أسئلة تهم طالب العلم 6

أسئلة تهم طالب العلم 6

الدرس في أسئلة تهم طالب العلم 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل العلم على المال: الميراث والحماية والنماء

العلم ميراث الأنبياء ويحرس صاحبه من الشياطين والشبهات، بينما المال ميراث الملوك ويحتاج إلى حراس ويجلب القلق. المال ينقص بالإنفاق والعلم يزكو وينمو به، والعلم يدخل القبر مع صاحبه ويكون أنيسه أما المال فيبقى للورثة.

حاكمية العلم واستمراريته واختصاصه بالمؤمنين

العلم ينتفع به الإنسان بعد موته بعمل ينتفع به الناس، وهو حاكم على المال فينظم تصرف صاحبه فيه بينما المال لا يحكم على العلم. العلم النافع يختص بالمؤمنين العاملين به، والحاجة إليه عامة تشمل الملوك والرعية على حد سواء بخلاف المال.

ضرورة العلم للوصول إلى الله ونيل الجنة

العلم ضروري لكل مسلم للوصول إلى ربه والفوز بجنته، ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم. للعلم فضيلة على المال تظهر في سبعة أوجه مع وعد بذكر المزيد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن طريق طلب العلم يحتاج دائمًا وأبدًا إلى صبر وتصبر، ويحتاج دائمًا وأبدًا إلى حث وترغيب؛ حتى ينشط الطالب، وحتى كذلك يستمر في هذا الطريق. وإن العلماء رحمهم الله تعالى قد بيّنوا أشياء كثيرة فيما كتبوه في هذا الباب مما يعين على الاستمرار في طلب العلم، وعلى كذلك إثارة العلم على غيره. ومما أحببنا أن نذكر به في هذا المقام مما يعين على الاستمرار في طلب العلم، وعلى القناعة في هذا الطريق -طريق العلم- ما نبّه عليه ابن القيم رحمه الله في كتابه «مفتاح دار السعادة»، فذكر في هذا الكتاب أربعين وجهًا مما بها يُفضّل العلم على المال. فإن كثيرًا من الناس في هذا الزمان، أكثر ما يصدهم وما يبعدهم عن العلم هو جمعهم للمال وحبهم للمال. فلا شك أن هذا الفعل وهذا الأمر يشغلهم عن جمع العلم. وقد أخطأ من ظن أنه يستطيع أن يجمع المال الكثير مع طلبه للعلم. ولذلك جاء عن السلف بيان هذا الأمر، فجاء عن شعبة رحمه الله تعالى أنه قال: «من طلب الحديث أفلس». ومراده بهذا أن طالب العلم إذا اهتم بجمع العلم فإن هذا يشغل عن أن يجمع المال، فينبغي عليه أن يقنع بالعلم، وأن يقنع بهذا الطريق، وأن يعلم أن اشتغاله بجمع العلم لا يقارن مع اشتغاله بجمع المال. فهناك فروق، وهناك كذلك وجوه كثيرة بها تعلم فضل العلم على فضل المال، أو على جمع المال. فكما ذكرت لكم أن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر أربعين وجهًا مما فيها أن العلم أفضل من المال. وقد جاء بهذا أثر علي رضي الله تعالى عنه في وصيته لكميل بن زياد، هذه الوصية العظيمة التي فيها: «العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال». هكذا يوصي علي رضي الله تعالى عنه كميلًا رحمه الله تعالى. وقد قال الإمام الشافعي في وصيته لابنه: «جعلت المال فوق العلم جهلا لعمرك في القضية ما عدلت وبينهما بنص الوحي بين ستعلمه إذا طه قرأت» أي: إذا قرأت قول الله عز وجل هذه الآية التي في سورة طه: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]. فأمر الله عز وجل نبيه ﷺ من الازدياد من العلم، ولم يأمره من الازدياد بالمال. فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وفضل العلم على المال يعلم من وجوه: الأول: أن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء. فأنت تريد أن تأخذ ميراث الأنبياء، أو تريد أن تأخذ ميراث الأغنياء وميراث الملوك؟ أيهم أفضل الناس وأفضل الخلق؟ هل هم الأنبياء أو الملوك الأغنياء؟ لا شك أنهم الأنبياء. فالعاقل الذي يختار ميراث الأنبياء، كما جاء في حديث أبي الدرداء: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». هذا الوجه الأول. الثاني: أن العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله. أنت إذا كنت غنيًا بالعلم لا تحتاج إلى أن تحفظ هذا العلم في خزينة وتجعل عليه الحراس، ذاك يحرس بالليل وهذا يحرس بالنهار، وهذا يحمل الرشاش وذاك يحمل المسدس... لا، لا تحتاج لهذا. بل العلم هو الذي سيحرسك؛ يحرسك من الشياطين، يحرسك من الأعداء، يحرسك من الشبه، يحرسك من الشهوات، يحرسك من كذلك المضلات بالعلم. فالعلم هو الذي يحرسك. وأما المال فيحتاج منك إلى حراس، بل ربما تضطر إلى أن تنفق من هذا المال من أجل أن يحرس؛ تخرج من هذا المال من أجل أن يحرس، إما أن تضعه في خزينة لأحد، وإما أن تستأجر الأجراء كي يقوم بحراسته إلى غير ذلك. فأيهما أفضل: العلم الذي هو يحرسك وينفعك، أم المال الذي يحتاج منك إلى حراس؟ بل ربما إذا معك مال فأنت ربما لا تنام ليلتك؛ لماذا؟ خوفًا من أن يسرق هذا المال. وهذا حال بعض الناس، ربما إذا عنده مال، لا سيما إذا كان في بيتك وفي مكان يعني غير آمن، أو في مكان فيه شيء من الخوف، ربما لا ينام ليله ويسهر الليالي، وكذلك يتعب نفسه من أجل أن يحرس هذا المال. أما العلم فهو الذي يحرسك؛ نم بنومك كله، واذهب حيث شئت، وانزل حيث شئت، فهو الذي يحرسك. فهذا الوجه الثاني الذي به يفضل العلم على المال. الثالث: أن المال تذهبه النفقات، والعلم يزكو على النفقة. المال إذا أخرجته -معك عشرين ألفًا، أعطيت هذا ألفًا وهذا خمسة آلاف وهذا عشرة آلاف وهذا أربعة آلاف- انتهى هذا المال. انتهى، ما يزيد وينمو بالإنفاق. لكن العلم كلما أنفقت منه كلما نمى وزاد؛ لأن ذلك دليل البركة، دليل البركة والنمو والزيادة. الرابع: أن صاحب المال إذا مات فارقه ماله، والعلم يدخل معه قبره. يدخل معه قبره. وهذا أيضًا فارق واضح وبين. هذا المال الذي تجمعه، إذا فارقت الروح الجسد، هل سيدخل معك إلى قبرك؟ لا. وجاء حديث أنس: «يتبع الميت ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد». يرجعان اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله، ويبقى ماله... ويبقى علمه، ويبقى علمه. هكذا يقول النبي ﷺ: «ويبقى عمله». نعم، ومن العمل العلم؛ لأن العلم النافع قربة إلى الله عز وجل، بل هو من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه. فهو يكون أنيسك في قبرك، يدخل معك إلى القبر. أما المال، لو معك، خلص الدنيا، خلفتها بعد موتك، ما تدخل معك قبرك، ما تدخل، تبقى ويتقاسمها ورثتك. نعم، فهذا فارق عظيم. أتحب أن تشغل نفسك في هذه الدنيا بشيء ينفعك بعد موتك؟ لا ينفعك فقط في قبرك، بل ينفعك خارج قبرك، وذلك بانتفاع الناس به، كما في حديث أبي هريرة وغيره: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، ومن هذه الثلاث: «علم ينتفع به». فلا شك أن العاقل يفضل أن يشغل وقته في تحصيل العلم، وفي جمع العلم، وفي كذلك جمع مسائل العلم. هذا الوجه الرابع. الخامس: أن العلم حاكم على المال، والمال لا يحكم على العلم. العلم حاكم على المال، يعني أن هذا المال تتصرف فيه عن طريق العلم. عندك مال، لا يجوز لك أن تفعل كذا ولا كذا ولا كذا، لأن علمك يمنعك من ذلك. فإذن العلم صار حاكما على المال، صار حاكما على المال. لا يجوز لك أن تَبْذِر في المال، من الذي دلّك إلى هذا؟ العلم. لا يجوز لك أن تفضل أحد أبنائك في العطية بمالك، من الذي أرشدك إلى هذا؟ العلم. العلم حاكم على المال، هو الذي يتكيف في كيفية تصرفك في هذا المال. أما المال فليس حاكما على العلم، ليس حاكما على العلم، بل العلم هو الذي يحكم على المال. فهذا لا شك أن فيه فضيلة، وفيه شرف، وفيه كذلك وجه فضيلة للعلم. السادس: أن المال يحصل للمؤمن والكافر والبر والفاجر، والعلم النافع لا يحصل إلا للمؤمن. انتبه إلى قول ابن القيم: «والعلم النافع لا يحصل إلا للمؤمن». وهذا لا شك واضح وبين، أن المال ربما يحصل عليه أي أحد: الكافر، الفاجر، ويحصل عليه المؤمن الذي عنده من الإيمان، وعنده من وصول هذا الدين، وعنده كذلك من التمسك بهذا الدين. فالمال يحصل عليه كل هذه الأصناف: مؤمن، كافر، بر، فاجر. أما العلم النافع فلا يحصل عليه إلا المؤمن. وقوله: «العلم النافع»، أي العلم الذي يستقيم صاحبه عليه. لم يقل: «والعلم»، فقد قيده بالنافع؛ لأن من الناس من يتحصل على العلم، وربما يحفظ مسائل كثيرة في العلم، لكنه لا يعمل بهذا العلم، فهو ليس علمًا نافعًا، ليس علمًا نافعًا، إنما هو علم ضار يضر صاحبه. لماذا؟ لأنه يوم القيامة سيكون حجة عليه، سيكون حجة على هذا الشخص الذي تعلم ولم يعمل ولم ينتفع بعلمه. فلذلك العلم النافع لا يتحصل عليه إلا المؤمن التقي الذي نفعه الله عز وجل بهذا العلم. ويشك أن هذه فضل ومزية يفضل به العلم على المال. السابع: أن العلم يحتاج إليه الملوك فمن دونهم، وصاحب المال إنما يحتاج إليه أهل العدم والفاقة. يعني التاجر أو الغني، ليس كل الناس يحتاجون إليه، ليس كل الناس يحتاجون إليه؛ الذي حاله مستور، عنده ما يكفيه، وكذلك عنده القناعة بما يأتيه، وعنده غير النفس، لا يتطلع إلى ما عند الغني، ولا يذل نفسه، ولا يذهب إليه. كذلك التاجر أو الغني لا يحتاج إلى صاحب المال. لكن صاحب العلم، كل واحد يحتاج إليه، كل واحد يحتاج إلى صاحب العلم: الرئيس والمرؤوس، الراعي والرعية، الذكر والأنثى. كل واحد يحتاج إلى العلم؛ لأنه بدون علم لا يتوصل إلى ربه، ولا ينال كذلك جنة ربه، لا يقوم ذلك إلا بالعلم. فدل ذلك على فضيلة العلم على المال. هذه سبع وجوه، وبقية وجوه كثيرة، لعل الله ييسر بمجلس نذكر فيه بقية الوجوه. إلى هنا، والحمد لله.