أذنيه، وضعه هكذا على أذنيه، وقال لابنه: «ضع أصابعك على أذنيك واشدد»، يعني: ضم هذه الأصبع حتى لا تسمع شيئًا، لا تضعه هكذا بحيث أن الكلام يدخل ويتسرب إلى السمع، لا، واشدد حتى لا تسمع كلامه. هكذا يقول له رحمه الله تعالى. وقد جاءت من العبارات ما فيها التنفير والتشنيع من مجالسة ومن مخالطة أهل البدع. فقد جاء عن أبي الجوزاء، كما عند ابن بطة، كما عند ابن بطة رحمه الله تعالى، وكذلك عند الدارمي، أنه قال: «لأن يجاورني قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني هؤلاء»، يعني: أهل البدع والأهواء. انظروا إلى هذه العبارات التي فيها التنفير، وفيها التحذير والتشنيع ممن يخالط ويجالس أهل البدع: «لأن يجاورني قردة وخنازير من أرذل ومن أنجس مخلوقات الله عز وجل، القردة والخنازير، الذي شبه الله عز وجل يهود النصارى بها». فقال: «لأن تجاورني القردة والخنازير أحب إلي من أن يجاورني هؤلاء»، يعني: أهل البدع والأهواء. تنفير. كذلك جاء عن ابن سيرين: أنه كان في مجلس مع أصحابه، فدخل رجلان من أهل البدع والأهواء، فقالا لابن سيرين: «نقرأ عليك حديثًا». قال: «لا». قالوا: «نقرأ عليك آية من كتاب الله». قال: «لا، إما أن تخرجا وإما أن أخرج». فخرجا. فقال أصحابه، فقال أصحابه لابن سيرين: «ما يضرك أن يقرأ عليك آية من كتاب الله، قراءة آية؟» قال رحمه الله تعالى: «إني أخشى أن يحرفانها فيقع ذلك في قلبي». سبحان الله! آية، امتنع ابن سيرين أن يسمعها من هذين المبتدعين. سبحان الله! حرص على السنة، وعلى سلامة القلب والصدر. لكن انظر إلى بعض المتفلسفة يقولون: «نحن نجلس مع هؤلاء لعلهم يرجعون، لعلهم كذا». الرجل يحارب السنة ليل نهار، وأنت الذي سترجع إلى السنة من دون العلماء حتى يرجعون على يديك؟ أين كلام العلماء لهم، وأين تحذير العلماء من طريقهم؟ وهذا يوسوس له الشيطان في مثل هذه المقولة: أنه يجلس معهم من أجل أن ينصحهم، أو من أجل أن يرشدهم، أو من أجل أن يردهم، أو من مثل هذه العبارات، أو «نسمع الحق الذي عندهم ونترك الباطل». سبحان الله! ابن سيرين، أليس هو أعلم منك؟ كيف امتنع من أن يسمع لهؤلاء؟ لأن عنده منهجًا، منهجًا سلفيًا واضحًا بين: عدم السماع، عدم السماع لأهل البدع والأهواء. وينبغي أن يكون الطالب كذلك: يحذر، يحذر من أن يتودد إلى أهل البدع والأهواء، من الحزبيين، القطبيين، التكفيريين، السروريين، الإخوان المسلمين، وكل من خرج عن هذا المنهج القويم، منهج أهل السنة والجماعة، منهج السلف الصالح. فهذا أمر مهم جدًا. كذلك الكتب: احذر أن تقول: «أنا سأقرأ في هذا الكتاب، لعلني أستفيد منه، والذي خطه ضلال أدركه». سبحان الله! أنت شيخ الإسلام ابن تيمية؟ أم أنت الإمام أحمد؟ حتى تبين شبه هؤلاء وتوضح شبه هؤلاء؟ وتجد كثيرًا ممن ينحرف من هذا الباب، سيقول: «أنا سأسمع للقوم، سأنظر ماذا عندهم، والحق واضح». بعضهم يقول: «الحق واضح». بعضهم ربما يستدل: «الحلال بين والحرام بين». سبحان الله! هؤلاء لهم شبه، ولهم طرق، ولهم أساليب عجيبة، وما ضل من ضل من هؤلاء أو من هذه الفرق إلا بسبب السماع لأتباع هذه المناهج الضالة، أو للقراءة في كتبهم. أما العالم المحقق الناقد، فلا بأس أن يقرأ في كتبهم من أجل أن يحاجهم من كتبهم، ومما يكتبون ويقولون، وكذلك مما يدينون، لا بأس بهذا. أما أنت طالب مبتدئ، فحسبك، حسبك بأن تسمع لأهل السنة، وأن تقرأ لأهل السنة، وأن كذلك تهتم بكتب أهل السنة، فإن فيها الغنى، وفيها العلم، وفيها الهداية، وفيها كذلك الصدق والإخلاص، وفيها السلامة. فهذه هي نصيحة العلماء: أن طالب العلم ينفر من أهل البدع، ومن مجالسة أهل البدع، ومن مجالس أهل البدع، ومن القراءة في كتب أهل البدع. هذه هي نصيحة علمائنا: لا تحضروا محاضرات، لا محاضرات ولا دروسهم، ولا تسمعوا لأشرطتهم، إن أردتم السلامة، وإن أردتم الخير، وإن أردتم الثبات على هذا المنهج الذي وفقتם إليه. ولا تتوددوا إليهم، ولا تكثروا الجلوس معهم، وكل ذلك من السلامة التي بها يسلمك الله سبحانه وتعالى من الكرب، ومن الضلال، ومن الزيغ، ومن التيه، ومن وقع الشبهات في القلب. فإن الأمر كما قيل: «الشبه خطافة، والقلوب ضعيفة». قلبك ضعيف يا أخي، ما تتحمل هذه الشبهة التي وجهها أولا القوم، ربما علماء، وهم علماء، ثبتوا وتأخروا في أن رجع على بعض الأهواء من أجل تفنيد شبههم، فكيف بك أنت الطالب المبتدئ؟ فالزم أهل السنة، والزم مجالس أهل السنة، والزم كتب أهل السنة، والزم كذلك محاضرات أهل السنة. وأما غيرهم فاحذروا، إن أردتم السلامة والعافية. طيب، ننتهي بهذا، والحمد لله، والحمد لله.