أسئلة تهم طالب العلم 5

أسئلة تهم طالب العلم 5

الدرس في أسئلة تهم طالب العلم 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مجالسة علماء أهل السنة والتحذير من وساوس الحزبيين

يؤكد الشيخ على وجوب الأخذ عن علماء أهل السنة المتميزين بالخشية والاستقامة، ومشاورتهم في شؤون الدين والدنيا لرجاحة عقولهم، محذراً من علماء السوء الذين يفتون بالهوى، ومن وساوس الحزبيين التي تصرف طالب العلم عن طلبه وتجره إلى العمل الحزبي والسياسي.

النصيحة التاسعة: المحافظة على الوقت والصحة والتحذير من إغراءات الحزبيين

ينتقل الشيخ للنصيحة التاسعة محذراً من إغراءات الحزبيين بالأماني الكاذبة والمناصب لإفساد طلاب العلم، مستشهداً بواقع من أفسدوهم، ثم يوصي بالمحافظة على الوقت والصحة مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن نعمتين مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.

تفصيل مفهوم الغبن في الصحة والفراغ

يشرح المقطع مفهوم الغبن باعتباره خسارة رأس المال الحقيقي حيث يضيع العبد وقته وصحته في غير طاعة الله، ويؤكد أن طلاب العلم هم أولى الناس باستغلال أوقاتهم، مستشهداً بالحديث النبوي الدال على قلة من ينجو من هذا الغبن.

استثمار الوقت في طلب العلم والعمل الصالح

يختم الشيخ بالنصيحة بالحرص على الوقت واستثماره في حفظ القرآن والسنة وأصول العلماء وتعلم الفقه، مبيناً أن ذلك يرفع العبد عند الله ويجلب السعادة والراحة في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال شيخنا رحمه الله تعالى في نصائحه لطلاب العلم، عند نصيحته لطلاب العلم في الحفصي، على مجالسة الصالحين وأهل الفضل: قال رحمه الله تعالى: «وعليك أن تحرص على مجالسة أهل العلم من أهل السنة». أهل العلم من أهل السنة، وهذا قيد مهم جداً، أن طالب العلم يتحرى في طلبه للعلم، لا يدرس عند أي أحد. ولذلك ورد عن ابن المبارك وغيره أنهم قالوا: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». العلم الذي تأخذه دين، فينبغي عليك أن تتحرى، وأن تختار أهل العلم من أهل السنة، من أهل الخشية، من أهل الاستقامة. لأن بعض علماء السوء، لأن البعض علماء سوء، ربما يغتر بهم بعض الناس بما يسمعون من فصاحة ألسنتهم، ومن كذلك ذكرهم لأقوال العلماء، ولقوة حفظهم، فيغتر بهم، يقول: «إذن أدرس عند هؤلاء»، وما يدري أن هؤلاء من علماء السوء الذين ربما يضللون الناس، ويجارون المجتمع. ما معنى يجارون المجتمع؟ يعني يمشون مع المجتمع كيف ما يريد، لا يتقيدون بالكتاب والسنة وتحكيمه في كل صغيرة وكبيرة، لا، دينهم دين الناس. ولذلك بعضهم له فتاوى سماها «الفتاوى المعاصرة»، الفتاوى المعاصرة، وهو يسف القرضاوي، ذلك مضال المضل. ما معنى الفتاوى المعاصرة؟ يعني الفتاوى التي تناسب العصر، والفتاوى التي لا تعارض ما عليه الناس، عصرية، فأجاز في هذه الفتاوى العمل في البنوك، أو المعاملة بالربا، لأن كثيراً من الناس قد وقع في هذا، بل ربما أجاز لبعض الشباب العادة السرية بحجة الضرورة. المهم: أشياء واقع فيها الناس، فوسّع لهم هذا الأمر. فتاوى المعاصرة هذا ضلال والعياذ بالله. فينبغي لطالب العلم أن يتحرى في طلبه، أن يطلب العلم عند أهل السنة، من عرفوا بالفضل والخشية والخوف من الله عز وجل، والرسوخ بالعلم. قال: «ومشاورتهم فيما يحدث». يعني أن يشاور العلماء، مشاورة هي تداول الأمر بينك وبين العالم الذي تريد أن تقدم عليه. مثلاً: تريد أن تطلب العلم عند فلان، تأتي وتسأل هذا العالم: «ما رأيك يا شيخ في هذا الأمر؟» تريد أن تسافر إلى بلد ما، تشاور. «وأمرهم شورى بينهم». فخير من تشاور العلماء لأنهم أهل رجاحة في العقل، يشيرون إليك برشد، أهل خبرة وأهل علم. قلت: «نعم، افعل هذا، هذا طيب». «لا تفعل هذا، هذا ليس بطيب». أما أنت فربما ترى الشيء طيباً وليس بطيب، أو ترى الشيء به نفع لك وليس كذلك. فمشاورة العلماء أمر مهم جداً، لا تنفرد برأيك، سواء كان في أمورك الدينية أو في أمورك الدنيوية. حتى إذا أردت أن تتزوج امرأة فننصحك بأن تشاور العلماء. لا تستطيع أن تجلس معهم وأن يسمعوا لك هذا الكلام؟ تجلس معهم: «يا شيخ، عزمت على كذا وكذا، فما رأيك؟ استشيرك في هذا الأمر، أريد منك المشورة». فهو يشير إليك برشد. فهذا أيضاً من نصائح شيخنا رحمه الله: أن تشاور العلماء، ومن علمت منهم الرجاح في العقل، وحسن التصرف، وتدبير الأمور، هذا أمر مهم جداً. ثم قال الشيخ رحمه الله: «وإياك، أي احذر، وإياك ووساوس الحزبيين، فإنها أشبه بوساوس الشيطان». ما هي وساوس الحزبيين؟ مثلاً: أنت تطلب العلم، تحفظ القرآن، جلست السنة والسنتين والثلاث سنوات، جاء إليك هؤلاء، يقول لك: «إلى متى وأنت تجلس في المسجد؟ لابد أن تقدم الإسلام، لابد أن تنصر الإسلام، لابد أن تنتخب، لابد أن تقف أمام الشيوعية، وتقف أمام اليهود، وتقف أمام النصارى». فيخرجوك من المسجد ومن معهد العلم إلى أماكن الانتخابات والصناديق، والأناشيد والتمثيليات والرحلات. فضيعوا هذه الوسوسة. قال الشيخ: «أشبه بوساوس الشيطان». مثل ما يأتي إليك الشيطان، أنت الآن في علم، يأتي إليك الشيطان يقول: «أنت بحاجة إلى أن تفعل كذا وتفعل كذا»، يوسوس لك حتى يصرفك عن طلب العلم. والحزبيون هكذا، شياطين مثل الشياطين، يوسوسون لك. وهذا قاله الشيخ عن خبرة، لأنه يعرف طلاباً له كانوا على خير، كما سيتبين على هذا، كما بعد، كانوا على خير، كانوا على علم، كانوا على ذكاء، كانوا على صلاة، فجاء إليهم هؤلاء الحزبيون: «نعطيك مسجد تكون إمام، نعطيك راتب، نجعله كذا وتذا»، يوسوسون إليه، يمنونه بالأماني الكاذبة، حتى يترك العلم ويترك السنة، ويذهب وراء هؤلاء. هذا كثير عندنا هنا في اليمن، وفي غير اليمن. كم ممن كنا معهم في مراكز العلم، فالآن صاروا مع الحزبيين، بسبب هذه الوسوسة. يأتون إليهم بهذه الإغراءات: «نجعلكم مسؤول كذا، نجعلكم أمير كذا، نجعلكم إمام مسجد كذا»، وهكذا حتى يصرّف الطالب عن العلم. قال الشيخ رحمه الله: «ولا إله إلا الله، كم من شاب صالح، حافظ للقرآن، مبرز في علم السنة، أفسده الحزبيون بأمانيهم الكاذبة». أفسده الحزبيون بأمانيهم الكاذبة. انظر إلى هذه الأوصاف، وهذا قاله الشيخ عن دراية وخبرة ومعرفة. انظر إلى هذه الأوصاف: شاب صالح، حافظ للقرآن، مبرز في علم السنة، أوصاف عظيمة، لكن يجيء عند هؤلاء فيفسدوه. بدلاً من أن يحفظ القرآن، يحفظ الأناشيد. بدلاً من أن يجلس في مجالس العلم والسنة، يجلس في المجالس السرية، كلام على الحكام، والكلام على ولاة الأمور، والكلام على العلماء. هذه مجالسهم. وكذلك من أن يذهب دعوة الله عز وجل من قرية إلى قرية، ومن بلد إلى بلد، يذهب رحلة إلى البحر، يلعب، يطرم، وهكذا يتسكع في البحر. هذا عندهم أهم شيء، هذه دعوتهم. هذا فساد. الشيخ يقول هذا عن دراية، وعن خبرة، وعن معرفة. قال: «أفسدهم الحزبيون بأمانيهم الكاذبة، وسيسألون أمام الله عز وجل عن هذا التضليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل». يتوجع الشيخ من هؤلاء، وما ذكر هذا في كثير من كتبه إلا لعلمه بخطورة هذا الأمر، وهو يقول ذلك محذراً لطلاب العلم من هذا المسلك، وأن يحذروا من إغراء الحزبيين، ومن أماني الحزبيين. قال الشيخ رحمه الله في نصيحته التاسعة لطلاب العلم: قال: «نصيحة التاسعة: المحافظة على الوقت والصحة». فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». معنى هذا الحديث: نعم الله عز وجل علينا كثيراً، نعمة الإسلام، نعمة السنة، نعمة الإيمان، نعمة الهداية، نعمة الولد، نعمة الزوجة، نعمة السمع، نعمة البصر، نعمة الفراغ، نعمة الصحة. لو جلسنا نعدد ما استطعنا أن نحصي هذه النعم، والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، لا تستطيعون أن تجمعوا وأن تحصروا هذه النعم، نعم كثيرة لا تحصى ولا تحصر. فمن هذه النعم نعمتان ذكرتا في هذا الحديث: نعمة الصحة، ونعمة الفراغ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس». «مغبون»: اسم مفعول من «مغبن»، الفعل «غبن يغبن»، والغبن الأصل أنه يكون في البيع، ومعنى الغبن في البيع أن الشخص يخسر في بيعه وفي شرائه. مثلاً: يشتري شيئاً بمئة فيبيعه بثمانين، هذا مغبون في تجارة، هذا مغبون في تجارة. فهذا هو الغبن، الغبن الأصل أن يكون في التجارة أو في البيع والشراء، فنقل إلى هذا الأمر المعنوي، وهو الغبن في الصحة والفراغ. فما هو الغبن في الصحة والفراغ؟ الغبن في الصحة والفراغ: ألا يوفق العبد إلى التجارة الرابحة في وقته وصحته. مثل: الوعد يأتيك رأس المال، تضيع هذا الرأس المال. فلان قال لابنه: «قد هذا مليون، نريد أن تأتي لنا بفوائد، تدخله في التجارة في مشروع طيب نافع»، تأتي له بنصف مليون، قال: «لا، رأس المال نقص، ما فيه فائدة». هذا غبن. وهذا الوقت والصحة مثل رأس المال. فمن هو المغبون في هذا الرأس المال؟ المغبون الذي يخسر في هذين الأمرين. وما الخسارة بهذين الأمرين؟ أن لا يوفق إلى استغلال هاتين النعمتين فيما يقربه إلى الله. فقد يكون مغبوناً بالكلية، وقد يكون مغبوناً بالنسبة إلى غيره ممن قد أحسن استغلال هذه النعمة. فالناس يتفاوتون في الغبن، يتفاوتون في الغبن في صحبهم وفراغهم. فمن ضيع وقته في غير طاعة، في غير نفع في دين أو دنيا، في غير قرب إلى الله، هذا مغبون، هذا غبن في هذا الرأس المال العظيم: الصحة والفراغ. فإن الصحة والفراغ رأس مال عظيم، أعظم من الذهب والفضة. هم يذكرون مثالاً، يقولون: «الوقت أنفس من المال، أنفس من الذهب والفضة». والصواب أن يقال: «لا مقارنة، بل هو أنفس من كل شيء، من الذهب والفضة والجواهر الثمينة وكل شيء». فالمال أغلى وأنفس من كل شيء، فالفراغ والوقت أغلى من الذهب والفضة ومن كل شيء. فهذا هو الغبن في الصحة والفراغ: أنك تضيع الوقت، تمر عليك أوقات وأنت في غفلة، وأنت في معاصي، وأنت في قيل وقال، وفي كذلك عدم استغلال لهذا الوقت. هذا هو الغبن. فبين مستقل ومستكثر: في ناس عندهم غبن عظيم، قرطية مليون خسر نصف مليون، وذا تعطي مليون خسر مليون، خسر ربع مليون، وذا خسر ثم مليون. ناس متفاوتون في الغبن، وكذلك في الصحة والفراغ، التفاوت الناس. فمنهم من يخسر خسارة عظيمة، ومنهم من يخسر خسارة لا بأس بها، ومنهم من يربح. والذي يربح هو الذي يوفق لاستغلال وقته. فهكذا ذكر الشيخ هذا الحديث تحت هذه النصيحة ليبين أن أولى الناس لاستغلال الأوقات هم طلاب العلم، هم طلاب العلم. العلم تعطيه كل وقتك ويعطيك بعضه، فكيف لو أعطيت جزءاً من وقتك أعطاك شيئاً يسيراً؟ أمامك علوم عظيمة: هل قد حفظت القرآن حتى تضيع وقتك في القيل والقال، وفي الكلام التافه الذي لا يجدي ولا ينفع؟ هل قد قرأت تفسير القرآن؟ فإذا سئلت عن آية عندك تفسيرها؟ هل قد تعلمت اللغة وتعرف الكتاب والخطاب والإعراب؟ هل قد تعلمت التوحيد فتعرف مسائله مسألة مسألة؟ هل قد حفظت أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ اسأل نفسك، فكيف تضيع هذا الوقت؟ فإن على طالب العلم أن يحرص على وقته، وأن يعلم أنه رأس المال. استغلال الوقت رأس المال، كذلك استغلال الصحة. تستغل هذه الصحة بطاعة الله. وانظر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مغبون فيهما كثير من الناس». فهذا الحديث يشبه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقليل من عبادي الشكور. تبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الذي لا يغبن في صحة وفي فراغ هم قليل، والأكثر أنهم يغبنون. فكن يا أخي من هؤلاء القليل الذين يوفقون لاستغلال أوقاتهم. فاحرص على وقتك، واستغل الوقت بما يعود عليك بالنفع في دينك ودنياك: بحفظ القرآن، بحفظ السنة، بحفظ كذلك أصول العلماء، وبتعلم الفقه في دين الله عز وجل. فهذا الذي يرفعك الله سبحانه وتعالى به، ويكون سبباً في سعادتك، وفي راحتك، وفي كذلك طريقك إلى الله سبحانه وتعالى. اللحظة... ليبِلَانًا... لحظة... لحظة